مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (32)

ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين ( الأول ) قوله { أهم يقسمون رحمت ربك } وتقرير هذا الجواب من وجوه ( أحدها ) أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوة بأن لا يقدروا على التصريف فيه كان أولى ( وثانيها ) أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه ، فكيف يليق بالعقل أن نجعل إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضا بالنبوة ؟ ( وثالثها ) إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدنيا لا لسبب سابق فلم لا يجوز أيضا أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوة لا لسبب سابق ؟ فهذا تقرير الجواب ، ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة في قوله { أهم يقسمون رحمت ربك } للإنكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم وتحكمهم أن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ، ثم ضرب لهذا مثالا فقال : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول ، وإنما فعلنا ذلك لأنا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحدا ولم يصر أحد منهم مسخرا لغيره وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا ، ثم إن أحدا من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا ، فإن عجزوا عن الإعراض عن حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها ودناءتها ، فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا في تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة ؟

المسألة الثانية : قوله تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } يقتضي أن تكون كل أقسام معايشهم إنما تحصل بحكم الله وتقديره ، وهذا يقتضي أن يكون الرزق الحرام والحلال كله من الله تعالى ( والوجه الثاني ) في الجواب ما هو المراد من قوله { ورحمت ربك خير مما يجمعون } ؟ وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (32)

{ أهم يقسمون رحمت ربك } إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم ، والمراد بالرحمة النبوة . { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا } وهو عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم ، فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية ، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله . { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره . { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم ، لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر ، ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه . { ورحمت ربك } يعني هذه النبوة وما يتبعها . { خير مما يجمعون } من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه .