مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ} (109)

أما قوله : { فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء } فقال صاحب «الكشاف » : آذن منقول من أذن إذا علم ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار ، ومنه قوله : { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } إذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا فيه وجوها . أحدها : قال أبو مسلم : الإيذان على السواء الدعاء إلى الحرب مجاهرة لقوله تعالى : { فانبذ إليهم على سواء } وفائدة ذلك أنه كان يجوز أن يقدر على من أشرك من قريش أن حالهم مخالف لسائر الكفار في المجاهدة ، فعرفهم بذلك أنهم كالكفار في ذلك . وثانيها : أن المراد فقد أعلمتكم ما هو الواجب عليكم من التوحيد وغيره على السواء ، فلم أفرق في الإبلاغ والبيان بينكم ، لأني بعثت معلما . والغرض منه إزاحة العذر لئلا يقولوا : { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } . وثالثها : على سواء على إظهار وإعلان . ورابعها : على مهل ، والمراد أني لا أعاجل بالحرب الذي آذنتكم به بل أمهل وأؤخر رجاء الإسلام منكم .

أما قوله : { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } ففيه وجهان : أحدهما : { أقريب أم بعيد ما توعدون } من يوم القيامة ، ومن عذاب الدنيا ثم قيل : نسخه قوله : { واقترب الوعد الحق } يعني منهما ، فإن مثل هذا الخبر لا يجوز نسخه . وثانيها : المراد أن الذي آذنهم فيه من الحرب لا يدري هو قريب أم بعيد لئلا يقدر أنه يتأخر كأنه تعالى أمره بأن ينذرهم بالجهاد الذي يوحى إليه أن يأتيه من بعد ولم يعرفه الوقت ، فلذلك أمره أن يقول : إنه لا يعلم قربه أم بعده . تبين بذلك أن السورة مكية ، وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة . وثالثها : أن ما يوعدون به من غلبة المسلمين عليهم كائن لا محالة ولا بد أن يلحقهم بذلك الذل والصغار ، وإن كنت لا أدري متى يكون ، وذلك لأن الله تعالى لم يطلعني عليه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ} (109)

تولَّوا : أعرضوا .

آذنتكم على سواء : أعلمتكم جميعاً بلا استثناء .

فإن أعرضوا عن اتباع دعوتك ، فقل لهم : لقد أعلمتكم جميعاً برسالتي وما أمرني به ربي ولا أدري ما توعدون به من البعث والحساب أهو قريب أم بعيد . . . إن علمه عند الله .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ} (109)

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه { فَقُلْ } لهم { ءاذَنتُكُمْ } أي اعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم ، والإيذان إفعال من الاذن وأصله العلم بالإجازة في شيء وترخيصه ثم تجوز به عن مطلق العلم وصيغ منه الأفعال ، وكثيراً ما يتضمن معنى التحذير والإنذار وهو يتعدى لمفعولين الثاني منهما مقدر كما أشير إليه . وقوله تعالى : { على سَوَاء } في موضع الحال من المفعول الأول أي كائنين على سواء في الاعلام بذلك لم أخص أحداً منكم دون أحد . وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل والمفعول معا أي مستوياً أنا وأنتم في المعاداة أو في العلم بما أعلمتكم به من وحدانية الله تعالى لقيام الأدلة عليها . وقيل ما أعلمهم صلى الله عليه وسلم به يجوز أن يكون ذلك وأن يكون وقوع الحرب في البين واستوائهم في العلم بذلك جاء من أعلامهم به وهم يعلمون أنه عليه الصلاة والسلام الصادق الأمين وإن كانوا يجحدون بعض ما يخبر به عناداً فتدبر .

وجوز أن يكون الجار والمجرور في موضع الصفة لمصدر مقدر أي إيذاناً على سواء . وأن يكون في موضع الخبر لأن مقدرة أي أعلمتكم أني على سواء أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير وهذا خلاف المتبادر جداً .

وفي الكشاف أن قوله تعالى : { ءاذَنتُكُمْ } الخ استعارة تمثيلية شبه بمن بينه وبين أعدائه هدنة فأحس بغدرهم فنبذ إليهم العهد وشهر النبذ وأشاعه وآذانهم جميعاً بذلك وهو من الحسن بمكان { وَإِنْ أَدْرِى } أي ما أدرى { أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } من غلبة المسلمين عليكم وظهور الدين أو الحشر مع كونه آتياً لا محالة ، والجملة في موضع نصب بأدري . ولم يجيء التركيب أقريب ما توعدون أم بعيد لرعاية الفواصل .