مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

قوله تعالى : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم }

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } فيه قولان : الأول : أنهم قوم من المنافقين . تابوا عن النفاق . والثاني : أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك ، لا للكفر والنفاق ، لكن للكسل ، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا ، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله : { وآخرون } عطف على قوله : { وممن حولكم من الأعراب منافقون } والعطف يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا ، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق والمبالغة فيه . وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق .

المسألة الثانية : روي أنهم كانوا ثلاثة : أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، وقيل : كانوا عشرة . فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك ، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت هذه عادته ، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين ، سأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم ، فقال : وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم ، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها ، فتصدق بها وطهرنا ، فقال : «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا » فنزل قوله : { خذ من أموالهم صدقة } الآية .

المسألة الثالثة : قوله : { اعترفوا بذنوبهم } قال أهل اللغة : الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة ، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم ، وفيه دقيقة ، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف .

فإن قيل : الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا ؟

قلنا : مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة ، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي ، والعزم على تركه في المستقبل ، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منهيا عنه من قبل الله تعالى ، كان هذا المجموع توبة ، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى : { عسى الله أن يتوب عليهم } والمفسرون قالوا : إن عسى من الله يدل على الوجوب .

ثم قال تعالى : { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } وفيه بحثان :

البحث الأول : في هذا العمل الصالح وجوه : الأول : العمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه ، والسيئ هو التخلف عن الغزو . والثاني : العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عن غزوة تبوك . والثالث : أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم .

البحث الثاني : لقائل أن يقول : قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطا . فما المخلوط به . وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق ، وأما قولك خلطته ، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر ، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن . واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق ، لأن العمل الصالح والعمل السيئ إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا ، فإن عندنا القول بالإحباط باطل ، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب ، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب ، فقوله تعالى : { خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة ، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر ، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيئ بالمخالطة . والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما ، لأن الاختلاط صفة للمختلطين ، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال ، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط .

ثم قال تعالى : { عسى الله أن يتوب عليهم } وفيه مباحث :

البحث الأول : ههنا سؤال ، وهو أن كلمة { عسى } شك وهو في حق الله تعالى محال ، وجوابه من وجوه :

الوجه الأول : قال المفسرون : كلمة عسى من الله واجب ، والدليل عليه قوله تعالى : { فعسى الله أن يأتي بالفتح } وفعل ذلك ، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام ، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئا فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى ، أو لعل ، تنبيها على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئا وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول ، فذكر كلمة { عسى } الفائدة فيه هذا المعنى ، مع أنه يفيد القطع بالإجابة .

الوجه الثاني : في الجواب ، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإنكار والإهمال .

البحث الثاني : قال أصحابنا قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى ، والعقل أيضا دليل عليه ، لأن الأصل في التوبة الندم ، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلا للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى ، وأيضا فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين ، ثم يصير عظيم الندامة عليه ، وحال كونه راغبا فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب ، وحال صيرورته نادما عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب ، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة ، وعلى تحصيل الرغبة ، قالت المعتزلة : المراد من قوله : يتوب الله أنه يقبل توبته .

والجواب : أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن ، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره ، أما ههنا ، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره ، فكيف يحسن التأويل .

البحث الثالث : قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل . وقوله : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي ، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة ، بل كان مقدمة للتوبة ، وأن التوبة إنما تحصل بعدها .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

{ وَءاخَرُونَ } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ولم يكونوا منافقين على الصحيح . وقيل : هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم . قيل : وهو مبتدأ خبره جملة { خَلَطُواْ } وهي حال بتقدير قد والخبر جملة { عَسَى الله } الخ ، والمحققون على أنه معطوف على { منافقون } [ التوبة : 101 ] أي ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون { اعترفوا } أي أقروا عن معرفة { بِذُنُوبِهِمْ } التي هي تخلفهم عن الغزو وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما أخرج البيهقي في الدلائل . وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حشر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسوارى المسجد وكان ممر النبي عليه الصلاة والسلام إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم .

وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا ثلاثة ، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية ، وروي أنهم كانوا خمسة ، والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا } خروجاً إلى الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَءاخَرَ سَيّئاً } تخلفاً عنه عليه الصلاة والسلام روي هذا عن الحسن . والسدى ، وعن الكلبي أن الأول التوبة والثاني الاثم ، وقيل : العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة والسيء ما كان ضده ، والخلط المزج وهو يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني عند بعض ، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم : بعت الشاء شاة ودرهما ، وهو منا باب الاستعارة لأن الباء للالصاق والواو وللجمع وهما من واد واحد ، ونقل شارح اللبان عن ابن الحاجب إن أصل المثال بعت الشاة بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واواً فوجب أن يعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم : كل رجل وضيعته ، ولا يخفى ما فيه من التكلف . وذكر الزمخشري أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك : خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه ، وفيه ما ليس في قولك : خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ، وحاصله أن المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما اقتضى مخلوطاً به فهو إما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة لدلالة سياق الكلام إذا قيل : خلطت هذا وذاك على أن كلا منهما مخلوط ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي الواو خلطان .

واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو والباء خلطان فلا فرق ، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحاً بخلاف الباء فالفرق متحقق ، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطاً حيث لم يفرق فيه بين الخلط والاختلاط ، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أو لا يجعل مخلوطاً باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولا بل ينافيه ، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولاً بالصالح ثم استعقبوه سيئاً ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولا بالسيء ثم أردفوه بالصالح ، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملاً صالحاً بسيء وآخر سيئاً بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح والسيء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر ، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه ، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة ، وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء وخلطوا آخر سيئاً بعمل صالح ، هو خلاف الظاهر .

واستظهر ابن المنير كون الخلط مضمناً معنى العمل والعدول عن الباء لذلك كأنه قيل : عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وأنا اختار أن الخلط بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه من السيء تلك الذنوب أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولاً بالضم هو الاعتراف ، والتعبير عن ذلك بالخلط للاشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها ، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقاً ومن السيء الذنوب كذلك وتمام الكلام بحاله ، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيء ما صدر من الأعمال الحسنة والسيئة مطلقاً ، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضاً ليجمع العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير ، ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة تمحها » ، وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها ، وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال : لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يوماً حبيب بن مسلمة فقال : يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله تعالى فقال : أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال : بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شراً فعلت خيراً كان ذلك كما قال الله تعالى : { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } ولكنك كما قال الله تعالى :

{ كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [ المطففين : 14 ] والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من التغيير أيضاً ، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه ، ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال : إني لأستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } [ الذاريات : 17 ] { يبيتون لربهم سجداً وقياماً } [ الفرقان : 64 ] { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } [ الزمر : 9 ] فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } إلى قوله سبحانه : { نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدين } [ المدثر : 42-46 ] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية { وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } الخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم ، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبي عثمان النهدي قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه : { وَءاخَرُونَ } الخ والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم الحكم المفهوم من قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } مطلقاً وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي قوله تعالى : { قُلْ يا عِبَادِى * الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } [ الزمر : 53 ] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا عسى الخ .

وجعل غير واحد الاعتراف دالا على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفا ، وقال الشهاب : لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود ، وفيه أن هذا قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث ، وكلمة { عَسَى } للإطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب ، وقوله تعالى : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لما أفادته من وجوب القبول ، وليس هو الوجوب الذي يقول المعتزلة كما لا يخفى أي إنه تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسناً { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالاً صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالاً سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائماً بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات ، ولعل قوله سبحانه : { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 102 ] إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيآت المظلمة فترجه القهقري ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوى إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين ، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم ، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك ، ولله در من قال :

عليك بأرباب الصدور فمن غدا *** مضافاً لأرباب الصدور تصدراً

وإياك أن ترضى صحابة ناقص *** فتنحط قدراً عن علاك وتحقرا

فرفع أبو من ثم خفض مزمل *** يبين قولي مغرياً ومحذراً

وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً تطهرهم وتزكيهم بها } .