مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا} (42)

ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { الذين كفروا وعصوا الرسول } يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر .

المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو { تسوى } مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر { تسوى } مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله :

{ اطيرنا بك } { وازينت } { وتذكرون } وفي هذه القراءة اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي { تسوى } مفتوحة التاء والسين خفيفة ، حذفا التاء التي أدغمها نافع ، لأنها كما اعتلت بالإدغام اعتلت بالحذف .

المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { لو تسوي بهم الأرض } وجوها : الأول : لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . الثالث : تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : { يا ليتني كنت ترابا } .

المسألة الرابعة : قوله : { ولا يكتمون الله حديثا } فيه لأهل التأويل طريقان : الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فإذا جعلناه متصلا احتمل وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الإسلام ولا يغفر شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، رجاء أن يغفر الله لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا .

الطريق الثاني في التأويل : أن هذا الكلام مستأنف ، فإن ما عملوه ظاهر عند الله ، فكيف يقدرون على كتمانه ؟

المسألة الخامسة : فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } .

والجواب من وجوه : الأول : أن مواطن القيامة كثيرة ، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله : { فلا تسمع إلا همسا } وموطن يتكلمون فيه كقوله : { ما كنا نعمل من سوء } وقولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } فيكذبون في مواطن ، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم : { يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم . الثاني : أن هذا الكتمان غير واقع ، بل هو داخل في التمني على ما بينا . الثالث : أنهم لم يقصدوا الكتمان ، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا ، وتقديره : والله ما كنا مشركين عند أنفسنا ، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن . وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى .

النوع العاشر : من التكاليف المذكورة في هذه السورة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا} (42)

شرح الكلمات :

{ يود } : يحب .

{ تسوى بهم الأرض } : يكونون تراباً مثلها .

{ ولا يكتمون الله حديثا } : أي لا يخفون كلاماً .

المعنى :

أما الآية الثالثة ( 42 ) فإنه تعالى لما ذكر ما يدل على هول يوم القيامة في الآية ( 41 ) ذكر مثلا لذلك الهول وهو أن الذين كفروا يودون وقد عصوا الرسول ليسوون بالأرض فيكونون تراباً حتى لا يحاسبوا ولا يجزوا بجهنم . وأنهم في ذلك اليوم لا يكتمون الله كلاما ؛ إذ جوارحهم تنطق فتشهد عليهم . قال تعالى { يومئذ } أي يوم يؤتى من كل أمة بشهيد { يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض } فيكونون تراباً مثلها . مرادهم أن يسووا هم الأرض فيكونون ترابا وخرج الكلام على معنى أدخلت رأسي في القلنسوة والأصل أدخلت القلنسوة في رأسي وقوله ولا عليهم بعد أن يختم على أفواههم ، كما قال تعالى من سورة يس { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } .

الهداية

من الهداية :

- بيان هول يوم القيامة حتى أن الكافر ليود أن لو سويت به الأرض فكان تراباً .