مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

أما قوله تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : أنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا ، أما في الدين فلأنه عليه السلام بعث والناس في جاهلية وضلالة ، وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب ، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام ، ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والإستكبار وكان التوفيق قرينا له قال الله تعالى : { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } إلى قوله : { وهو عليهم عمى } وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب ونصروا ببركة دينه . فإن قيل : كيف كان رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال ؟ قلنا : الجواب من وجوه : أحدها : إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند ولم يتفكر ولم يتدبر ، ومن أوصاف الله الرحمن الرحيم ، ثم هو منتقم من العصاة . وقال : { ونزلنا من السماء ماء مباركا } ثم قد يكون سببا للفساد . وثانيها : أن كل نبي قبل نبينا كان إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق وأنه تعالى أخر عذاب من كذب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة قال تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } لا يقال : أليس أنه تعالى قال : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } وقال تعالى : { ليعذب الله المنافقين والمنافقات } لأنا نقول تخصيص العام لا يقدح فيه . وثالثها : أنه عليه السلام كان في نهاية حسن الخلق قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وقال أبو هريرة رضي الله عنه : « قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدع على المشركين ، قال : " إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا " وقال في رواية حذيفة : " إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر ، فأيما رجل سببته أو لعنته فاجعلها اللهم عليه صلاة يوم القيامة " ورابعها : قال عبد الرحمن بن زيد : { إلا رحمة للعالمين } يعني المؤمنين خاصة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري والقولان يرجعان إلى معنى واحد ، لما بينا أنه كان رحمة للكل لو تدبروا في آيات الله وآيات رسوله ، فأما من أعرض واستكبر ، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه كما قال : { وهو عليهم عمى } .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر ولم يرد منهم القبول من الرسول ، بل ما أراد منهم إلا الرد عليه وخلق ذلك فيهم ولم يخلقهم إلا كذلك كما يقوله أهل السنة ، لوجب أن يكون إرساله نقمة وعذابا عليهم لا رحمة وذلك على خلاف هذا النص ، لا يقال : إن رسالته عليه السلام رحمة للكفار من حيث لم يعجل عذابهم في الدنيا ، كما عجل عذاب سائر الأمم ، لأنا نقول : إن كونه رحمة للجميع على حد واحد وما ذكرتموه للكفار فهو حاصل للمؤمنين أيضا ، فإذا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الذي صار رحمة للمؤمنين . وأيضا فإن الذي ذكروه من نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار قبل بعثته صلى الله عليه وسلم كحصولها بعده ، بل كانت نعمهم في الدنيا قبل بعثته أعظم لأن بعد بعثته نزل بهم الغم والخوف منه ، ثم أمر بالجهاد الذي فني أكثرهم فيه فلا يجوز أن يكون هذا هو المراد . والجواب : أن نقول لما علم الله سبحانه وتعالى أن أبا لهب لا يؤمن ألبتة وأخبر عنه أنه لا يؤمن كان أمره إياه بالإيمان أمرا يقلب علمه جهلا وخبره الصدق كذبا وذلك محال ، فكان قد أمره بالمحال . وإن كانت البعثة مع هذا القول رحمة ، فلم لا يجوز أن يقال البعثة رحمة مع أنه خلق الكفر في الكافر ؟ ولأن قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط فالسؤال عليهم لازم ، وإن كانت صالحة للضدين توقف للترجيح على مرجح من قبل الله تعالى ، قطعا للتسلسل . وحينئذ يعود الإلزام ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه ؟ قوله : أولا لما كان رحمة للجميع على حد واحد وجب أن يكون رحمة للكفار من الوجه الذي كان رحمة للمؤمنين ، قلنا : ليس في الآية أنه عليه السلام رحمة للكل باعتبار واحد أو باعتبارين مختلفين ، فدعواك بكون الوجه واحدا تحكم . قوله نعم الدنيا كانت حاصلة للكفار من قبل قلنا : نعم ولكنه عليه السلام لكونه رحمة للمؤمنين لما بعث حصل الخوف للكفار من نزول العذاب ، فلما اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره كان ذلك رحمة في حق الكفار .

المسألة الثالثة : تمسكوا بهذه الآية في أنه أفضل من الملائكة ، قالوا : لأن الملائكة من العالمين . فوجب بحكم هذه الآية أن يكون عليه السلام رحمة للملائكة ، فوجب أن يكون أفضل منهم . والجواب : أنه معارض بقوله تعالى في حق الملائكة : { ويستغفرون للذين آمنوا } وذلك رحمة منهم في حق المؤمنين ، والرسول عليه السلام داخل في المؤمنين ، وكذا قوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

وما أرسلناك يا محمد ، بهذا الدِّين القويم والقرآن الكريم إلا رحمة عامة للعالمين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} (107)

{ وَمَا أرسلناك } بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ذلك مما هو مناط لسعادة الدارين { إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } استثناء من أعم العلل أي وما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لتراحم العالمين بإرسالك أو من أعم الأحوال أي وما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمة أو ذا رحمة أو راحماً لهم ببيان ما أرسلت به ، والظاهر أن المراد بالعالمين ما يشمل الكفار ، ووجهه ذلك عليه أنه عليه الصلاة والسلام أرسل بما هو سبب لسعادة الدارين ومصلحة النشأتين إلا أن الكافر فوت على نفسه الانتفاع بذلك وأعرض لفساد استعداده عما هنالك ، فلا يضر ذلك في كونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليه أيضاً كما لا يضر في كون العين العذبة مثلاً نافعة عدم انتفاع الكسلان بها لكسله وهذا ظاهر خلافاً لمن ناقش فيه ، وهل يراد بالعالمين ما يشمل الملائكة عليهن السلام أيضاً فيه خلاف مبني على الخلاف في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم لهم ، فإذا قلنا بالعموم كما رجحه من الشافعية البارزي . وتقي الدين السبكي والجلال المحلي في خصائصه ، ومن الحنابلة ابن تيمية . وابن حامد . وابن مفلح في كتاب الفروع ، ومن المالكية عبد الحق قلنا بشمول العالمين لهم هنا . وكونه صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة بالنسبة إليهم لأنه جاء عليه الصلاة والسلام أيضاً بما فيه تكليفهم من الأوامر والنواهي وإن لم نعلم ما هنا ، ولا شك أن في امتثال المكلف ما كلف به نفعاً له وسعادة ، وإن قلنا بعدم العموم كما جزم به الحليمي . والبيهقي . والجلال المحلى في «شرح جمع الجوامع » . وزين الدين العراقي في نكته على ابن الصلاح من الشافعية . ومحمود بن حمزة في كتابه العجائب والغرائب من الحنفية بل نقل البرهان النسفي . والفخر الرازي في «تفسيريهما » الاجماع عليه وإن لم يسلم قلنا بعدم شموله لهم هنا وإرادة من عداهم منه ، وقيل : هم داخلون هنا في العموم وإن لم نقل ببعثته صلى الله عليه وسلم إليهم لأنهم وقفوا بواسطة إرساله عليه الصلاة والسلام على علوم جمة وأسرار عظيمة مما أودع في كتابه الذي فيه بناء ما كان وما يكون عبارة وإشارة وأي سعادة أعظم من التحلي بزينة العلم ؟ وكونهم عليهم السلام لا يجعلون شيئاً مما لم يذهب إليه أحد من المسلمين ، وقيل : لأنهم أظهر من فضلهم على لسانه الشريف ما أظهر .

وقال بعضهم : إن الرحمة في حق الكفار أمنهم ببعثته صلى الله عليه وسلم من الخسف والمسخ والقذف والاستئصال ، وأخرج ذلك الطبراني . والبيهقي . وجماعة عن ابن عباس ، وذكر أنها في حق الملائكة عليهم السلام الأمن من نحو ما ابتلى به هاروت وماروت ، وأيد بما ذكره صاحب الشفاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام : هل أصابك من هذه الرحمة شيء ؟ قال : نعم كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله تعالى على في القرآن بقوله سبحانه { ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ } [ التوكير : 20 ] وإذا صح هذا الحديث لزم القول بشمول العالمين للملائكة عليهم السلام إلا أن الجلال السيوطي ذكر في تزيين الارائك أنه لم يوقف على إسناد ، وقيل المراد بالعالمين جميع الخلق فإن العالم ما سوى الله تعاى وصفاته جل شأنه ، وجمع جمع العقلاء تغليباً للأشرف على غيره .

وكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للجميع باعتبار أنه عليه الصلاة والسلام واسطة الفيض الإلهي على الممكنات على حسب القوابل ، ولذا كان نوره صلى الله عليه وسلم أول المخلوقات ، ففي الخبر «أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر » وجاء «الله تعالى المعطي وأنا القاسم » وللصوفية قدست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك ، وفي مفتاح السعادة لابن القيم أنه لولا النبوات لم يكن في العالم علم نافع البتة ولا عمل صالح ولا صلاح في معيشة ولا قوام لمملكة ولكان الناس بمنزلة البهائم والسباع العادية والكلاب الضارب التي يعدو بعضها على بعض ، وكل خير في العالم فمن آثار النبوة وكل شر وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النبوة ودروسها فالعالم جسد روحه النبوة ولا قيام للجسد بدون روحه ، ولهذا إذا انكسفت شمس النبوة من العالم ولم يبق في الأرض شيء من آثارها البتة انشقت سماؤه وانتشرت كواكبه وكورت شمسه وخسف قمره ونسفت جباله وزلزلت أرضه وأهلك من عليها فلا قيام للعالم إلا بآثار النبوة اه ؛ وإذا سلم هذا علم منه بواسطة كونه صلى الله عليه وسلم أكمل النبيين وما جاء به أجل مما جاؤوا به عليهم السلام وإن لم يكن في الأصول اختلاف وجه كونه عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين أيضاً لكن لا يخلو ذلك عن بعث .

وزعم بعضهم أن العالمين هنا خاص بالمؤمنين وليس بشيء ، ولو احد من الفضلاء كلام طويل في هذه الآية الكريمة نقض فيه وأبرم ومنع وسلم ولا أرى له منشأ سوى قلة الاطلاع على الحق الحقيق بالاتباع ، وأنت متى أخذت العناية بيدك بعد الاطلاع عليه سهل عليك رده ولم يهولك هزله وجده ، والذي أختاره أنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لكل فرد فرد من العالمين ملائكتهم وانسهم وجنهم ولا فرق بين المؤمن والكافر من الانس والجن في ذلك ، والرحمة متفاوتة ولبعض من العالمين المعلى والرقيب منها ، وما يرى أنه ليس من الرحمة فهو إما منها في النظر الدقيق أو ليس مقصوداً بالقصد الأولى كسائر الشرور الواقعة في العالم بناء على ما حقق في محله أن الشر ليس داخلاً في قضاء الله تعالى بالذات ، ومما هو ظاهر في عموم العالمين الكفار ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة قال : قيل يا رسول الله ادع على المشركين قال : «إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة » ولعله يؤيد نصب { رَحْمَةً } في الآية على الحال كقوله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة «إنما أنا رحمة مهداة » ولا يشين احتمال التعليل ما ذهب إليه الأشاعرة من عدم تعليل أفعاله عز وجل فإن الماتريدية وكذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه وردوه بما لا مزيد عليه ، على أنه لا مانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التعليل ووجود المانع هنا توهم محض فتدبر ؛ ثم لا يخفى أن تعلق { للعالمين } برحمة هو الظاهر .

وقال ابن عطية : يحتمل أن يتعلق بأرسلناك ، وفي البحر لا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا إن كان العامل مفرغاً له نحو ما مررت إلا بزيد .

ومن باب الإشارة : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] أكثر الصوفية قدست أسرارهم على أن المراد من العالمين جميع الخلق وهو صلى الله عليه وسلم رحمة لكل منهم إلا أن الحظوظ متفاوتة ويشترك الجميع في أنه عليه الصلاة والسلام سبب لوجودهم بل قالوا : إن العالم كله مخلوق من نوره صلى الله عليه وسلم ، وقد صرح بذلك الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره في قوله وقد تقدم غيره مرة :

طه النبي تكونت من نوره *** كل الخليقة ثم لو ترك القطا

وأشار بقوله لو ترك القطا إلى أن الجميع من نوره عليه الصلاة والسلام وجه الانقسام إلى المؤمن والكافر بعد تكونه فتأمل ، وهذا ونسأل الله تعالى أن يجعل حظنا من رحمته الحظ الوافر وأن ييسر لنا أمور الدنيا والآخرة بلطفه المتواتر .