اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} (164)

" لقد من الله " جوابٌ لقسم محذوفٌ ، وقُرِئ : لَمِنْ مَنَّ الله{[6170]} - ب " من " الجارة ، و " منِّ " - بالتشديد مجرورها - وخرَّجه الزمخشريُّ على وجهينِ :

أحدهما : أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوفٌ ، تقديره : لمن من الله على المؤمنين مَنُّهُ ، أو بعثه إذ بَعَثَ فيهم ، فحذف لقيامِ الدَّلالةِ .

الثاني : أنه جعل المبتدأ نفس " إذ " بمعنى : وقتٍ : وخبرها الجارُّ قبلها ، وتقديره : لمن من الله على المؤمنين وقت بَعْثِهِ ، ونظره بقولهم : أخطب ما يكون الأميرُ إذا كان قائماً .

وهذان وجهانِ - في هذه القراءة - مما يدلان على رسوخ قدمِهِ في هذا العلمِ .

قال شهابُ الدينِ : إلا أن أبا حيان قد ردَّ عليه الوجه الثاني بأن " إذْ " غيرُ متصرفةٍ ، لا تكون إلا ظرفاً ، أو مضافاً إليها اسم زمان أو مفعولة ب " اذكر " - على قول - ونقل قول أبي علي - فيها وفي " إذا " أنهما لم يردا في كلام العربِ إلا ظرفين ، ولا يكونان فاعلين ، ولا مفعولين ، ولا مبتدأين .

قال : ولا يحفظ من كلامهم : إذْ قام زيد طويل - يريد : وقت قيامه طويل - وبأن تنظيره القراءة بقولهم : أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً ، خطأ ؛ من حيث إن المشبه مبتدأ ، والمشبهُ به ظرف في موضعِ الخبرِ - عند من يُعْرِب هذا الإعرابَ - ومن حيثُ إنَّ هذا الخبرَ - الذي قد أبرزه ظاهراً - واجب الحذف ؛ لسَدِّ الحال مَسَدَّه{[6171]} ، نص عليه النحويونَ الذين يعربونه هكذا ، فكيف يبرزه في اللفظ ؟

قال شهابُ الدين : " وجواب هذا الردِّ واضحٌ وليت أبا القاسم لم يذكر تخريج هذه القراءة ؛ لكي نسمع ما يقول هو " .

والجمهورُ على ضم الفاء - من أنفسهم - أي : من جملتهم وجنسهم ، وقرأت عائشةُ ، وفاطمة والضّحّاكُ ، ورواها أنس عنه صلى الله عليه وسلم بفتح الفاء{[6172]} ، من النفاسة - وهي الشرف - أي : من أشرفهم نسباً ، وخَلْقاً ، وخُلُقاً .

وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا أنفسكم نسباً ، وحسباً ، وصهراً " {[6173]} وهذا الجارُّ يحتمل وجهين :

الأول : أن يتعلق بنفس " بعث " .

الثاني : أن يتعلق بمحذوف ، على أنه وصف ل " رسولاً " فيكون منصوب المحل ، ويقوي هذا الوجه قراءة فتح الفاء .

فصل في المراد ب " أنفسهم "

قيل : أراد به العرب ؛ لأنه ليس حَيّ من أحياء العرب إلا وقد ولد صلى الله عليه وسلم ولد فيهم نسب ، إلا بني تغلب ، لقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ } [ الجمعة : 2 ] .

وقال آخرون : أراد به جميع المؤمنين .

ومعنى قوله : " من أنفسهم " أي : بالإيمان والشفقة ، لا بالنسب ، كقوله تعالى :

{ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة : 128 ] .

ووجه هذه المِنَّة : أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يُخَلِّصُهم من عقابِ الله ، ويوصلهم إلى ثواب الله ، كقوله تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }

[ الأنبياء : 107 ] وأيضاً كونه من أنفسهم لأنه لو كان من غير جنسهم لم يَرْكَنوا إليه .

وخص هذه المنة بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بها ، كقوله : { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] .

فصل

قال الواحدي : المَنّ - في كلام العرب - بإزاء مَعَانٍ :

أحدها : الذي يسقط من السماء ، قال تعالى : { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى }

[ البقرة : 57 ] .

ثانيها : أن تُمَنَّ بما أعطيتَ كقوله : { لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى } [ البقرة : 264 ] .

ثالثها : القَطْع ، كقوله : { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } [ الانشقاق : 25 ] وقوله : { وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } [ القلم : 3 ] .

رابعها : الإنعام والإحسان إلى مَنْ يطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : { هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ ص : 39 ] . وقوله : { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [ المدثر : 6 ] . والمنَّان - في صفة الله تعالى - : المُعْطِي ابتداءً من غير طلب عِوَضٍ ، ومنه الآية :

{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ } [ آل عمران : 164 ] أي : أنعم عليهم ، وأحْسَن إليهم ببعثِهِ هذا الرسول .

قوله : { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ } في محل نصب حال ، أو مستأنف .

وقال القرطبي : " يتلو " في موضع نصب ، نعت ل " رسولاً " - وقد تقدم نظيرها في البقرة .

{ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } [ آل عمران : 164 ] معنى الآية : يبلغهم الوحي ، ويطهرهم ، ويعلمهم الكتاب - أي : معرفة الأحكام الشرعية - والحكمة - أي : أسرارها وعِلَلَها ومنافعها - ثم قال : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } وهذا وَجْه النعمة ؛ لأن ورود العلم عقيب الجهل من أعظم النعم .

قوله : { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } هي " إن " المخففة ، واللام فارقة - وقد تقدم تحقيقه - إلا أن الزمخشري ومكيًّا - هنا - حين جعلاها مخففة قدَّرَا لها اسماً محذوفاً .

فقال الزمخشري : " وتقديره : إن الشأن ، وإن الحديث كانوا من قبل " . وقال مكي : " وأما سيبويه فإنه قال " إن " مخففة من الثقيلة ، واسمها مضمر ، والتقدير - على قوله - : وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين " . وهذا ليس بجيّد ؛ لأن " إن " المخففة إنما تعمل في الظاهر - على غير الأفصح - ولا عمل لها في المضمر ولا يقَدَّر لها اسمٌ محذوفٌ ألبتة ، بل تُهْمَل ، أو تعمل - على ما تقدم - مع أن الزمخشريَّ لم يُصَرِّحْ بأن اسمها محذوف ، بل قال : " إن " هي المخففةٌ من الثَّقِيلَةِ ، واللام فارقة بينها وبين النافية ، وتقديره : وإن الشأن والحديث كانوا ؛ وهذا تفسيرُ معنى لا إعراب .

وفي هذه الجملة وجهان :

أحدهما : أنها استئنافية ، لا محلَّ لَهَا مِنَ الأعْرَاب .

والثاني أنها محل نَصْب على الحال من المفعول به - في : " يعلمهم " وهو الأظهر .


[6170]:انظر: البحر المحيط 3/109، والدر المصون 2/250.
[6171]:يحذف الخبر وجوبا في أربعة مواضع: الأول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد لولا، نحو: لولا زيد لأتيتك، التقدير: لولا زيد موجود لأتيتك، والحذف في مثل هذا واجب إلا قليلا، وهذه هي طريقة لبعض النحويين، والطريقة الثانية أن الحذف واجب دائما، وأن ما ورد من ذلك بغير حذف في الظاهر مؤول، والطريقة الثالثة أن الخبر إما أن يكون كونا مطلقا، أو كونا مقيدا فإن كان الأول وجب الحذف، وإن كان كونا مقيدا فإما أن يدل عليه دليل أو لا، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره، وإن دل عليه دليل، جاز إثباته وحذفه. الثاني: أن يكون المبتدأ نصا في اليمين، نحو: "لعمرك لأفعلن" التقدير "لعمرك قسمي" فعمرك: مبتدأ، وقسمي: خبر، ولا يجوز التصريح به. فإن لم يكن المبتدأ نصا في اليمين لم يجب حذف الخبر، نحو "عهد الله لأفعلنه" التقدير "عهد الله علي" فعهد الله: مبتدأ، وعلي: خبره، لك إثباته وحذفه. الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية، نحو "كل رجل وضيعته" فكل: مبتدأ، وقوله "ضيعته" معطوف على كل، والخبر محذوف والتقدير "كل رجل وضيعته مقترنان" ويقدر الخبر بعد واو المعية. فإن لم تكن الواو نصا في المعية لم يحذف الخبر وجوبا، نحو "زيد وعمرو قائمان". الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدرا، وبعده حال سدت مسد الخبر، وهي لا تصلح أن تكون خبرا، فيحذف الخبر وجوبا، لسد الحال مسده، وذلك نحو "ضربي العبد مسيئا" فضربي: مبتدأ والعبد: معمول له، و "مسيئا": حال سدت مسد الخبر، والخبر محذوف وجوبا، والتقدير "ضربي العبد إذا كان مسيئا" إذا أردت الاستقبال وإن أردت المضي فالتقدير "ضربي العبد إذا كان مسيئا" فمسيئا: حال من الضمير المستتر في (كان) المفسر بالعبد. و "إذا كان" أو "إذ كان" ظرف زمان نائب عن الخبر. ابن عقيل 1/252 ـ 253 ـ 254 ارتشاف الضرب 2/30 ـ 31 البسيط في شرح الجمل 91.
[6172]:انظر: البحر المحيط 3/109، 110، والدر المصون 2/251.
[6173]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (2/294) وعزاه لابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعا.