قوله تعالى : { الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين } .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات .
فالصفة الأولى : قوله : { الذين ينفقون في السراء والضراء } وفيه وجوه : الأول : أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الإنفاق ، وبالجملة فالسراء هو الغنى ، والضراء هو الفقر . يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب ، والثاني : أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فإنهم لا يدعون الإحسان إلى الناس ، الثالث : المعنى أن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم ، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فإنهم لا يتركونه ، وإنما افتتح الله بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين .
الصفة الثانية : قوله تعالى : { والكاظمين الغيظ } وفيه مسألتان .
المسألة الأولى : يقال : كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل قال : المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه ، يقال : كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه ، ويقال : فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل شيئا ، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم ، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة ، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة ، لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة ، ويقال : أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه ، لأنه موضع الامتلاء بالنفس ، وكظم البعير كظوما إذا أمسك على ما في جوفه ولم يجتر ، ومعنى قوله : { والكاظمين الغيظ } الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم ، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله : { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } .
المسألة الثانية : قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا » وقال عليه السلام : لأصحابه «تصدقوا » فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام ، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به ، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به ، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه ، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم ذلك الرجل وفد ، فقال عليه السلام : «لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه » وقال عليه السلام : «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء » وقال عليه السلام :
«ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء ومن جرعة غيظ كظمها » وقال عليه السلام «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب » .
الصفة الثالثة : قوله تعالى : { والعافين عن الناس } قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون هذا راجعا إلى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا ، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا إلى العفو عن المعسرين . قال تعالى : عقيب قصة الربا والتداين { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم } ويحتمل أن يكون كما قال في الدية : { فمن عفى له من أخيه شيء } إلى قوله : { وأن تصدقوا خير لكم } ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال : «لأمثلن بهم » فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة ، فكان تركه فعل ذلك عفوا ، قال تعالى : في هذه القصة { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } قال صلى الله عليه وسلم : «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه » وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذلك مكافأة إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك .
أما قوله تعالى : { والله يحب المحسنين } فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون ، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء .
واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بإيصال النفع إليه أو بدفع الضرر عنه . أما إيصال النفع إليه فهو المراد بقوله : { الذين ينفقون في السراء والضراء } ويدخل فيه إنفاق العلم ، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين ، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الإساءة بإساءة أخرى ، وهو المراد بكظم الغيظ ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة ، وهو المراد بقوله تعالى : { والعافين عن الناس } فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير ، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال : { والله يحب المحسنين } فإن محبة الله للعبد أعم درجات الثواب .
الكاظمين الغيظ : الذين يضبطون أعصابهم فيكفّون عن الانتقام .
بعد أن نهى سبحانه عن الربا من خلال الآيات التي سبق ، وفيها تلوح صورة الغني القاسي القلب الذي يحصر همَّه كله في جمع المال من أية جهة كانت ، بيّن لنا في هذه الآيات صورة الأغنياء المتقِين الذين ينفقون أموالهم في السرّاء والضراء ، ويأخذون بيد الفقراء فيبذلون لهم الأموال ابتغاء مرضاة الله فقال : إنهم الذين ينفقون أموالهم إرضاءً لله في حالة الضيق والعسر ، وفي حالة الرخاء واليسر . ونحن نعلم أن بذل المال للفقراء والمحتاجين وفي سبيل الله من أهمِّ علامات التقوى . كما أن الشحَّ والبخلَ من علامة عدم التقوى . والتقوى هي السبيل الموصل إلى الجنة . وهم أيضا { والكاظمين الغيظ } أي الذين يمسكون أنفسهم عن الانتقام مع القدرة عليه .
ثم أردف تعالى بمزية عظيمة أخرى وهي قوله : { والعافين عَنِ الناس } أي الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك . وتلك منزلةٌ من ضبط النفس وملْكِ زمامها قلّ من يصل إليها . وهي أرقى من كظم الغيظ ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة ، فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نكظم غيظنا ونعفو عن الناس وننسى إساءتهم . وقد روى الطبراني عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله قال : «من سرَّه أن يُشرف له البنيان ، وتُرفع له الدرجات فليعفُ عمَّن ظلمه ، ويعطِ من حرمه ، ويصل من قطعه » .
{ والله يُحِبُّ المحسنين } أي : أولئك الذين يتفضلون على عباده البائسين يواسونهم ببعض ما أُنعم عليهم .
ثم وصف المتقين وأعمالهم ، فقال : { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي : في حال عسرهم ويسرهم ، إن أيسروا أكثروا من النفقة ، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئا ولو قل .
{ والكاظمين الغيظ } أي : إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق ، الموجب للانتقام بالقول والفعل- ، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية ، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم .
{ والعافين عن الناس } : يدخل في العفو عن الناس ، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل ، والعفو أبلغ من الكظم ، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء ، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة ، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة ، وممن تاجر مع الله ، وعفا عن عباد الله رحمة بهم ، وإحسانا إليهم ، وكراهة لحصول الشر عليهم ، وليعفو الله عنه ، ويكون أجره على ربه الكريم ، لا على العبد الفقير ، كما قال تعالى : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }
ثم ذكر حالة أعم من غيرها ، وأحسن وأعلى وأجل ، وهي الإحسان ، فقال [ تعالى ] : { والله يحب المحسنين } والإحسان نوعان : الإحسان في عبادة الخالق . [ والإحسان إلى المخلوق ، فالإحسان في عبادة الخالق ]{[161]} .
فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
وأما الإحسان إلى المخلوق ، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم ، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وتعليم جاهلهم ، ووعظ غافلهم ، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم ، والسعي في جمع كلمتهم ، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم ، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم ، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى ، واحتمال الأذى ، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات ، فمن قام بهذه الأمور ، فقد قام بحق الله وحق عبيده .