قوله تعالى :{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ، وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ، فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ، إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى }
اعلم أن هذا هو المرة السادسة من قصة آدم عليه السلام في القرآن : أولها في سورة البقرة ثم في الأعراف ثم في الحجر ثم في الإسراء ثم في الكهف ، ثم ههنا . واعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها . أحدها : أنه تعالى لما قال : { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } ثم إنه عظم أمر القرآن وبالغ فيه ذكر هذه القصة انجازا للوعد في قوله : { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } . وثانيها : أنه لما قال : { وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } أردفه بقصة آدم عليه السلام كأنه قال : إن طاعة بني آدم للشيطان وتركهم التحفظ من وساوسه أمر قديم فإنا قد عهدنا إلى آدم من قبل أي من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد وبالغنا في تنبيهه حيث قلنا : { إن هذا عدو لك ولزوجك } ثم إنه مع ذلك نسي وترك ذلك العهد فأمر البشر في ترك التحفظ من الشيطان أمر قديم . وثالثها : أنه لما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقل رب زدني علما } ذكر بعده قصة آدم عليه السلام فإنه بعدما عهد الله إليه وبالغ في تجديد العهد وتحذيره من العدو نسي ، فقد دل ذلك على ضعف القوة البشرية عن التحفظ فيحتاج حينئذ إلى الاستعانة بربه في أن يوفقه لتحصيل العلم ويجنبه عن السهو والنسيان . ورابعها : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما قيل له : { ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضي إليك وحيه } دل على أنه كان في الجد في أمر الدين بحيث زاد على قدر الواجب فلما وصفه بالإفراط وصف آدم بالتفريط في ذلك فإنه تساهل في ذلك ولم يتحفظ حتى نسي فوصف الأول بالتفريط والآخر بالإفراط ليعلم أن البشر لا ينفك عن نوع زلة . وخامسها : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما قيل له : { ولا تعجل } ضاق قلبه وقال في نفسه : لولا أني أقدمت على ما لا ينبغي وإلا لما نهيت عنه فقيل له : إن كنت فعلت ما نهيت عنه فإنما فعلته حرصا منك على العبادة ، وحفظا لأداء الوحي وإن أباك أقدم على ما لا ينبغي للتساهل وترك التحفظ فكان أمرك أحسن من أمره ، أما قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل } فلا شك أن المراد بالعهد أمر من الله تعالى أو نهي منه كما يقال في أوامر الملوك ووصاياهم أشار الملك إليه وعهد إليه . قال المفسرون : عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة ولا يقربها ، وفي قوله تعالى : { من قبل } وجوه . أحدها : من قبل هؤلاء الذين صرفنا لهم الوعيد في القرآن . وثانيها : قال ابن عباس : من قبل أن يأكل من الشجرة عهدنا إليه أن لا يأكل منها . وثالثها : أي من قبل محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وهو قول الحسن ، أما قوله : { فنسي } فقد تكلمنا فيه على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة ، ونعيد ههنا منه شيئا قليلا ، وفي النسيان قولان : أحدهما : المراد ما هو نقيض الذكر ، وإنما عوتب على ترك التحفظ والمبالغة في الضبط حتى تولد منه النسيان ، وكان الحسن رحمه الله يقول : والله ما عصى قط إلا بنسيان . والثاني : أن المراد بالنسيان الترك وأنه ترك ما عهد إليه من الاحتراز عن الشجرة وأكل من ثمرتها ، وقرئ : فنسي أي فنساه الشيطان ، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يقال : أقدم على المعصية من غير تأويل وأن يقال : أقدم عليها مع التأويل ، والكلام فيه قد تقدم في سورة البقرة ، وأما قوله : { ولم نجد له عزما } ففيه أبحاث :
البحث الأول : الوجود يجوز أن يكون بمعنى العلم ومنه ولم نجد له عزما وأن يكون نقيض العدم كأنه قال : وعدمنا له عزما .
البحث الثاني : العزم هو التصميم والتصلب ، ثم قوله : { ولم نجد له عزما } يحتمل ولم نجد له عزما على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب ، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزما على ترك المعصية أو لم نجد له عزما على التحفظ والاحتراز عن الغفلة ، أو لم نجد له عزما على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا : إنه عليه السلام إنما أخطأ بالاجتهاد .
{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءادَمَ } كأنه لما مدح سبحانه القرآن ، وحرض على استعمال التؤدة والرفق في أخذه وعهد على العزيمة بأمره وترك النسيان فيه ضرب حديث آدم مثلاً للنسيان وترك العزيمة .
وذكر ابن عطية أن في ذلك مزيد تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم عن العجلة وعدم التؤدة لئلا يقع فيما لا ينبغي كما وقع آدم عليه السلام ، فالكلام متعلق بقوله تعالى : { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان } [ طه : 114 ] الخ ، وقال الزمخشري : هو عطف على { صَرَفْنَا } [ طه : 113 ] عطف القصة على القصة ، والتخالف فيه إنشاء وخبرية لا يضر مع أن المقصود بالعطف جواب القسم . وحاصل المعنى عليه صرفنا الوعيد وكررناه لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً لكنهم لم يلتفتوا لذلك ونسوه كما لم يلتفت أبوهم إلى الوعيد ونسي العهد إليه . والفائدة في ذلك الإشارة إلى أن مخالفتهم شنشنة أخزمية وأن أساس أمرهم ذلك وعرقهم راسخ فيه ، وحكى نحو هذا عن الطبري .
وتعقبه ابن عطية بأنه ضعيف لما فيه من الغضاضة من مقام آدم عليه السلام حيث جعلت قصته مثلاً للجاحدين لآيات الله تعالى وهو عليه السلام إنما وقع منه ما وقع بتأويل انتهى ، والإنصاف يقضي بحسنه فلا تلتفت إلى ما قيل : إن فيه نظراً ، وقال أبو مسلم : إنه عطف على قوله تعالى : { كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } [ طه : 99 ] وليس بذاك ، نعم فيه مع ما تقدم إنجاز الموعود في تلك الآية ، واستظهر ابن عطية فيه أحد أمرين التعلق بِ { لا تعجل } [ طه : 114 ] وكونه ابتداءً كلام لا تعلق له بما قبله ، وهذا الأخير وإن قدمه في كلامه ناشئ من ضيق العطن كما لا يخفى ، والعهد الوصية يقال عهد إليه الملك ووغر إليه وعزم عليه وتقدم إليه إذا أمره ووصاه ، والمعهود محذوف يدل عليه ما بعده ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وأقسم بالله لقد أمرناه ووصيناه { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا الزمان ، وقيل : أي من قبل وجود هؤلاء المخالفين .
وعن الحسن أي من قبل إنزال القرآن ، وقيل : أي من قبل أن يأكل من الشجرة { فَنَسِىَ } العهد ولم يهتم به ولم يشتغل بحفظه حتى غفل عنه ، والعتاب جاء من ترك الاهتمام ، ومثله عليه السلام يعاتب على مثل ذلك ، وعن ابن عباس والحسن أن المراد فترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها فالنسيان مجاز عن الترك والفاء للتعقيب وهو عرفي ، وقيل : فصيحة أي لم يهتم به فنسي والمفعول محذوف وهو ما أشرنا إليه ، وقيل : المنسي الوعيد بخروج الجنة إن أكل ، وقيل قوله تعالى : { إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } [ طه : 117 ] وقيل : الاستدلال على أن النهي عن الجنس دون الشخص ، والظاهر ما أشرنا إليه .
وقرأ اليماني . والأعمش { فَنَسِىَ } بضم النون وتشديد السين أي نساه الشيطان { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تصميم رأي وثبات قدم في الأمور ، وهذا جار على القولين في النسيان ، نعم قيل : إنه أنسب بالثاني وأوفق بسياق الآية على ما ذكرنا أولاً . وروى جماعة عن ابن عباس وقتادة أن المعنى لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة ، وعن ابن زيد وجماعة أن المعنى لم نجد له عزماً على الذنب فإنه عليه السلام أخطأ ولم يتعمد وهو قول من قال : إن النسيان على حقيقته ؛ وجاء عن ابن عباس ما يقتضيه ، فقد أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عنه قال : قال لي عمر رضي الله تعالى عنه إن صاحبكم هذا يعني علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه إن ولى زهد ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به قلت : يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله ما نقول : إنه غير ولا بدل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته فقال ولا في بنت أبي جهل وهو يريد أن يخطبها على فاطمة قلت : قال الله تعالى في معصية آدم عليه السلام { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } فصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد دفعها عن نفسه وربما كانت من الفقيه في دين الله تعالى العالم بأمر الله سبحانه فإذا نبه عليها رجع وأناب فقال : يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً ، لكن لا يخفى عليك أن هذا التفسير غير متبادر ولا كثير المناسبة للمقام . وحاصل لم نجد الخ عليه أنه نسي فيتكرر مع ما قبله .
ثم إن { لَمْ نَجِدْ } إن كان من الوجود العلمي ، فله عزماً مفعولاه قدم الثاني على الأول لكونه ظرفاً وإن كان من الوجود المقابل للعدم كما اختاره بعضهم فله متعلق به قدم على مفعوله لما مر غير مرة أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله المنكر ، والمعنى على هذا ولم نصادف له عزماً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.