قوله تعالى : { وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا } .
قيل غنيمة هوازن ، وقيل غنائم فارس والروم وذكر الزمخشري في أخرى ثلاثة أوجه أن تكون منصوبة بفعل مضمر يفسره { قد أحاط } و { لم تقدروا عليها } صفة لأخرى كأنه يقول وغنيمة أخرى غير مقدورة { قد أحاط الله بها } ( ثانيها ) أن تكون مرفوعة ، وخبرها { قد أحاط الله بها } وحسن جعلها مبتدأ مع كونه نكرة لكونها موصوفة بلم تقدروا ( وثالثها ) الجر بإضمار رب ويحتمل أن يقال منصوبة بالعطف على منصوب وفيه وجهان ( أحدهما ) كأنه تعالى قال : { فعجل لكم هذه } وأخرى ما قدرتم عليها وهذا ضعيف لأن أخرى لم يعجل بها ( وثانيهما ) على مغانم كثيرة تأخذونها ، وأخرى أي وعدكم الله أخرى ، وحينئذ كأنه قال : { وعدكم الله مغانم } تأخذونها ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها ، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين وعلى هذا تبين لقول الفراء حسن ، وذلك لأنه فسر قوله تعالى : { قد أحاط الله بها } أي حفظها للمؤمنين لا يجري عليها هلاك إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحراس بالخزائن .
{ وأخرى } عطف على { هذه } في { فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه } [ الفتح : 20 ] فكأنه قيل فعجل لكم هذه المغانم وعجل لكم مغانم أخرى وهي مغانم هوازن في غزوة حنين ، والتعجيل بالنسبة إلى ما بعد فيجوز تعدد المعجل كالابتداء بشيئين ، وقوله تعالى : { لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } في موضع الصفة ووصفها بعدم القدرة عليها لما كان فيها من الجولة قبل ذلك لزيادة ترغيبهم فيها ، وقوله تعالى : { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } في موضع صفة أخرى لأخرى مفيدة لسهولة تأتيها بالنسبة إلى قدرته عز وجل بعد بيان صعوبة منالها بالنظر إلى قدرتهم ، والأحاطة مجاز عن الاستيلاء التام أي قد قدر الله تعالى عليها واستولى فيه في قبض قدرته تعالى يظهر عليها من أراد ، وقد أظهركم جل شأنه عليها وأظفركم بها ، وقيل : مجاز عن الحفظ أي قد حفظها لكم ومنعها من غيركم ، والتذييل بقوله سبحانه : { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً } أوفق بالأول ، وعموم قدرته تعالى لكونها مقتضى الذات فلا يمكن أن تتغير ولا أن تتخلف وتزول عن الذات بسبب ما كما تقرر في موضعه ، فتكون نسبتها إلى جميع المقدورات على سواء من غير اختصاص ببعض منها دون بعض وإلا كانت متغايرة بل مختلفة ، وجوز كون { أخرى } منصوبة بفعل يفسره قد أحاط الله بها مثل قضى .
وتعقب بأن الأخبار بقضاء الله تعالى بعد اندراجها في جملة الغنائم الموعود بها بقوله تعالى : { وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } [ الفتح : 20 ] ليس فيه مزيدة فائدة وإنما الفائدة في بيان تعجيلها ، وأورد عليه أن المغانم الكثيرة الموعودة ليست معينة ليدخل فيها الأخرى ، ولو سلم فليس المقصودة بالإفادة كونها مقضية بل ما بعده فتدبر ، وجوز كونها مرفوعة بالابتداء والجملة بعدها صفة وجملة قد أحاط الخ خبرها ، واستظهر هذا الوجه أبو حيان ، وقال بعض الخبر محذوف تقديره ثمت أو نحوه ، وجوز الزمخشري كونها مجرورة باضمار رب كما في قوله :
وليل كموج البحر أرخى سدوله *** وتعقبه أبو حيان بأن فيه غرابة لأن رب لم تأت في القرآن العظيم جارة مع كثرة ورود ذلك في كلام العرب فكيف تضمر هنا ، وأنت تعلم أن مثل هذه الغرابة لا تضر ، هذا وتفسير الأخرى بمغانم هوازن قد أخرجه عبد بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس واختاره غير واحد ، وقال قتادة . والحسن : هي مكة وقد حاولوها عام الحديبية ولم يدركوها فأخبروا بأن الله تعالى سيظفرهم بها ويظهرهم عليها ، وفي رواية أخرى عن ابن عباس . والحسن ، ورويت عن مقاتل أنها بلاد فارس والروح وما فتحه المسلمون ، وهو غير ظاهر على تفسير المغانم الكثيرة الموعودة فيما سبق بما وعد الله تعالى به المسلمين من المغانم إلى يوم القيامة ، وأيضاً تعقبه بعضهم بأن { لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } يشعر بتقدم محاولة لتلك البلاد وفوات دركها المطلوب مع أنه لم تتقدم محاولة .
وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال : هي خيبر ، وروى ذلك عن الضحاك . وإسحق . وابن زيد أيضاً ، وفيه خفاء فلا تغفل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.