مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (6)

أما قوله جل جلاله : { اهدنا الصراط المستقيم } فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ، ولتحصيل الهداية طريقان : أحدهما طلب المعرفة بالدليل والحجة ، والثاني : بتصفية الباطن والرياضة ، أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل :

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

وتقريره : أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسما فهو المطلوب ، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب ، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السماوات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه الله يقول : أن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه . وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال : { ولكل وجهة هو موليها } ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادئ ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسرارا دقيقة ، فلما ترقى إليها أفهام الأكثرين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} (6)

{ اهدنا الصراط المستقيم } : هداه الله هُدًى وهِدَايةً إلى الإيمان أرشده ، وهداه إلى الطريق وهداه الطريق وللطريق بيّنه له وعرّفه به . والهداية دلالة بلطف ، كما يقول الراغب الأصفهاني .

والصراط المستقيم : هو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه ولا انحراف .

والصراط المستقيم هنا هو جملة ما يوصِل الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة ، من عقائد ، وآداب ، وأحكام ، من جهتي العلم والعمل . وهو سبيل الإسلام الذي ختم الله به الرسالاتِ ، وجعل القرآن دستوره الشامل ، ووكل إلى الرسول الكريم تبليغه وبيانه . فالشريعة الإسلامية في جميع أمورها من عقيدة ، وأخلاق ، وتشريع ، وفي صلة الإنسان بالحياة ، وعلاقته بالمجتمع ، وعلاقة المسلمين بالأمم ، تأخذ الطريق الصائب ، لا إفراط ولا تفريط ، هذا هو الصراط المستقيم .

وهداية الله تعالى لا تحصى ، نذكر منها :

أولاً : الهداية التي تعم كل مكلَّف بحيث يهتدي إلى مصالحه ، كالعقل ، والفطنة ، والمعارف الضرورية ، كما قال عز وجل { الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] .

ثانياً : نَصْبُ الدلائل الفارقة بين الحق والباطل ، والصلاح والفساد { وَهَدَيْنَاهُ النجدين } [ البلد : 10 ] ، وقوله : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ] .

ثالثاً : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } [ الأنبياء : 73 ] ، وقوله : { إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }[ الإسراء : 9 ] .

رابعاً : الكشف عن كثير من أسرار الأشياء كما هي ، بالوحي ، والإلهام ، والرؤيا الصادقة . وهذا القسم يختص بنيله الأولياء . والى ذلك أشار سبحانه وتعالى بقوله : { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام : 90 ] .

وقال ابن تيمية : «كل عبد مضطرٌّ دائما إلى مقصود هذا الدعاء ، أي هداية الصراط المستقيم . فإنه لا نجاة من العذاب إلا بهذه الهداية ، ولا وصول إلى السعادة إلا بها ، فمن فاته هذا الهدى فهو إما من المغضوب عليهم ، وإما من الضالين » . وهذا الاهتداء لا يحصل إلا بهدى الله { مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } [ الكهف : 17 ] .