وأما قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } فاعلم أن العبادة عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل أن لهذا العالم إلها واحدا . قادرا على مقدورات لا نهاية لها ، عالما بمعلومات لا نهاية لها ، غنيا عن كل الحاجات ، فإنه أمر عباده ببعض الأشياء ، ونهاهم عن بعضها ، وأنه يجب على الخلائق طاعته والانقياد لتكاليفه -فإنه لا يمكن القيام بلوازم قوله تعالى { إياك نعبد } ثم إن بعد الفراغ من المقام المذكور لابد من تفصيل أقسام تلك التكاليف ، وبيان أنواع تلك الأوامر والنواهي ، وجميع ما صنف في الدين من كتب الفقه يدخل فيه تكاليف الله ، ثم كما يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه تكاليف الله تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها الله تعالى على الأنبياء المتقدمين ، وأيضا يدخل فيه الشرائع التي كلف الله بها ملائكته في السماوات منذ خلق الملائكة وأمرهم بالاشتغال بالعبادات والطاعات ، وأيضا فكتب الفقه مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح ، أما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر وأعظم وأجل ، وهي التي تشتمل عليها كتب الأخلاق ، وكتب السياسات ، بحسب الملل المختلفة والأمم المتباينة ، وإذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث وعلم أنها بأسرها داخلة تحت قوله تعالى : { إياك نعبد } علم حينئذ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول والأفكار إلا إلى القليل منها .
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } : نخصّك بالعبادة ، ونخصك بطلب المعونة . والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلُّل ، لذلك لم يستعمل اللفظُ إلا في الخضوعِ لله تعالى ، لأنهُ مولي أعظم النعم ، فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع .
أمرنا الله تعالى أن لا نعبد غيره ، لأنه هو الإلَه الواحد لا شريك له . وترشدنا عبارة { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } إلى أمرين عظيمين هما معراج السعادة في الدنيا والآخرة :
أحدهما : أن نعمل الأعمال النافعة ونجتهد في إتقانها ما استطعنا ، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل يود المرء أن يبذل فيه طاقته ، فهو يطلب المعونة على إتمامه .
وثانيهما : قصْر الاستعانة بالله عليه وحده .
وليس في هذا ما ينافي التعاون بين الناس . { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } [ المائدة : 2 ] . فإن هذا التعاون في دائرة الحدود البشري لا يخرج عنها .
قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرُّها هذه الكلمة { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ، فالقسم الأول من الآية تبرؤ من الشِرك ، والثاني تبرؤ من الحول والقوة ، وتفويضٌ إلى الله عز وجل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.