مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا} (142)

قوله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } قد مر تفسير الخداع في سورة البقرة في قوله { يخادعون الله والذين ءامنوا } قال الزجاج في تفسير هذه الآية { يخادعون الله } أي يخادعون رسول الله ، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وقوله { وهو خادعهم } أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خادعهم في الآخرة ، وذلك أنه تعالى يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة ، ودليله قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } .

ثم قال تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى ، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة ، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثوابا ولا من تركها عقابا ، فكان الداعي للترك قويا من هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب الكشاف : قرئ { كسالى } بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران .

ثم قال تعالى : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين .

فإن قيل : ما معنى المرآاة وهي مفاعلة من الرؤية .

قلنا : إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله { ولا يذكرون الله إلا قليلا } وجوه : الأول : أن المراد بذكر الله الصلاة ، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلا ، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلا نادرا . قال صاحب الكشاف : وهكذا نرى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه . الرابع : قال قتادة إنما قيل : إلا قليلا ، لأن الله تعالى لم يقبله ، وما رده الله تعالى فكثيره قليل ، وما قبله الله فقليله كثير .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا} (142)

يخادعون الله : يحاولون خداعه .

كُسالى : جمع كسلان .

يراؤون الناس : يعملون من أجل أن يرام الناس وهم لا يؤمنون .

إن المنافقين يحسبون أنهم يخدعون الله ويخفون عنه حقيقة أمرهم ، وهو يكشف خداعهم لا محالة ، فيُمهلهم يرتعون في شرهم ، ثم يحاسبهم على ما يفعلون . وإذا قام هؤلاء المنافقون إلى الصلاة قاموا متثاقلين بدون رغبة ولا إيمان . إنهم يخشون الناس فيوهمونهم أنهم مؤمنون ، كما يعملون الأعمال الطيبة لمجرد الرياء ، حتى يراهم المؤمنون ويظنوهم منهم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا} (142)

{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا }

يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه ، من قبيح الصفات وشنائع السمات ، وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى ، أي : بما أظهروه من الإيمان وأبطنوه من الكفران ، ظنوا أنه يروج على الله ولا يعلمه ولا يبديه لعباده ، والحال أن الله خادعهم ، فمجرد وجود هذه الحال منهم ومشيهم عليها ، خداع لأنفسهم . وأي : خداع أعظم ممن يسعى سعيًا يعود عليه بالهوان والذل والحرمان ؟ "

ويدل بمجرده على نقص عقل صاحبه ، حيث جمع بين المعصية ، ورآها حسنة ، وظنها من العقل والمكر ، فلله ما يصنع الجهل والخذلان بصاحبه "

ومن خداعه لهم يوم القيامة ما ذكره الله في قوله : { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } إلى آخر الآيات .

" وَ " من صفاتهم أنهم { إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ } -إن قاموا- التي هي أكبر الطاعات العملية { قَامُوا كُسَالَى } متثاقلين لها متبرمين من فعلها ، والكسل لا يكون إلا من فقد الرغبة من قلوبهم ، فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله وإلى ما عنده ، عادمة للإيمان ، لم يصدر منهم الكسل ، { يُرَاءُونَ النَّاسَ } أي : هذا الذي انطوت عليه سرائرهم وهذا مصدر أعمالهم ، مراءاة الناس ، يقصدون رؤية الناس وتعظيمهم واحترامهم ولا يخلصون لله ، فلهذا { لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } لامتلاء قلوبهم من الرياء ، فإن ذكر الله تعالى وملازمته لا يكون إلا من مؤمن ممتلئ قلبه بمحبة الله وعظمته .