فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

{ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم ، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين نادمين ، وكانوا ثلاثة : أبو لبابة مروان بن عبد المنذر ، وأوس بن ثعلبة ، ووديعة بن حزام . وقيل : كانوا عشرة ، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم : بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك ، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل المسجد فصلى ركعتين - وكانت عادته صلى الله عليه وسلم كلما قدم من سفر -فرآهم موثقين ، فسأل عنهم ، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلهم ، فقال : وأنا أقسم أن لا أحلّهم حتى أومر فيهم ، فنزلت ، فأطلقهم وعذرهم ، فقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا ، فقال : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً ، فنزلت : خذ من أموالهم { عَمَلاً صالحا } خروجاً إلى الجهاد { وَءَاخَرَ سَيِّئاً } تخلفاً عنه . عن الحسن وعن الكلبي : التوبة والإثم . فإن قلت : قد جعل كل واحد منهما مخلوطاً فما المخلوط به ؟ قلت : كل واحد منهما مخلوط ومخلوط به ؛ لأنّ المعنى خلط كل واحد منهما الآخر ، كقولك : خلطت الماء واللبن ، تريد : خلطت كل واحد منهما بصاحبه . وفيه ما ليس في قولك : خلطت الماء باللبن ؛ لأنّك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به ، وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما ، كأنك قلت : خلطت الماء باللبن واللبن بالماء ، ويجوز أن يكون من قولهم : بعت الشاة شاة ودرهماً ، بمعنى شاة بدرهم . فإن قلت : كيف قيل : { أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وما ذكرت توبتهم ؟ قلت : إذا ذكر اعترافهم بذنوبهم ، وهو دليل على التوبة ، فقد ذكرت توبتهم .