مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} (164)

قوله تعالى : { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وأن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } .

اعلم أن في وجه النظم وجوها : الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والإعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة .

الوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال : لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فإنه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الإنسان إلى الخيانة .

الوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول والدناءة ، فإذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والإحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح إليه على خلاف العقل .

الوجه الرابع : أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } وثالثها : القطع وهو قوله : { لهم أجر غير ممنون } { وإن لك لأجرا غير ممنون } ورابعها : الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك } وقوله : { ولا تمنن تستكثر } والمنان في صفة الله تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : { لقد من الله على المؤمنين } أي أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول .

المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : { وما أرسلناك إلا كافة للناس } إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { هدى للمتقين } مع أنه هدى للكل ، كما قال : { هدى للناس } وقوله : { إنما أنت منذر من يخشاها } .

المسألة الثالثة : اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الإنعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين : أحدهما : المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني : المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره .

أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } قال أبو عبد الله الحليمي : وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه : الأول : أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية ، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها ، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها . والثاني : أن الخلق وإن كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم ، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة ، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من الغلط ومن الإقدام على ما لا ينبغي . والثالث : أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى إنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها . الرابع : أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر ، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل إلا عند سطوع نور الشمس ، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس ، فيقوي العقول بنور عقله ، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره ، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة .

وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات ، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله : { من أنفسهم } .

واعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه : الأول : أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله ، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف ، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب ، والملازمة على الصدق ، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة ، وبعده عن الخيانة والكذب ، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح أنواع الكذب ، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى . الثاني : أنهم كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا ، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة ، ثم إنه بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين ، ثم إنه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم ، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا بالوحي السماوي والإلهام الإلهي . الثالث : أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك ، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة ، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله ، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا ، فإذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها ، فلما لم يفعل شيئا من ذلك علم أنه كان صادقا . الرابع : أن الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير الطاعات ، ومعلوم أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله . الخامس : أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان ، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة . ثم لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطيباتها . ولا شك أن فيه أعظم المنة .

إذا عرفت هذه الوجوه فنقول : إن محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال ، مطلعين على هذه الدلائل ، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال . فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال : { إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخر لهم ، كما قال : { وإنه لذكر لك ولقومك } وذلك لأن الافتخار بإبراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب . ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل ، فما كان للعرب ما يقابل ذلك ، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم ، فهذا هو وجه الفائدة في قوله : { من أنفسهم } .

ثم قال بعد ذلك : { يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } .

واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين : في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وبعبارة أخرى : للنفس الإنسانية قوتان ، نظرية وعملية ، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين ، فقوله : { يتلو عليهم ءاياته } إشارة إلى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق ، وقوله : { ويزكيهم } إشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية { والكتاب } إشارة إلى معرفة التأويل ، وبعبارة أخرى { الكتاب } إشارة إلى ظواهر الشريعة { والحكمة } إشارة إلى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها ، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة . وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين ، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم ، فإذا كان وجه النعمة العلم والإعلام ، عقيب الجهل والذهاب عن الدين ، كان أعظم ونظيره قوله : { ووجدك ضالا فهدى } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} (164)

{ لَقَدْ مَنَّ الله } أي أنعم وتفضل ، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة مناً لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها ، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله { عَلَى المؤمنين } أي من قومه أو من العرب مطلقاً أو من الإنس وخير الثلاثة الوسط وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة والأول خير من الثالث وأياً مّا كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري : المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان .

{ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ } أي بينهم { رَسُولاً } عظيم القدر جليل الشأن { مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي من نسبهم ، أو من جنسهم عربياً مثلهم أو من بني آدم لا ملكاً ولا جنياً و { إِذْ } ظرف لمنّ وهو وإن كان بمعنى الوقت لكن وقع في معرض التعليل كما نص عليه معظم المحققين ، والجار إما متعلق ببعث أو بمحذوف وقع صفة لرسولاً والامتنان بذلك إما لحصول الأنس بكونه من الإنس فيسهل التلقي منه وتزول الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين الجنسين المختلفين ، وإما ليفهموا كلامه بسهولة ويفتخروا على سائر أصناف نوع بني آدم ، وإما ليفهموا ويفتخروا ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به صلى الله عليه وسلم ، وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] لمزيد انتفاعهم على اختلاف الأقوال فيهم بها ، ونظير ذلك قوله تعالى : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] وقرىء لمن منّ الله بمن الجارة ومنّ المشددة النون على أنه خبر لمبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه وحذف لقيام الدلالة ، وجوز الزمخشري أن تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً بمعنى لمن منّ الله تعالى على المؤمنين وقت بعثه ، ولا يخفى عليك أن هذا يقتضي أن تكون إذ مبتدأ والجار والمجرور خبراً وقد اعترض ذلك بأنه لم يعلم أن أحداً من النحويين قال بوقوع إذ كذلك ، وما في المثال إذا لا إذ ، وهي أيضاً فيه ليست مبتدأ أصلاً ، وإنما جوزوا فيها وجهين : النصب على أن الخبر محذوف وهي سادّة مسدّه ، والرفع على أنها هي الخبر ، وعلى الأول : يكون الكلام من باب جد جده لأن الأمير أخطب في حال القيام لا كونه ، وعلى الثاني : من باب نهاره صائم والوجه الأول هو المشهور ، وجوز الثاني عبد القاهر تمسكاً بقول بعضهم : أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بالرفع فكأن الزمخشري قاس إذ على إذا والمبتدأ على الخبر .

وانتصر بعضهم للزمخشري بأنه قد صرح جماعة من محققي النحاة بخروج إذ عن الظرفية فتكون مفعولاً به ، وبدلاً من المفعول وهذا في قوة تصريحهم بوقوعها مبتدأ وخبراً مثلاً إذ هو قول بتصرفها ، ومتى قيل به كانت جميع الأحوال مستوية في جواز الإقدام عليها من غير تفرقة بين حال وحال إلا لمانع يمنع من ذلك الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء وهو أمر آخر وراء ما نحن فيه ، نعم حكى الشلوبين في «شرح الجزولية » عن بعضهم أن مأخذ التصرف في الظروف هو السماع فإن كان هذا حكم أصل التصرف فقط دون أنواعه ارتفع الغبار عما قاله الزمخشري بناءاً على ما ذكرنا بلا خفاء وإن كان حكم الأنواع أيضاً كذلك فلا يقدم على الفاعلية بمجرد ثبوت المفعولية ولا على الابتدائية بمجرد ثبوت الخبرية مثلاً إلا بورود سماع في ذلك ، ففي صحة كلام الزمخشري تردد بيّن لأن مجرد تصريحهم حينئذ بوقوع إذ مفعولاً وبدلاً وبوقوع إذا خبراً مثلاً لا يجدي نفعاً لجواز ورود السماع بذلك دون غيره كما لا يخفى .

وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم { مّنْ أَنفسِهِمْ } بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن . وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه صلى الله عليه وسلم بشراً ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية ؟ فأجاب بأنه شرط في صحة الإيمان ، ثم قال : فلو قال شخص : أومن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من الجن ، أو لا أدري هل هو من العرب أو العجم ؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفاً عن سلف وصار معلوماً بالضرورة عند الخاص والعام ولا أعلم في ذلك خلافاً فلو كان غبياً لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى ، وهل يقاس اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه منزه تلك الساحة العلية عن كل وصمة ؟ فيه تأمل ، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام المؤمنين .

{ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته } إما صفة أو حال أو مستأنفة ، وفيه بعد أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفاً متشوقاً إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به { وَيُزَكّيهِمْ } أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين ، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين ، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها قاله الفراء ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه .

{ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } قد تقدم الكلام في ذلك . وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى : { رَبَّنَا وابعث فيهم رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ } [ البقرة : 129 ] لتبادر إلى الفهم عدّ الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن بالآيات تارة وبالكتاب والحكمة أخرى رمزاً إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة قاله مولانا شيخ الإسلام ، وقد يقال : المراد من تلاوة الآيات تلاوة ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الآيات الدالة على التوحيد والنبوة ، ومن التزكية ، الدعاء إلى الكلمة الطيبة المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد ولنبيه عليه الصلاة والسلام بالرسالة ، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ لهم بذلك إقامة عماد الدين ، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى ، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يمهد سبل التوحيد ويدعو إليه ويعلم ما يلزم بعد التلبس به ويزيد على الزبد شهداً فتقديم التلاوة لأنها من باب التمهيد ثم التزكية لأنها بعده وهي أول أمر يحصل منه صفة يتلبس بها المؤمنون وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، ثم التعليم لأنه إنما يحتاج إليه بعد الإيمان ، بقي أمر تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذاناً بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل .

{ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } أي من قبل بعثة الرسول { لَفِى * ضلال مُّبِينٍ } ظاهر { وَأَنْ } هي المخففة واللام هي الفارقة ، والمعنى إن الشأن كانوا من قبل الخ . وإلى هذا ذهب بعض المحققين ، وذكر مثله مكي إلا أنه قال : التقدير وأنهم كانوا من قبل فجعل اسمها ضميراً عائداً على المؤمنين ، قال أبو حيان : «وكلا الوجهين لا نعرف نحوياً ذهب إليه وإنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت : إن زيداً قائم ثم خففت ، فمذهب البصريين فيها ( إذ ذاك ) وجهان : أحدهما : جواز الإعمال ويكون حالها وهي مخففة كحالها وهي مشددة إلا أنها لا تعمل في مضمر ، ومنع ذلك الكوفيون وهم محجوجون بالسماع الثابت من لسان العرب والوجه الثاني : وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا مضمر لا ملفوظ ( به ) ( 1 ) ولا مقدر البتة فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت اللام في ثاني مصحوبيها إن لم ينف ، وفي أولهما إن تأخر ، فتقول : إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيداً قائم ، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء ، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم2 .

/ وأجاب الحلبي عمن قدر الشأن بأنه تفسير معنى لا بيان إعراب ، وقال عصام الملة : إن من قال : إن الشأن لم يرد تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة حالاً بتأويل القصة ذلك لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإن زمان الكون في ضلال مبين قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمر ، ثم قال : وهذا تأويل شائع مشهور في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل فاحفظه ولا تلفظه انتهى ، وأنت تعلم أن ما ذكره الحلبي خلاف الظاهر ، وكلام عصام الملة منظور فيه ؛لأن المناسب لما ذكره على تقدير تعينه تقدير الشأن قبل أن ، لا بعدها كما لا يخفى ، وجوز بعضهم كون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب ، والأكثرون على الحالية ، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة وتمامها .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فيهم رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } [ آل عمران : 164 ] إذ هو صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه على المؤمنين ولو تجلى لهم صرفاً لاحترقوا بأول سطوات عظمته ، ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام { مّنْ أَنفُسِهِمْ } كونه في لباس البشر ظاهراً بالصورة التي هم عليها وحمل المؤمنين على العارفين والرسول على الروح الإنساني المنور بنور الأسماء والصفات المبعوث لإصلاح القوى ، غير بعيد في مقام الإشارة .