ثم إنه تعالى ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ للمهاجرين دونهم فقال :{ والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } والمراد من الدار المدينة وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين وتقدير الآية : والذين تبوءوا المدينة والإيمان من قبلهم ( فإن قيل ) في الآية سؤالان ( أحدهما ) أنه لا يقال : تبوأ الإيمان ( والثاني ) بتقدير أن يقال : ذلك لكن الأنصار ما تبوءوا الإيمان قبل المهاجرين ( والجواب ) عن الأول من وجوه ( أحدها ) تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله :
ولقد رأيتك في الوغى *** متقلدا سيفا ورمحا
( وثانيها ) جعلوا الإيمان مستقرا ووطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه ، كما أنهم لما سألوا سلمان عن نسبه فقال : أنا ابن الإسلام ( وثالثها ) أنه سمى المدينة بالإيمان ، لأن فيها ظهر الإيمان وقوي ( والجواب ) عن السؤال الثاني من وجهين ( الأول ) أن الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان ( والثاني ) أنه على تقدير حذف المضاف والتقدير : تبوءوا الدار والإيمان من قبل هجرتهم ، ثم قال : { ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا } وقال الحسن : أي حسدا وحرارة وغيظا مما أوتي المهاجرون من دونهم ، وأطلق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحرارة ، لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة ، فأطلق اسم اللام على الملزوم على سبيل الكناية ، ثم قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } يقال : آثره بكذا إذا خصه به ، ومفعول الإيثار محذوف ، والتقدير : ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم . عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم ، فقالوا : لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في الغنيمة " فأنزل الله تعالى : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى عن المال ، ولكنه عن حاجة وخصاصة وهي الفقر ، وأصلها من الخصاص وهي الفرج ، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص ، الواحد خصاصة ، وذكر المفسرون أنواعا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف ، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار ، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء ، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات ، ثم قال : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الشح بالضم والكسر ، وقد قرئ بهما .
واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع ، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع ، فلما كان الشح من صفات النفس ، لا جرم قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } الظافرون بما أرادوا ، قال ابن زيد : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئا أمره الله بإعطائه فقد وقى شح نفسه .
قوله جل ذكره : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
نزلت هذه الآية في الأنصار . { تَبَوَّءُوا الدَّارَ } أي سكنوا المدينة قبل المهاجرين . . { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } من أهل مكة .
{ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً } مما خُصِّصَ به المهاجرون من الفيء ، ولا يحسدونهم على ذلك ، ولا يَعْترِضون بقلوبهم على حُكْمِ الله بتخصيص المهاجرين ، حتى لو كانت بهم حاجةٌ أو اختلالُ أحوالٍ .
{ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ، قيل نزلت الآية في رجلٍ منهم أُهْدِيَتْ له رأسُ شاةٍ فطاف على سبعة أبيات حتى انتهى إلى الأول .
وقيل نزلت في رجلٍ منهم نزل به ضيفٌ فقرَّب منه الطعامَ وأطفأ السراجَ ليُوهِمَ ضيفَه أنه يأكل ، حتى يؤثِرَ به الضيفَ عَلَى نفسه وعَلَى عياله ، فأنزل الله الآية في شأنه .
ويقال : الكريمُ مَنْ بنى الدار لضيفانه وإخوانه ( واللئيمُ من بناها لنفسه ) .
وقيل : لم يقل اللهُ : ومَنْ يَتَّقِ شحَّ نفسه بل قال : { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } .
ويقال : صاحبُ الإيثارِ يُؤْثر الشبعانَ على نفسه - وهو جائع .
ويقال : مَنْ مَيَّزَ بين شخصٍ وشخصٍ فليس بصاحبِ إيثارٍ حتى يؤثِرَ الجميع دون تمييز .
ويقال : الإيثار أنْ تَرَى أنَّ ما بأيدي الناسِ لهم ، وأن ما يحصل في يدك ليس إلا كالوديعة والأمانة عندك تنتظر الإذنَ فيها .
ويقال : مَنْ رَأى لنفسه مِلْكاً فليس من أهل الإيثار .
ويقال : العابدُ يؤثِر بدنياه غيرَه ، والعارفُ يؤثِر بالجنة غيرَه .
وعزيزٌ مَنْ لا يطلبُ مِنَ الحقِّ لنَفْسِه شيئاً : لا في الدنيا من جاهٍ أو مالٍ ، ولا في الجنَّة من الأفضال ، ولا منه أيضاً ذَرَّةً من الإقبال والوصال وغير ذلك من الأحوال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.