مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (106)

قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو نسسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير }

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام ، فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولا وغدا يرجع عنه ، فنزلت هذه الآية ، والكلام في الآية مرتب على مسائل :

المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء ، وقال القفال : إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت ، ونسخت الشمس الظل إذا عدم ، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه ، وقال تعالى : { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يزيله ويبطله ، والأصل في الكلام الحقيقة . وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعا للاشتراك . فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار ، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز ، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى ، وإذا كان ذلك مجازا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته ، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرنا بعد قرن ، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلا عن الأول ، وقال تعالى : { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعا للاشتراك ، والجواب عن الأول من وجهين . ( أحدهما ) : أنه لا يمنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضا ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير . ( والثاني ) : أن أهل اللغة إنما أخطؤوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح ، فهب أنه كذلك ، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس ، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى ، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر ، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم .

المسألة الثانية : قرأ ابن عامر : ( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما ، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان . ( أحدهما ) : أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد . ( والثاني ) : أنسخته جعلته ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلا . أقبروا فلانا ، أي اجعلوه ذا قبر ، قال تعالى : { ثم أماته فأقبره } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : { ننسأها } بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا ، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير ومنه : { إنما النسيء زيادة في الكفر } ومنه سمي بيع الأجل نسيئة ، وقال أهل اللغة : أنسأ الله أجله ونسأ في أجله ، أي أخر وزاد ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه ) والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان ، ثم الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر ، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى : { فنسي ولم نجد له عزما } أي فترك وقال : { فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا } أي نتركهم كما تركوا ، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز ، لأن المنسي يكون متروكا ، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرئ ننسها وننسها بالتشديد ، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول ، وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ننسخها ، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها .

المسألة الثالثة : «ما » في هذه الآية جزائية كقولك : ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله : { ننسخ } شرط وقوله : { نأت } جزاء وكلاهما مجزومان .

المسألة الرابعة : اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا ، فقولنا : طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله ، والفعل المنقول عنهما ، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين ، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير ، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل ، لأن العقل ليس طريقا شرعيا . ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخا للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقا شرعيا ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء ، لأن ذلك غير متراخ ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخا لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا .

المسألة الخامسة : النسخ عندنا جائز عقلا واقع سمعا خلافا لليهود ، فإن منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا ، لكنه منع منه سمعا ، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ ، وأيضا قلنا : على اليهود إلزامان الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك : «إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه » ، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام . قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكنه لا يكون ذلك نسخا ، بل جاريا مجرى قوله : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا : قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ، وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه ، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين ، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا : إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام ، فاللفظ الدال على تلك الشريعة ، إما أن يقال : إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام ، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام ، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذبا وإنه غير جائز على الشرع ، وأيضا ، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا ، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع : هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط البتة ، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلا في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدال على الدوام ، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟ قلنا : هذا ضعيف لوجوه . أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين ، وإنه سفه وعبث ، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخا ، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا ، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا ، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله ، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر ، وإلا فلعل القرآن عورض ، ولم تنقل معارضته ولعل محمدا صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل ، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل التواتر ، ومعلوما لهم بالضرورة ، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه ، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين .

وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم . فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة لأهل التواتر ، وأيضا فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا ، بل يكون ذلك انتهاء للغاية .

وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائما أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد المرة الواحدة ، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر ، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخا للأمر الأول ، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال .

واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، والاستدلال به أيضا ضعيف ، لأن «ما » ههنا تفيد الشرط والجزاء ، وكما أن قولك : من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء ، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه ، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى : { وإذا بدلنا آية مكان آية } وقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } والله تعالى أعلم .

المسألة السادسة : اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن ، وقال أبو مسلم بن بحر : أنه لم يقع ، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه . أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه . الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل ، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية ، الوجه الثاني : المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب . الوجه الثالث : أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه ، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا ، وعن الثاني : بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه ، ولقائل أن يقول على الأول : لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن ، بل هو عام في جميع الدلائل ، وعلى الثاني : لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن ، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه .

الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن : أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا وذلك في قوله : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول } ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } قال أبو مسلم : الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا ، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصا لا ناسخا ، والجواب : أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلا بالكلية .

الحجة الثالثة : أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } ثم نسخ ذلك ، قال أبو مسلم : إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين ، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد . والجواب : لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى : { فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم } .

الحجة الرابعة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } .

الحجة الخامسة : قوله تعالى : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله : { فول وجهك شطر المسجد الحرام } قال أبو مسلم : حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر . الجواب : أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات ، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخا .

الحجة السادسة : قوله تعالى : { وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر } والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم ، فكيف كان فهو رفع ونسخ ، وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل . والجواب : أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضا ما يبطله .

المسألة السابعة : المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معا ، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها ، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال : كنا نقرأ آية الرجم : «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم » وروي : «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب » ، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معا ، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعا والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم . ويروى أيضا أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه .

المسألة الثامنة : اختلف المفسرون في قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها } فمنهم من فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد ابن المسيب ، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوها ، أحدها : ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرئ بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة ، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معا ، فإن قيل : وقوع هذا النسيان ممنوع عقلا وشرعا . أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى أهل التواتر ، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع . وأما النقل فلقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } والجواب عن الأول من وجهين . الأول : أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به ، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي ، أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسيا عن الصدور ، الجواب الثاني : أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام ، ويروى فيه خبر : أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها ، والجواب عن الثاني : أنه معارض بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله } وبقوله : { واذكر ربك إذا نسيت } .

القول الثاني : ما ننسخ من آية أي نبدلها ، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما ، أما قوله تعالى : { أو ننسها } فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها ، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء ، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله .

القول الثالث : ما ننسخ من آية ، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ ، أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال ، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة .

القول الرابع : ما ننسخ من آية ، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معا ، أو ننسها ، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة ، بل هي باقية في التلاوة ، فأما من قال بالقول الثاني : ما ننسخ من آية ، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها ، نؤخرها . وأما قراءة «ننسها » فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها .

وأما قوله : { من آية } فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه .

أما قوله تعالى : { نأت بخير منها أو مثلها } ففيه قولان . أحدهما : أنه الأخف ، والثاني : أنه الأصلح ، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه . فإن قيل : لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به ؟ قلنا : الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول ، والثاني بالعكس منه فزال السؤال . واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ .

المسألة الأولى : قال قوم : لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل ، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لابد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله ، وذلك صريح في وجوب البدل . والجواب : لم لا يجوز أن يقال : المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت ، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى البدل .

المسألة الثانية : قال قوم : لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } ينافي كونه أثقل ، لأن الأثقل لا يكون خيرا منه ولا مثله . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثوابا في الآخرة ، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر . إذا عرفت هذا فنقول : أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة ، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها . وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة .

المسألة الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه . أحدها : أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه ، كما إذا قال الإنسان : ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه ، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن ، وثانيها : أن قوله تعالى : { نأتي بخير منها } يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير ، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام ، وثالثها : أن قوله : { نأت بخير منها } يفيد أن المأتي به خير من الآية ، والسنة لا تكون خيرا من القرآن ، ورابعها : أنه قال : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى . ( والجواب ) عن الوجوه الأربعة بأسرها : أن قوله تعالى : { نأت بخير منها } ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا ، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ يحصل بعد حصول النسخ ، والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى ، فلو كان نسخ تلك الآية مرتبا على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل ، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام : ( ألا لا وصية لوارث ) وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم . قال الشافعي رضي الله عنه : أما الأول : فضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية ، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية ، وأما الثاني : فضعيف أيضا لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله : «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » كان قرآنا فلعل النسخ إنما وقع به ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم .

أما قوله تعالى : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته ، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار .

المسألة التاسعة : استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه ، أحدها : أن كلام الله تعالى لو كان قديما لكان الناسخ والمنسوخ قديمين ، لكن ذلك محال ، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرا عن المنسوخ ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديما ، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع ، وما ثبت زواله استحال قدمه بالاتفاق ، وثانيها : أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض ، وما كان كذلك لا يكون قديما ، وثالثها : أن قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلا من الأول ، وما كان داخلا تحت القدرة وكان فعلا كان محدثا ، أجاب الأصحاب عنه : بأن كونه ناسخا ومنسوخا إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها ، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث ؟ قالت المعتزلة : ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر ، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول ، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعد ما لم يكن ، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات ، وما لا ينفك عن هذه التعلقات [ محدث ] وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثا . أجاب الأصحاب : أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم ، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق ؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادرا على إيجاد الموجود وهو محال ، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه ، وكذلك علم الله كان متعلقا بأن العالم سيوجد ، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلا ، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثا ، لأنه لو كان قديما لما زال ، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثا فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة ، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة . فكل ما تجعلونه جوابا عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام .

المسألة العاشرة : احتجوا بقوله تعالى : { إن الله على كل شيء قدير } على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده ، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (106)

104

وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه . وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل ، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد . . وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود ، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين ، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين !

وكانت الحملة - كما أسلفنا - تتعلق بنسخ بعض الأوامر والتكاليف . وبخاصة عند تحويل القبلة إلى الكعبة . الأمر الذي أبطل حجتهم على المسلمين :

( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) . .

وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة - كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها - أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف ، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة ، وأحوالها المتطورة . أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في التوراة مع تصديق القرآن في عمومه للتوراة . . سواء كانت هذه أم هذه أم هذه ، أم هي جميعا المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة . . فإن القرآن يبين هنا بيانا حاسما في شأن النسخ والتعديل ؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود ، على عادتها وخطتها في محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب .

فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال - في فترة الرسالة - هو لصالح البشرية ، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها . والله خالق الناس ، ومرسل الرسل ، ومنزل الآيات ، هو الذي يقدر هذا . فإذا نسخ آية القاها في عالم النسيان - سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكما من الأحكام ، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل - فإنه يأتي بخير منها أو مثلها ! ولا يعجزه شيء ، وهو مالك كل شيء ، وصاحب الأمر كله في السماوات وفي الأرض . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (106)

{ مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً ، ما هذا القرآن إلا كلام محمد عليه الصلاة والسلام يقوله من تلقاء نفسه ، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً ، والنسخ في اللغة إزالة الصورة أو ما في حكمها عن الشيء ، وإثبات مثل ذلك في غيره سواء كان في الأعراض أو في الأعيان ومن استعماله في المجموع التناسخ ، وقد استعمل لكل واحد منهما مجازاً وهو أولى من الاشتراك ، ولذا رغب فيه الراغب ، فمن الأول نسخت الريح الأثر أي أزالته ، ومن الثاني نسخت الكتاب إذا أثبت ما فيه في موضع آخر ، ونسخ الآية على ما ارتضاه بعض الأصوليين بيان انتهاء التعبد بقراءتها كآية : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) أو الحكم المستفاد منها كآية : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأّزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ } [ البقرة : 240 ] أو بهما جميعاً كآية ( عشر رضعات معلومات يحرمن ) وفيه رفع التأبيد المستفاد من إطلاقها ، ولذا عرفه بعضهم برفع الحكم الشرعي ، فهو بيان بالنسبة إلى الشارع ، ورفع بالنسبة إلينا ، وخرج بقيد التعبد الغاية ، فإنها بيان لانتهاء مدة نفس الحكم لا للتعبد به واختص التعريف بالأحكام إذ لا تعبد في الأخبار أنفسها ، وإنساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في الحفظ وقد وقع هذا فإن بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " نسخ البارحة من الصدور " وروى مسلم عن أبي موسى : «إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة ، فأنسيتها غير أني حفظت منها ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) وكنا نقرأ بسورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها ، غير أني حفظت منها : ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ) وهل يكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لغيره أو لا ؟ فيه خلاف ، والذاهبون إلى الأول استدلوا بقوله تعالى : { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَاء الله } [ الأعلى : 6 ، 7 ] وهو مذهب الحسن ، واستدل الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى : { وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ الإسراء : 68 ] فإنه يدل على أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم وهذا قول الزجاج وليس بالقوي لجواز حمل ( الذي ) على ما لا يجوز عليه ذلك من أنواع الوحي ، وقال أبو علي : المراد لم نذهب بالجميع ، وعلى التقديرين لا ينافي الاستثناء ، وسبحان من لا ينسى ، وفسر بعضهم النسخ بإزالة الحكم سواء ثبت اللفظ أو لا والإنساء بإزالة اللفظ ثبت حكمه أو لا ، وفسر بعض آخر الأول : بالإذهاب إلى بدل للحكم السابق والثاني : بالإذهاب لا إلى بدل ، وأورد على كلا الوجهين أن تخصيص النسخ بهذا المعنى مخالف للغة والاصطلاح ، وأن الإنساء حقيقة في الإذهاب عن القلوب ، والحمل على المجاز بدون تعذر الحقيقة تعسف ، ولعل ما يتمسك به لصحة هذين التفسيرين من الرواية عن بعض الأكابر لم يثبت ، و( ما ) شرطية جازمة ل ( ننسخ ) منتصبة به على المفعولية ، ولا تنافي بين كونها عاملة/ ومعمولة لاختلاف الجهة ، فبتضمنها الشرط عاملة ، وبكونها اسماً معمولة ويقدر لنفسها جازم وإلا لزم توارد العاملين على معمول واحد ، وتدل على جواز وقوع ما بعدها ، إذ الأصل فيها أن تدخل على الأمور المحتملة ، واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه ؛ وخالفت اليهود غير العيسوية في جوازه وقالوا : يمتنع عقلاً ، وأبو مسلم الأصفهاني في وقوعه فقال : إنه وإن جاز عقلاً لكنه لم يقع وتحقيق ذلك في الأصول ، و{ مّنْ ءايَةٍ } في موضع النصب على التمييز والمميز { مَا } أي : أيُّ شيء ننسخ من آية واحتمال زيادة ( من ) وجعل ( آية ) حالاً ليس بشيء كاحتمال كون ( ما ) مصدرية شرطية و( آية ) مفعولاً به أي أي نسخ ( ننسخ آية ) بل هذا الاحتمال أدهى وأمر كما لا يخفى والضمير المنصوب عائد إلى آية على حد عندي درهم ونصفه لأن المنسوخ غير المنسي ، وتخصيص الآية بالذكر باعتبار الغالب ، وإلا فالحكم غير مختص بها ، بل جار فيما دونها أيضاً على ما قيل .

وقرأ طائفة وابن عامر من السبعة { نَنسَخْ } من باب الأفعال والهمزة كما قال أبو علي : للوجدان على صفة نحو أحمدته أي وجدته محموداً فالمعنى ما نجده منسوخاً وليس نجده كذلك إلا بأن ننسخه ، فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفا في اللفظ ، وجوّز ابن عطية كون الهمزة للتعدية ، فالفعل حينئذ متعد إلى مفعولين ، والتقدير : ما ننسخك من آية أي ما نبيح لك نسخه ، كأنه لما نسخها الله تعالى أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم تركها بذلك النسخ فسمي تلك الإباحة إنساخاً وجعل بعضهم الإنساخ عبارة عن الأمر بالنسخ والمأمور هو النبي صلى الله عليه وسلم ، أو جبرائيل عليه السلام ، واحتمال أن يكون من نسخ الكتاب ، أي ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله ، والضميران الآتيان بعد عائدان على ما عاد إليه ضمير { نُنسِهَا } ناشئ عن الذهول عن قاعدة أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه وقرأ عمر وابن عباس والنخعي وأبو عمرو ، وابن كثير { ننسأها } بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة وطائفة كذلك إلا أنه بالألف من غير همز ولم يحذفها للجازم لأن أصلها الهمزة من نسأ بمعنى أخر ، والمعنى في المشهور نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها أو نبعدها عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها ، وهو معنى ننسها فتتحد القراءتان ، وقيل : ولعله ألطف : إن المعنى نؤخر إنزالها ، وهو في شأن الناسخة حيث أخر ذلك مدة بقاء المنسوخة فالمأتية حينئذ عبارة عن المنسوخة كما أنه حين النسخ عبارة عن الناسخة فمعنى الآية عليه أن رفع المنسوخة بإنزال الناسخة وتأخير الناسخة بإنزال المنسوخة كل منهما يتضمن المصلحة في وقته ، وقرأ الضحاك وأبو الرجاء { أَوْ نُنسِهَا } على صيغة المعلوم للمتكلم مع الغير من التنسية ، والمفعول الأول محذوف يقال : أنسانيه الله تعالى ونسانيه تنسية بمعنى أي ننس أحداً إياها ، وقرى الحسن وابن يعمر ( تنسها ) بفتح التاء من النسيان ؛ ونسبت إلى سعد بن أبي وقاص ، وفرقة كذلك إلا أنهم همزوا ، وأبو حيوة كذلك إلا أنه ضم التاء على أنه من الإنساء ، وقرأ معبد مثله ، ولم يهمز ، وقرأ أبيّ ( ننسك ) بضم النون الأولى وكسر السين من غير همز وبكاف الخطاب .

وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة ( ننسكها ) بإظهار المفعولين ؛ وقرأ الأعمش ( ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها ) ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ حيث أقر الصحابة رضي الله تعالى عنهم مدة على قول راعنا وإقراره صلى الله عليه وسلم على الشيء منزل منزلة الأمر به والإذن فيه ، ثم إنهم نهوا عن ذلك فكان مظنة لما يحاكي ما حكي في سبب النزول ، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذو الفضل العظيم كاد ترفع الطغام رءوسها وتقول : إن من الفضل عدم النسخ/ لأن النفوس إدا داومت على شيء سهل عليها فأتى سبحانه بما ينكس رءوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم وجوده العميم ، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقية الوحي ورد كلام الكارهين له رأساً عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر .

{ نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } أي بشيء هو خير للعباد منها أو مثلها حكماً كان ذلك أو عدمه ، وحياً متلواً أو غيره ، والخيرية أعم من أن تكون في النفع فقط أو في الثواب فقط أو في كليهما ، والمثلية خاصة بالثواب على ما أشار إليه بعض المحققين ، وفصله بأن الناسخ إذا كان ناسخاً للحكم سواء كان ناسخاً للتلاوة أو لا بد أن يكون مشتملاً على مصلحة خلا عنها الحكم السابق لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح ، وتبدلها منوط بتبدلها بحسب الأوقات فيكون الناسخ خيراً منه في النفع سواء كان خيراً منه في الثواب أو مثلاً له أو لا ثواب فيه أصلاً كما إذا كان الناسخ مشتملاً على الإباحة أو عدم الحكم وإذا كان ناسخاً للتلاوة فقط لا يتصور الخيرية في النفع لعدم تبدل الحكم السابق والمصلحة فهو إما خير منه في الثواب أو مثل له ، وكذا الحال في الإنساء فإن المنسي إذا كان مشتملاً على حكم يكون المأتي به خيراً في النفع سواء كان النفع لخلوه عن الحكم مطلقاً أو لخلوه عن ذلك الحكم واشتماله على حكم يتضمن مصلحة خلا عنها الحكم المنسي مع جواز خيريته في الثواب ومماثلته أيام خلوه عنه ، وإذا لم يكن مشتملاً على حكم فالمأتي به بعده إما خير في الثواب أو مثل له ، والحاصل أن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير تبدل الحكم تتبدل المصلحة فيكون خيراً منه ، وعلى تقدير عدم تبدله المصلحة الأولى باقية على حالها انتهى .

ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنة وهو المذهب المنصور ، ومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضاً ، واحتج بظاهر الآية ، أما على الأول : فلأنه لا يتصور كون المأتي به خيراً أو مثلاً إلا في بدل ، وأما على الثاني : فلأن الناسخ هو المأتي به بدلاً وهو خير أو مثل ، ويكون الآتي به هو الله تعالى ، والسنة ليست خيراً ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى ، وأما على الثالث : فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلاً له ، ورد ذلك أما الأول والثالث فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيراً أو مثلاً لا يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيراً من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً منه تعالى ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فأذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في انتظام المعاش وأنظم في إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم ، ولا يرد أن المتبادر من { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } بآية خير منها وإن عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصول وأما الثاني فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها ، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ فيجوز أن يكون أمراً مغايراً يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى ، وأيضاً السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى :

{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } [ النجم : 3 ، 4 ] وليس المراد بالخيرية والمماثلة في اللفظ حتى لا تكون السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما اشتملت عليه السنة خيراً في ذلك ، واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفادن النسخ ، والتفاوت المستفاد من الخرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا يتحقق بدونه ، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته ؛ وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما الكلام اللفظي ، والقديم عندنا الكلام النفسي ، واعترض بأنه مخالف لما اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في الأحكام ، وقرأ أبو عمرو نات بقلب الهمزة ألفاً .

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } الاستفهام قيل : للتقرير وقيل : للإنكار ، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون وإنما أفرده لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم ومبدأ علمهم ، ولإفادة المبالغة مع الاختصار ، وقيل : لكل واقف عليه على حد «بشر المشائين » وقيل : لمنكري النسخ ، والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته عز وجل على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعاً ، والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة ، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات ، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم . وكذا الحال في قوله عز شأنه : { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض }

ومن باب الإشارة في الآيات : { مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } [ البقرة : 106 ] أي ما نزيل من صفاتك شيئاً عن ديوان قلبك أو نخفيه بإشراق أنوارنا عليه إلا ونرقم فيه من صفاتنا التي لا تظن قابليتك لما يشاركها في الاسم والتي تظن وجود ما لا يشاركها فيك .