فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (57)

{ وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } أي قال مشركو قريش ، ومن تابعهم : إن ندخل في دينك يا محمد نتخطف من أرضنا ، أي يتخطفنا العرب من أرضنا : يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم ، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة ، وتعللاتهم العاطلة ، والتخطف في الأصل : هو الانتزاع بسرعة . قرأ الجمهور { نتخطف } بالجزم جواباً للشرط ، وقرأ المنقري بالرفع على الاستئناف . ثم ردّ الله ذلك عليهم ردًّا مصدّراً باستفهام التوبيخ والتقريع فقال : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً } أي ألم نجعل لهم حرماً ذا أمن ؟ قال أبو البقاء : عدّاه بنفسه ؛ لأنه بمعنى جعل كما صرّح بذلك في قوله : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً } [ العنكبوت : 67 ] ، ثم وصف هذا الحرم بقوله : { يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَىْء } أي تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه . قرأ الجمهور { يجبى } بالتحتية اعتباراً بتذكير كل شيء ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات ، وأيضاً ليس تأنيث ثمرات بحقيقيّ ، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد لما ذكرنا ، وقرأ نافع بالفوقية اعتباراً بثمرات . وقرأ الجمهور أيضاً { ثمرات } بفتحتين ، وقرأ { أبان } بضمتين ، جمع ثمر بضمتين ، وقرىء بفتح الثاء وسكون الميم { رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } منتصب على المصدرية ؛ لأن معنى { يجبى } : نرزقهم ، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف : أي نسوقه إليهم رزقاً من لدنا ، ويجوز أن ينتصب على الحال ، أي رازقين { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم ورشادهم ؛ لكونهم ممن طبع الله على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة .

/خ57