ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة ، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى ، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم : { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } قال المبرد : الخطف ، الانتزاع بسرعة ، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا ، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا ، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول : قوله : { أو لم نمكن لهم حرما آمنا } أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه ، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون البتة لسكانه ، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون البتة لسكان الحرم ، أو لقوله تعالى : { ومن دخله كان آمنا } وأما قوله : { يجبى إليه ثمرات كل شيء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ، ومعنى : { يجبى } يجمع من قولهم : جبيت الماء في الحوض إذا جمعته ، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء ، وأهل الكوفة ، وأبو عمرو بالياء ، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي ، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ، ومعنى الكلية الكثرة كقوله : { وأوتيت من كل شيء } وحاصل الجواب : أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان ، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى ، قال القاضي : ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن عذرا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا ، أو قال لهم إن تخطفهم لكم بالقتل وغيره ، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو نفع عائد عليكم لانقطعوا أيضا ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا ، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لا يجري إن آمنوا ، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا ، فلذلك قدمه الله تعالى ،
والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين . بقي ههنا بحثان :
الأول : قال صاحب «الكشاف » في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله ، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويرزق ثمرات كل شيء واحد ، وأن يكون مفعولا له ، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة ، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة .
الثاني : احتج الأصحاب بقوله : { رزقا من لدنا } في أن فعل العبد خلق الله تعالى ، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم ، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى لما صحت تلك الإضافة ، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى ، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى الله تعالى ولا يرجون أحدا غير الله تعالى ، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق ، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى .
{ وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } نخرج منها . نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد الله عليهم بقوله : { و لم نمكن لهم حرما آمنا } أو لم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه يتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه . { يجبى إليه } يحمل إليه ويجمع فيه ، وقرأ نافع ويعقوب في رواية بالتاء . { ثمرات كل شيء } من كل أوب . { رزقا من لدنا } فإذا كان هذا حالهم وهم عبدة الأصنام فكيف نعرضهم للتخوف والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد . { ولكن أكثرهم لا يعلمون } جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموه ، وقيل إنه متعلق بقوله { من لدنا } أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله ، وأكثرهم لا يعلمون إذ لو علموا لما خافوا غيره ، وانتصاب { رزقا } على المصدر من معنى { يجبى } ، أو حال من ال { ثمرات } لتخصصها بالإضافة ، ثم بين أن الأمر بالعكس فإنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس الله على ما هم عليه بقوله : { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } .
قالوا نخاف الأعراب على أنفسنا إن صدقناك ، وآمنا بك ، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم فقال الله تعالى : " وكيف تخافونهم وترون الله أظفركم على عدوكم ، وحكمنا بتعظيم بيتكم ، وجعلنا مكة تجبى إليها ثمرات كل شيء من أقطار الدنيا " ؟
ويقال من قال بحق الله – سبحانه – سخر له الكون بجملته ، من اشتغل برعاية سره لله ، وقام بحق الله ، واستفرغ أوقاته في عبادة الله مكن من التصرف بهمته في مملكة الله ؛ فالخلق مسخر له ، والوقت طوع أمره ، والحق – سبحانه – متول أيامه وأعماله يحقق ظنه ، ولا يضيع حقه .
أما الذي لا يطيعه فيهلك في أودية ضلاله ، ويتيه في مفازات خزيه ، ويبوء بوزر هواه .
{ 57-59 } { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }
يخبر تعالى أن المكذبين من قريش وأهل مكة ، يقولون للرسول صلى اللّه عليه وسلم : { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } بالقتل والأسر ونهب الأموال ، فإن الناس قد عادوك وخالفوك ، فلو تابعناك لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم ، ولم يكن لنا بهم طاقة .
وهذا الكلام منهم ، يدل على سوء الظن باللّه تعالى ، وأنه لا ينصر دينه ، ولا يعلي كلمته ، بل يمكن الناس من أهل دينه ، فيسومونهم سوء العذاب ، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق .
قال اللّه مبينا لهم حالة هم بها دون الناس وأن اللّه اختصهم بها ، فقال : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } أي : أولم نجعلهم متمكنين [ ممكنين ] في حرم يكثره المنتابون ويقصده الزائرون ، قد احترمه البعيد والقريب ، فلا يهاج أهله ، ولا ينتقصون بقليل [ ولا كثير ] .
والحال أن كل ما حولهم من الأماكن ، قد حف بها الخوف من كل جانب ، وأهلها غير آمنين ولا مطمئنين ، فَلْيَحْمَدُوا ربهم على هذا الأمن التام ، الذي ليس فيه غيرهم ، وعلى الرزق الكثير ، الذي يجيء إليهم من كل مكان ، من الثمرات والأطعمة والبضائع ، ما به يرتزقون ويتوسعون . ولْيَتَّبِعُوا هذا الرسول الكريم ، ليتم لهم الأمن والرغد .
وإياهم وتكذيبه ، والبطر بنعمة الله ، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا ، وبعد عزهم ذلا ، وبعد غناهم فقرا ، ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم ، فقال :