قوله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } قد مر تفسير الخداع في سورة البقرة في قوله { يخادعون الله والذين ءامنوا } قال الزجاج في تفسير هذه الآية { يخادعون الله } أي يخادعون رسول الله ، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } وقوله { وهو خادعهم } أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنه تعالى خادعهم في الآخرة ، وذلك أنه تعالى يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة ، ودليله قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون } .
ثم قال تعالى : { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى ، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة ، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثوابا ولا من تركها عقابا ، فكان الداعي للترك قويا من هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب الكشاف : قرئ { كسالى } بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران .
ثم قال تعالى : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين .
فإن قيل : ما معنى المرآاة وهي مفاعلة من الرؤية .
قلنا : إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله { ولا يذكرون الله إلا قليلا } وجوه : الأول : أن المراد بذكر الله الصلاة ، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلا ، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلا نادرا . قال صاحب الكشاف : وهكذا نرى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه . الرابع : قال قتادة إنما قيل : إلا قليلا ، لأن الله تعالى لم يقبله ، وما رده الله تعالى فكثيره قليل ، وما قبله الله فقليله كثير .
ثم يمضي السياق بعد هذا الوعد القاطع المطمئن للمؤمنين ، المخذل للمنافقين الذين يتولون الكافرين يبتغون عندهم العزة . . يمضي فيرسم صورة زرية أخرى للمنافقين ، مصحوبة بالتهوين من شأنهم ، وبوعيد الله لهم :
( إن المنافقين يخادعون الله - وهو خادعهم - وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس . ولا يذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك . لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا ) .
وهذه لمسة أخرى من لمسات المنهج للقلوب المؤمنة . فإن هذه القلوب لا بد أن تشمئز من قوم يخادعون الله . فإن هذه القلوب تعرف أن الله سبحانه - لا يخدع - وهو يعلم السر وأخفى وهي تدرك أن الذي يحاول أن يخدع الله لا بد أن تكون نفسه محتوية على قدر من السوء ومن الجهل ومن الغفلة كبير . ومن ثم تشمئز وتحتقر وتستصغر كذلك هؤلاء المخادعين !
ويقرر عقب هذه اللمسة أنهم يخادعون الله ( وهو خادعهم ) . . أي مستدرجهم وتاركهم في غيهم ؛ لا يقرعهم بمصيبة تنبههم ؛ ولا يوقظهم بقارعة تفتح عيونهم . . تاركهم يمضون في طريق الهاوية حتى يسقطوا . . وذلك هو خداع الله - سبحانه - لهم . . فالقوارع والمحن كثيرا ما تكون رحمة من الله ، حين تصيب العباد ، فتردهم سريعا عن الخطأ ؛ أو تعلمهم ما لم يكونوا يعلمون . . وكثيرا ما تكون العافية والنعمة استدراجا من الله للمذنبين الغاوين ؛ لأنهم بلغوا من الإثم والغواية ما يستحقون معه أن يتركوا بلا قارعة ولا نذير ؛ حتى ينتهوا إلى شر مصير .
ثم يستمر السياق يرسم لهم صورا زرية شائنة ؛ لا تثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار :
( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس . ولا يذكرون الله إلا قليلًا ) فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله ، والوقوف بين يديه ، والاتصال به ، والاستمداد منه . . إنما هم يقومون يراءون الناس . ومن ثم يقومون كسالى ، كالذي يؤدي عملا ثقيلا ؛ أو يسخر سخرة شاقة ! وكذلك هم لا يذكرون الله إلا قليلا . فهم لا يتذكرون الله إنما يتذكرون الناس ! وهم لا يتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس .
وهي صورة كريهة - ولا شك - في حس المؤمنين . تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز ، ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين ؛ وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية . . وهي مراحل في المنهج التربوي الحكيم ؛ للبت بين المؤمنين والمنافقين !
{ إِنَّ المنافقين يخادعون الله } أي يفعلون ما يفعل المخادع فيظهرون الإيمان ويضمرون نقيضه ، وعن الحسن واختاره الزجاج أن المراد يخادعون النبي صلى الله عليه وسلم على حد { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار ، وقيل : خداعه تعالى لهم أن يعطيهم سبحانه نوراً يوم القيامة يمشون به مع المسلمين ثم يسلبهم ذلك النور ويضرب بينهم بسور ، وروي ذلك عن الحسن ، أيضاً والسدي واختاره جماعة من المفسرين وقد مر تحقيق ذلك ولله تعالى الحمد . والجملة في محل نصب على الحال أو معطوفة على خبر { ان } أو مستأنفة كالأولى .
{ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصلاة قَامُواْ كسالى } أي متثاقلين متباطئين لا نشاط لهم ولا رغبة كالمكره على الفعل لأنهم لا يعتقدون ثواباً في فعلها ولا عقاباً على تركها ، وقرىء بفتح الكاف وهما جمعا كسلان . { يُرَاءونَ الناس } ليحسبوهم مؤمنين ، والمراآة مفاعلة من الرؤية إما بمعنى التفعيل لأن فاعل بمعنى فعل وارد في كلامهم كنعم وناعم وقراءة عبد الله وإسحق يروون تدل على ذلك ، أو للمقابلة لأنهم لفعلهم في مشاهد الناس يرون الناس والناس يرونهم وهم يقصدون أن ترى أعمالهم والناس يستحسنونها ، فالمفاعلة في الرؤية متحدة وإنما الاختلاف في متعلق الإراءة ، فلا يرد على هذا الشق أن المفاعلة لا بد في حقيقتها من اتحاذ الفعل ومتعلقه ، والجملة إما استئناف مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا يريدون بقيامهم هذا ؟ فقيل : يراءون الخ ، أو حال من ضمير { قَامُواْ } أو من الضمير في { كسالى } .
{ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } عطف على { يُرَاءونَ } ، وقيل : حال من فاعله أي ولا يذكرونه سبحانه مطلقاً إلا زماناً قليلاً ، أو إلا ذكراً قليلاً إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله ، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالنسبة إلى الذكر بالقلب ، وقيل : إنما وصف بالقلة لأنه لم يقبل وكل ما لم يقبله الله تعالى قليل وإن كان كثيراً ، وروي ذلك عن قتادة ، وأخرج البيهقي وغيره عن الحسن ما بمعناه . وأخرج ابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبل وقيل : المراد بالذكر الذكر الواقع في الصلاة نحو التكبير والتسبيح ، وإليه ذهب الجبائي ، وأيد بما أخرجه مسلم وأبو داود عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله تعالى فيها إلا قليلاً »
، وقيل : الذكر بمعنى الصلاة لأن الكلام فيها لا بمعناه المتبادر منه ، وجوز أن يراد بالقلة العدم ، واستشكل توجيه الاستثناء حينئذٍ . وأجيب بأن المعنى : لا يذكرون الله تعالى إلا ذكراً ملحقاً بالعدم لأنه لا ينفعهم فلا إشكال ، ولا يخفى ما فيه فإن القلة بمعنى العدم مجاز ، وجعل العدم بمعنى ما لا نفع فيه مجاز آخر ، ومع ذلك ليس في الكلام ما يدل عليه ، وقال بعض المحققين : في توجيه الكلام على ذلك التقدير أن المعنى حينئذٍ لو صح أن يعد عدم الذكر ذكراً فذلك ذكرهم على طريقة قوله :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب
وفيه وإن كان أهون من الأول ما فيه ، واستدل بالآية على استحباب دخول الصلاة بنشاط ، وعلى كراهة قول الإنسان كسلت ، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه الآية .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يُرَاءونَ الناس } لاحتجابهم بهم عن رؤية الله تعالى { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } [ النساء : 142 ] لأنهم لا يذكرونه إلا باللسان وعند حضورهم بين الناس بخلاف المؤمنين الصادقين فإنهم إذا قاموا إلى الصلاة يطيرون إليها بجناحي الرغبة والرهبة بل يحنون إلى أوقاتها :
حنين أعرابية حنت إلى *** أطلال نجد فارقته ومرخه
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال : «أرحنا يا بلال » يريد عليه الصلاة والسلام أقم لنا الصلاة لنصلي فنستريح بها لا منها ، وظن الأخير برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر والعياذ بالله تعالى ؛ وإذا عبدوا لا يرون إلا الله تعالى ، وما قدر السوى عندهم ليراءوه ؟ وإن كل جزء منهم يذكر الله تعالى ، نعم إنهم قد يشتغلون به عنه فهناك لا يتأتى لهم الذكر ، وقد عد العارفون الذكر لأهل الشهود ذنباً ، ولهذا قال قائلهم :
بذكر الله تزداد الذنوب *** وتنكشف الرذائل والعيوب
وترك الذكر أفضل كل شيء *** وشمس الذات ليس لها مغيب
لكن ذكر بعضهم أنه لا يصل العبد إلى ذلك المقام إلا بكثرة الذكر ، وأشار إلى مقام عال من قال :
لا يترك الذكر إلا من يشاهده *** وليس يشهده من ليس يذكره