مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

قوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ، لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ، تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم ، بين أنه يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة ، إظهارا للفضل والرحمة والكرم ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } من وجهين : الأول : أنه قال : { ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم } فأضاف الظلم إلى كل الناس ، ولا شك أن الظلم من المعاصي ، فهذا يقتضي كون كل إنسان آتيا بالذنب والمعصية ، والأنبياء عليهم السلام من الناس ، فوجب كونهم آتين بالذنب والمعصية . والثاني : أنه تعالى قال : ما ترك على ظهرها من دابة . وهذا يقتضي أن كل من كان على ظهر الأرض فهو آت بالظلم والذنب ، حتى يلزم من إفناء كل ما كان ظالما إفناء كل الناس . أما إذا قلنا : الأنبياء عليهم السلام لم يصدر عنهم ظلم فلا يجب إفناؤهم ، وحينئذ لا يلزم من إفناء كل الظالمين إفناء كل الناس ، وأن لا يبقى على ظهر الأرض دابة ، ولما لزم علمنا أن كل البشر ظالمون سواء كانوا من الأنبياء أو لم يكونوا كذلك .

والجواب : ثبت بالدليل أن كل الناس ليسوا ظالمين لأنه تعالى قال : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } أي فمن العباد من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ، ولو كان المقتصد والسابق ظالما لفسد ذلك التقسيم ، فعلمنا أن المقتصدين والسابقين ليسوا ظالمين ، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز أن يقال كل الخلق ظالمون .

وإذا ثبت هذا فنقول : الناس المذكورون في قوله : { ولو يؤاخذ الله الناس } إما كل العصاة المستحقين للعقاب أو الذين تقدم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات . وعلى هذا التقدير فيسقط الاستدلال . والله أعلم .

المسألة الثانية : من الناس من احتج بهذه الآية على أن الأصل من المضار الحرمة ، فقال : لو كان الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا على وجه يكون جزاء على جرم صادر منهم أو لا على هذا الوجه ، والقسمان باطلان ، فوجب أن لا يكون مشروعا أصلا .

أما بيان فساد القسم الأول ، فلقوله تعالى : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } والاستدلال به من وجهين : الأول : أن كلمة «لو » وضعت لانتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } يقتضي أنه تعالى ما أخذهم بظلمهم وأنه ترك على ظهرها من دابة . والثاني : أنه لما دلت الآية على أن لازمة أخذ الله الناس بظلمهم هو أن لا يترك على ظهرها دابة ، ثم إنا نشاهد أنه تعالى ترك على ظهرها دواب كثيرين ، فوجب القطع بأنه تعالى لا يؤاخذ الناس بظلمهم ، فثبت بهذا أنه لا يجوز أن تكون المضار مشروعة على وجه تقع أجزية عن الجرائم .

وأما القسم الثاني : وهو أن يكون مشروعا ابتداء لا على وجه يقع أجزية عن جرم سابق ، فهذا باطل بالإجماع ، فثبت أن مقتضى هذه الآية تحريم المضار مطلقا ، ويتأكد هذا أيضا بآيات أخرى كقوله تعالى : { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } وكقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وكقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وكقوله عليه السلام : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » وكقوله : « ملعون من ضر مسلما » فثبت بمجموع هذه الآيات والأحاديث أن الأصل في المضار الحرمة ، فنقول : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من كل الوجوه ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على كونه مشروعا قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا قضينا عليه بالحرمة بناء على هذا الأصل الذي قررناه . ومنهم من قال هذه القاعدة تدل على أن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعا في حقه ، لأن المنع منه ضرر ، والضرر غير مشروع بمقتضى هذا الأصل وكل ما يكرهه الإنسان وجب أن يحرم لأن وجوده ضرر والضرر غير مشروع ، فثبت أن هذا الأصل يتناول جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة ، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في إثبات الأحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل : لأن هذا الأصل يغني عنه ، والثاني باطل ؛ لأن النص راجح على القياس والله أعلم .

المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا لله تعالى ، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم ، وما أضافه إلى نفسه . فقال : { ولا يؤاخذ الله الناس بظلمهم } وأيضا فلو كان خلقا لله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ، ولما منع الله العباد من الظلم في هذه الآية ؛ فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أو قوله : { بظلمهم } الباء فيه تدل على العلية كما في قوله : { ذلك بأنهم شاقوا الله } .

واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . والله أعلم .

المسألة الرابعة : ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لأن الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟

والجواب عنه من وجهين :

الوجه الأول : أنا لا نسلم أن قوله : " ما ترك على ظهرها من دابة " يتناول جميع الدواب .

وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفي أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لأن الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن .

والوجه الثاني : أن الهلاك إذا ورد على الظلمة ورد أيضا على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفي حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام .

والوجه الثالث : أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفي انقطاعه انقطاع النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كاد الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب .

والجواب الثاني : أن المراد من قوله : ما ترك على ظهرها من دابة : أي ما ترك على ظهرها من كافر ، فالمراد بالدابة الكافر ، والدليل عليه قوله تعالى : { أولئك كالأنعام بل هم أضل } والله أعلم .

المسألة الخامسة : الكناية في قوله : { عليها } عائدة إلى الأرض ، ولم يسبق لها ذكر ، إلا أن ذكر الدابة يدل على الأرض ، فإن الدابة إنما تدب عليها . وكثيرا ما يكنى عن الأرض ، وإن لم يتقدم ذكرها لأنهم يقولون ما عليها مثل فلان وما عليها أكرم من فلان ، يعنون على الأرض .

ثم قال تعالى : { ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } ليتوالدوا ، وفي تفسير هذا الأجل قولان :

القول الأول : وهو قول عطاء : عن ابن عباس أنه يريد أجل القيامة .

والقول الثاني : أن المراد منتهى العمر . وجه القول الأول : أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة ، ووجه القول الثاني : أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

51

وإنه لقادر أن يأخذ الناس بظلمهم الذي يقع منهم ولو فعل لدمرها عليهم تدميرا ؛ ولكن حكمته اقتضت أن يؤخرهم إلى أجل . وهو العزيز الحكيم :

( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) . .

والله خلق هذا الخلق - البشري - وأنعم عليه بآلائه . وهو وحده الذي يفسد في الأرض ويظلم ، وينحرف عن الله ويشرك ؛ ويطغى بعضه على بعض ، ويؤذي سواه من الخلق . . والله بعد هذا كله يحلم عليه ويرأف به ، ويمهله وإن كان لا يهمله . فهي الحكمة تصاحب القوة ، وهي الرحمة تصاحب العدل . ولكن الناس يغترون بالإمهال ، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته ، حتى يأخذهم عدله وقوته . عند الأجل المسمى الذي ضربه الله لحكمة ، وأمهلهم إليه لرحمة . ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} (61)

{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس } الظالمين مطلقاً ، وقيل : بالكفر والمؤاخذة مفاعلة من فاعل بمعنى فعل وهو الظاهر ، وقال ابن عطية : هي مجاز كأن العبد يأخذ حق الله تعالى بمعصيته والله تعالى يأخذ منه بمعاقبته وكذا الحال في مؤاخذة الخلق بعضهم بعضاً { بِظُلْمِهِمْ } أي بسبب كفرهم ومعاصيهم بناءً على أن الظلم فعل ما لا ينبغي ووضعه في غير موضعه ؛ وقد يخص بالكفر والتعدي على الغير ويدخل فيه ما عد من القبائح ، وهذا تصريح بما أفاده قوله تعالى : { وَهُوَ العزيز الحكيم } [ النحل : 60 ] وإيذان بأن ما أتاه هؤلاء الكفرة من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غاية وراءه { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } أي على الأرض المدلول عليها بالناس وبقوله تعالى : { مِن دَابَّةٍ } بناءً على شهرة كون الدبيب في الأرض أي ما ترك عليها شيئاً من الدواب أصلاً بل أهلكها بالمرة ، أما الظالم فبظلمه وأما غيره فبشؤم ذلك فقد قال سبحانه : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] وأخرج البيهقي في الشعب وغيره عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه فقال : بلى والله إن الحبارى لتموت هزلاً في وكرها من ظلم الظالم ، وأخرج أيضاً هو فيه وغيره عن ابن مسعود قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ الآية ، وأخرج أحمد في الزهد عنه أنه قال : ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ثم قال : أي والله زمن غرق قوم نوح عليه السلام ، وقيل : المراد من دابة ظالمة على أن التنوين للنوع وهو مخصوص بالكفار والعصاة من الإنس ، وقيل : منهم ومن الجن ، وقيل : المراد الدابة الظالمة الفاعلة لما لا ينبغي شرعاً أو عرفاً فيدخل بعض الدواب إذا ضر غيره ، وقالت فرقة منهم ابن عباس : المراد بالدابة المشرك فقد قال تعالى : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال : 55 ] وقال الجبائي : الدابة على عمومها فتشمل سائر الحيوانات ، والمراد بالناس الظالمون مطلقاً ؛ ووجه الملازمة أنه تعالى لو آخذهم بما كسبوا من كفر أو معصية لعجل هلاكهم وحينئذٍ لا يبقى لهم نسل ، ومن المعلوم أن لا أحد إلا وفي آبائه من يستحق العقاب وإذا هلكوا جميعاً وبطل نسلهم لا يبقى أحد من الناس وحينئذٍ يهلك الدواب لأنها مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم كما يشعر به قوله تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض جَمِيعاً } [ البقرة : 29 ] وبتخصيص الناس يسقط الاستدلال بالآية على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وقال بعض المحققين : لا حاجة إلى التخصيص في ذلك والآية من باب بنو تميم قتلوا قتيلاً لتظافر الأدلة والنصوص على عصمة الأنبياء عليهم السلام ، فلا يقال : الأصل الحمل على الحقيقة .

واستدل بعضهم للتخصيص بقوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات } [ فاطر : 32 ] وإلا يفسد التقسيم ، وقد يقال : إنه ما أحد إلا وهو متصف بظلم إلا أن مراتبه مختلفة فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، والعصمة التي تدعى للأنبياء عليهم السلام إنما هي العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى غيرهم وأما العصمة مما يعد ذنباً بالنسبة إلى مقامهم ومرتبتهم فلا تدعى لهم إذ قد وقع ذلك منهم كما يشهد به كثير من الآيات . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن الله تعالى يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنوبنا وفي لفظ بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها لعذبنا ما يظلمنا شيئاً » نعم إنه لا يقال لنبي هو ظالم ولا للأنبياء عليهم السلام هم ظالمون ويقال الناس ظالمون وهذا نظير قولهم : لا يقال لله سبحانه خالق القردة والخنازير ويقال هو خالق كل شيء ، ورب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً ، وأمر التقسيم هين عند المتأمل فليتأمل ، ومن الناس من احتج بالآية على أن أصل المضار الحرمة إذ لو كان الضرر مشروعاً فإما أن يكون مشروعاً على وجه يكون جزاءً على جرم أو لا وكلا القسمين باطل ، أما الأول فللآية وذلك من وجهين .

الأول : إنها لمكان لو تقتضي أن تعالى ما آخذ الناس بظلمهم وأنه ترك على ظهرها دابة .

الثاني : إن مقتضى المؤاخذة عدم ترك دابة على ظهرها ونحن نشاهد أنه سبحانه قد ترك كثيراً من الدواب فيجب القطع بأنه تعالى لم يؤاخذ بالظلم ، وأما الثاني فباطل بالإجماع فثبت بمقتضى الآية تحريم المضار ، ويؤكد ذلك آيات أخر وأخبار ؛ وحينئذٍ يقال : إذا وقعت حادثة مشتملة على الضرر من جميع الوجوه فإن وجدنا نصاً يدل على كونه مشروعاً قضينا به تقديماً للخاص على العام وإلا قضينا بالحرمة بناءً على الأصل الذي قرر . واستدل بها المعتزلة على أن العباد خالقون لأفعالهم ووجه مع رده غني عن البيان { ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } سماه سبحانه وعينه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا أو يكثر عذابهم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } المسمى { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عنه { سَاعَةِ } أقل مدة { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } عليه ، وقد مر الكلام في نظيرها .