قوله تعالى : { إن جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون }
لما بين أنهم لا يؤمنون بين أن ذلك من الله فقال : { إنا جعلنا } وفيه وجوه أحدها : أن المراد إنا جعلناهم ممسكين لا ينفقون في سبيل الله كما قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } والثاني : أن الآية نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين حيث حلف أبو جهل أنه يرضخ رأس محمد ، فرآه ساجدا فأخذ صخرة ورفعها ليرسلها على رأسه فالتزقت بيده ويده بعنقه . والثالث : وهو الأقوى وأشد مناسبة لما تقدم وهو أن ذلك كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هل للوجهين الأولين مناسبة مع ما تقدم من الكلام ؟ نقول الوجه الأول : له مناسبة وهي أن قوله تعالى : { فهم لا يؤمنون } [ يس : 7 ] يدخل فيه أنهم لا يصلون كما قال تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم }
أي صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة على ما بينا فكأنه قال لا يصلون ولا يزكون ، وأما على الوجه الثاني فمناسبة خفية وهي أنه لما قال : { لقد حق القول على أكثرهم } وذكرنا أن المراد به البرهان قال بعد ذلك بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه ومنع من إرسال الحجر وهو يضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلا والتفسير هو الوجه الثالث .
المسألة الثانية : قوله : { فهي } راجعة إلى ماذا ؟ نقول فيها وجهان أحدهما : أنها راجعة إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة ولكنها معلومة لأن المغلول تكون أيديه مجموعة في الغل إلى عنقه وثانيهما : وهو ما اختاره الزمخشري أنها راجعة إلى الأغلال ، معناه إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ثقالا غلاظا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه .
المسألة الثالثة : كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فنقول المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه وذكر بعده أن بين يديه سدا ومن خلفه سدا فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعا كالمغلول الذي يجعل ممنوعا من إبصار الطريق الحسي ، ويحتمل وجها آخر وهو أن يقال الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق ، ويصدق هذا قوله : { مقمحون } فإن المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبي يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة وكأنه تعالى قال : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهم مقمحون لا يخضعون الرقاب لأمر الله .
وعلى هذا فقوله تعالى : { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } يكون متمما لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل والإيمان المورث للإيقان . إما باتباع الرسول أولا فتلوح له الحقائق ثانيا وإما بظهور الأمور أولا واتباع الرسول ثانيا ، ولا يتبعون الرسول أولا لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانيا ، ولا يظهر لهم الحق أولا لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانيا وفيه وجه آخر : وهو أن يقال المانع ، إما أن يكون في النفس ، وإما أن يكون خارجا عنها ، ولهم المانعان جميعا من الإيمان ، أما في النفس فالغل ، وأما من الخارج فالسد ، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه ، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله : { إنا جعلنا في أعناقهم } { وجعلنا من بين أيديهم } إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق .
{ إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم } جمع عنق بالضم وبضمتين وهو الجيد ويقال عنيق كأمير وعنق كصرد { أغلالا } جمع غل بالضم وهو على ما قيل ما يشد به اليد إلى العنق للتعذيب والتشديد ، وفي البحر الغل ما أحاط بالعنق على معنى التثقيف والتضييق والتعذيب والأسر ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة .
وذكر الراغب أنه ما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه ، وأصله من الغلل تدرع الشيء وتوسطه ومنه الغلل للماء الجاري بين الشجر وقد يقال له الغيل ، وكأن في الكلام عليه قلباً أي جعلنا أعناقهم في أغلال كما تقول جعلت الخاتم في أصبعي أي جعلت أصبعي في الخاتم ، وجوز أن يكون على حد { لاَصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل } [ طه : 71 ] والتنوين للتعظيم والتهويل أي أغلالاً عظيمة هائلة ، وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة مما يؤيد ذلك { فَهِىَ } أي الأغلال كما هو الظاهر { إِلَى الاذقان } جمع ذقن بالتحريك مجتمع اللحيين من أسفلهما ، وأل للعهد أو عوض عن المضاف إليه والظرف متعلق بكون خاص خبر هي أي فهي واصلة أو منتهية إلى أذقانهم ، والفاء للتفريع ، وقيل : لمجرد التعقيب بناءً على عدم حمل التنوين على التعظيم والتهويل ، وقوله تعالى : { فَهُمُ } نتيجة { فَهِىَ إِلَى الاذقان } فالفاء تفريعية أيضاً ، والمقمح على ما في النهاية الذي يرفع رأسه ويغض بصره وكأنه أراد المجهول بحيث يرفع الخ .
وقال أبو عبيدة : يقال قمح البعير قموحاً إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب والجمع قماح ، ومنه قول بشر يصف سفينة أخذهم الميد فيها :
ونحن على جوانبها قعود *** نغض الطرف كالإبل القماح
وقال الليث : هو رفع البعير رأسه إذا شرب الماء الكريه ثم يعود ، ومنه قيل للكانونين شهراً قماح بضم القاف وكسرها لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رؤوسها لشدة برده ، وقال الراغب : القمح رفع الرأس لسف الشيء المتخذ من القمح أي البر إذا جرى في السنبل من لدن الإنضاج إلى حين الاكتناز ثم يقال لرفع الرأس كيفما كان قمح ، وقمح البعير رفع رأسه وأقمحت البعير شددت رأسه إلى خلف ، وقيل : المقمح الذي يجذب ذقنه حتى يصير في صدره ثم يرفع ، وقال مجاهد : القامح الرافع الرأس الواضع يده على فيه ، وقال الحسن : هو الطامح ببصره إلى موضع قدمه ، وظاهره يقتضي أن يكون هناك نكس للرأس والمعروف في القمح الرفع ، ووجه التفريع أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادراً من الحلقة إلى الذقن فلا يخليه يطأطىء ويوطىء قذاله فلا يزال مقمحاً لاسيما إذا كان الغل عظيماً ، وقال ابن عطية : إن الأغلال عريضة تبلغ بحروفها الأذقان أي فيحصل القمح ، وكلام ابن الأثير يشعر أن القمح لضيق الغل ، وإن أريد جعلنا في كل من أعناقهم أغلالاً كان أمر القمح أظهر وأظهر ، وقال البغوي .
والطبري . والزجاج . والطبرسي : ضمير هي للأيدي وإن لم يتقدم لها ذكر لوضوح مكانها من المعنى لأن الغل يتضمن العنق واليد ولذلك سمي جامعة وما يكون في العنق وحده أو في اليد وحدها لا يسمى غلاً فمتى ذكر مع العنق فاليد مرادة أيضاً ومتى ذكر مع اليد كما في قراءة ابن عباس { فَى أَيْدِيهِمْ أغلالا } وفي قراءة ابن مسعود { فِى أيمانهم أغلالا } فالعنق مراد أيضاً ، وهذا ضرب من الإيجاز والاختصار ونظير ذلك قول الشاعر :
وما أدري إذا يممت أرضا *** أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه *** أم الشر الذي لا يأتليني
حيث ذكر الخير وحده وقال أيهما أي الخير والشر ، وقد علم أن الخير والشر يعرضان للإنسان ، واختار الزمخشري ما تقدم ثم قال : والدليل عليه قوله تعالى : { فَهُم مُّقْمَحُونَ } ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة { فَهِىَ إِلَى الاذقان } ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى التسبب في الأقماح ظاهراً على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف ، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج اه ، وصاحب الانتصاف أراد الانتصار للجماعة فقال : يحتمل أن يكون الفاء في { فَهُم مُّقْمَحُونَ } للتعقيب كسابقه أو للتسبب فإن ضغط اليد مع العنق يوجب الإقماح لأن اليد تبقى ممسكة بالغل تحت الذقن رافعة لها ولأن اليد إذا كانت مطلقة كانت راحة للمغلول فربما يتحيل بها على فكاك الغل فيكون منبهاً على انسداد باب الحيلة اه .
قال صاحب الكشف : والجواب أنه لا فخامة للتعقيب المجرد ، ثم إن ما ذكره الزمخشري وقد أشرنا إليه نحن فيما سبق مستقل في حصول الإقماح فأين التعقيب ، وبه خرج الجواب عن التسبب ، وقوله ولأن اليد الخ لا يستقل جواباً دون الأولين اه ، وعلى العلات رجوع الضمير إلى الأغلال هو الحري بالاعتبار وبلاغة الكتاب الكريم تقتضيه ولا تكاد تلتفت إلى غيره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.