ثم قال تعالى : { وحسبوا أن لا تكون فتنة } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو { أن لا تكون فتنة } برفع نون ( تكون ) والباقون بالنصب ، وذكر الواحدي لهذا تقريرا حسنا فقال : الأفعال على ثلاثة أضرب : فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره نحو : العلم والتيقن والتبين ، فما كان مثل هذا يقع بعده ( أن ) الثقيلة ولم يقع بعده ( أن ) الخفيفة الناصبة للفعل ، وذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشيء ، واستقراره ، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و( أن ) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } { ألم يعلم بأن الله يرى } والباء زائدة .
والضرب الثاني : فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار ، نحو : أطمع وأخاف وأرجو ، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل ، قال تعالى : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } { تخافون أن يتخطفكم الناس } { فخشينا أن يرهقهما } .
والضرب الثالث : فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو : حسب وأخواتها ، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتا ومستقرا ، وتارة بمعنى العلم فيما يكون مستقرا .
إذا عرفت هذا فنقول : يمكن إجراء الحسبان هاهنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار ، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب ، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع ، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية ، وإذا كان اللفظ محتملا لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين ، فمن رفع قوله { أن لا تكون } كان المعنى : أنه لا تكون ، ثم خففت المشددة وجعلت ( لا ) عوضا من حذف الضمير ، فلو قلت : علمت أن يقول : بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضا من حذف الضمير : نحو السين وسوف وقد ، كقوله { علم أن سيكون } ووجه النصب ظاهر .
ثم قال الواحدي : وكلا الوجهين قد جاء به القرآن ، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } { الم أحسب الناس أن يتركوا } ومثل قراءة من رفع { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم } { أيحسبون أنما نمدهم به } { أيحسب الإنسان ألن نجمع } فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها ( لن ) ومثل المذهبين في الظن قوله { تظن أن يفعل } { إن ظنا أن يقيما } ومن الرفع قوله : { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن } { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } فإن هاهنا الخفيفة من الشديدة كقوله { علم أن سيكون } لأن ( أن ) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن ، لأن ( لن ) تفيد التأكيد ، و( أن ) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه .
المسألة الثانية : أن باب حسب من الأفعال التي لابد لها من مفعولين ، إلا أن قوله { أن لا تكون فتنة } جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه : وحسبوا الفتنة غير نازلة بهم .
المسألة الثالثة : ذكر المفسرون في ( الفتنة ) وجوها ، وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، ثم عذاب الدنيا أقسام : منها القحط ، ومنها الوباء ، ومنها القتل ، ومنها العداوة ، ومنها البغضاء فيما بينهم ، ومنها الادبار والنحوسة ، وكل ذلك قد وقع بهم ، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه .
واعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين : الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام ، وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله ، والثاني : أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب .
ثم قال تعالى : { فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون } .
المسألة الأولى : الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين .
واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه : الأول : المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به ، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد عليه الصلاة والسلام بأن أنكروا نبوته ورسالته ، وإنما قال { كثير منهم } لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعا منهم آمنوا به : مثل عبد الله بن سلام وأصحابه . الثاني : عموا وصموا حين عبدوا العجل ، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت ، وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة : الثالث : قال القفال رحمه الله تعالى : ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال { وقضينا إلى بنى إسراءيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } فهذا في معنى { فعموا وصموا } ثم قال { فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا } فهذا في معنى قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } الرابع : أن قوله { فعموا وصموا } إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم ، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى .
المسألة الثانية : قرئ { عموا وصموا } بالضم على تقدير : عماهم الله وصمهم الله ، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما تقول نزكته إذا ضربته بالنزك ، وهو رمح قصير ، وركبته إذا ضربته بركبتك .
المسألة الثالثة : في قوله { ثم عموا وصموا كثير منهم } وجوه : الأول : على مذهب من يقول من العرب " أكلوني البراغيث " والثاني : أن يكون { كثير منهم } بدلا عن الضمير في قوله { ثم عموا وصموا } والإبدال كثير في القرآن قال تعالى : { الذي أحسن كل شيء خلقه } وقال : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وهذا الإبدال هاهنا في غاية الحسن ، لأنه لو قال : عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك ، فلما قال { كثير منهم } دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل . الثالث : أن قوله { كثير منهم } خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : هم كثير منهم .
المسألة الرابعة : لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر ، فنقول : إن فاعل هذا الجهل هو الله تعالى أو العبد ، والأول : يبطل قوله المعتزلة ، والثاني : باطل لأن الإنسان لا يختار البتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه .
فإن قالوا : إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم .
قلنا : حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر ، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لابد من انتهائها إلى الجهل الأول ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه ، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى .
ثم قال تعالى : { والله بصير بما يعملون } أي من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل ، والمقصود منه التهديد .
{ وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي ظن بنو إسرائيل أن لا يصيبهم من الله تعالى بما فعلوا بلاء وعذاب لزعمهم كما قال الزجاج أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه أو لإمهال الله تعالى لهم أو لنحو ذلك ، وعن مقاتل تفسير الفتنة بالشدة والقحط ، والأولى حملها على العموم ، وعلى التقديرين ليس المراد منها معناها المعروف . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب { أَن لا * تَكُونُ } بالرفع على { ءانٍ } هي المخففة من الثقيلة ، وأصله أنه لا تكون فخفف { ءانٍ } وحذف ضمير الشأن وهو اسمها وتعليق فعل الحسبان بها ، وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته . و { ءانٍ } بما في حيزها سادّ مسد مفعوليه ، وقيل : إن حسب هنا بمعنى علم ، و { ءانٍ } لا تخفف إلا بعدما يفيد اليقين ، وقيل : إن المفعول الثاني محذوف أي وحسبوا عدم الفتنة كائناً ، ونقل ذلك عن الأخفش ، و { تَكُونُ } على كل تقدير تامة .
وقوله تعالى : { فَعَمُواْ } عطف على { *حسبوا } والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا في فنون الغي والفساد وعموا عن الدين بعدما هداهم الرسل إلى معالمه وبينوا لهم مناهجه { فَعَمُواْ وَصَمُّواْ } عن استماع الحق الذي ألقوه إليهم ، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعيا ، وقيل : حبسوا أرميا عليهما السلام .
{ ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ } حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعدما كانوا ببابل دهراً طويلاً تحت قهر بختنصر أسارى في غاية الذل والمهانة ، فوجه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارس إلى بيت المقدس فعمره ورد من بقي من بني إسرائيل في أسر بختنصر إلى وطنهم وتراجع من تفرق في الأكناف فاستقروا وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه ، وقيل : لما ورث بهمن بن أسفنديار الملك من جده كستاسف ألقى الله تعالى في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام ، وملك عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر فقامت فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال ، وذلك قوله تعالى : { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ } [ الإسراء : 6 ] ولم يسند سبحانه التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى والصمم تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم ، وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبة الله تعالى عليهم تمهيداً لبيان نقضهم إياها بقوله سبحانه : { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } وهو إشارة إلى المرة الآخرة من مرتي إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام ، وجعل الزمخشري العمى والصمم أولاً : إشارة إلى ما صدر منهم من عبادة العجل ، وثانياً : إشارة إلى ما وقع منهم من طلبهم الرؤية ، وفيه أن عبادة العجل وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى عليه السلام ، ولا تعلق لها بما حكي عنهم بما فعلوا بالرسل الذين جاءوهم بعده عليه السلام بأعصار ، وكذا القول على زعمه في طلب الرؤية على أن طلب الرؤية كان من القوم الذين مع موسى عليه السلام حين توجه للمناجاة ، وعبادة العجل كانت من القوم المتخلفين فلا يتحقق تأخره عنها ، وحمل { ثُمَّ } للتراخي الرتبي دون الزماني مما لا ضرورة إليه ، وقيل : إن العمى والصمم أولاً : إشارة إلى ما كان في زمن زكريا ويحيى عليهما السلام ، وثانياً : إشارة إلى ما كان في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من الكفر والعصيان ، وبدأ بالعمى لأنه أول ما يعرض للمعرض عن الشرائع فلا يبصر من أتى بها من عند الله تعالى ولا يلتفت إلى معجزاته ، ثم لو أبصره لم يسمع كلامه فيكون عروض الصمم بعد عروض العمى ، وقرىء { وَصَمُّواْ ثُمَّ } بالضم على تقدير عماهم الله تعالى وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم ، كما يقال : نزكته إذا ضربته بالنيزك ، وركبته إذا ضربته بركبتك .
وقوله تعالى : { كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير في الفعلين ، وقيل : هو فاعل والواو علامة الجمع لا ضمير ، وهذه لغة لبعض العرب يعبر عنها النحاة بأكلوني البراغيث أو هو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصمم كثير منهم . وقيل : أي العمى والصمم كثير منهم أي صادر ذلك منهم كثيراً وهو خلاف الظاهر ، وجوز أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره ، وضعف بأن الخبر للفعلي لا يتقدم على المبتدأ لالتباسه بالفاعل ، ورد بأن منع التقديم مشروط بكون الفاعل ضميراً مستتراً إذ لا التباس فيما إذا كان بارزاً ، والتباسه بالفاعل في لغة أكلوني البراغيث لم يعتبروه مانعاً لأن تلك اللغة ضعيفة لا يلتفت إليها ، ومن هنا صرح النحاة بجواز التقديم في مثل الزيدان قاما لكن صرحوا بعدم جواز تقديم الخبر فيما يصلح المبتدأ أن يكون تأكيداً للفاعل ، نحو أنا قمت فإن أنا لو أخر لالتبس بتأكيد الفاعل ، وما نحن فيه مثله إلا أن الالتباس فيه بتابع آخر أعني البدل فتدبر ، وإنما قال سبحانه : { كَثِيرٌ مّنْهُمْ } لأن بعضاً منهم لم يكونوا كذلك .
{ والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بما عملوا وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة مع ما في ذلك من رعاية الفواصل ، والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور ؛ ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا إشارة إجمالية اكتفى بها تعويلاً على ما فصل نوع تفصيل في سورة بني إسرائيل ، ولا يخفى موقع { بَصِيرٌ } هنا مع قوله سبحانه : { عَمُواْ } .