قوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا }
في النظم وجهان : الأول : أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن الأعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها ، فقوله : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } كقوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } . الثاني : أن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه ، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله ، وربما ظهر أنه كان مسلما ، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد ، فإنه إن كان كافرا لا يضر المسلم إن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام ، أما إن كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : التحية تفعلة من حييت ، وكان في الأصل تحيية ، مثل التوصية والتسمية ، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة ، نحو قوله : { وتصلية جحيم } فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء .
المسألة الثانية : اعلم أن عادة العرب قبل الإسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا : حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة ، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله ، فلما جاء الإسلام أبدل ذلك بالسلام ، فجعلوا التحية اسما للسلام . قال تعالى : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } ومنه قول المصلي : التحيات لله ، أي السلام من الآفات لله ، والأشعار ناطقة بذلك . قال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده *** . . .
إنا محيوك يا سلمى فحيينا*** . . .
واعلم أن قول القائل لغيره : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله ، وبيانه من وجوه : الأول : أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة ، وليس إذا كان حيا كان سليما ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات ، فثبت أن قوله : السلام عليك أتم وأكمل من قوله : حياك الله . الثاني : أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد إبقاء السلامة على عباده أكمل من قوله : حياك الله . الثالث : أن قول الإنسان لغيره : السلام عليك فيه بشارة بالسلامة ، وقوله : حياك الله لا يفيد ذلك ، فكان هذا أكمل . ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول ، أما القرآن فمن وجوه : الأول : اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا : أولها : أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل ، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته : { الملك القدوس السلام } وثانيها : أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا ، فقال : { قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } والمراد منه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وثالثها : سلم عليك على لسان جبريل ، فقال :
{ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر } قال المفسرون : إنه عليه الصلاة والسلام خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، فقال الله : لا تهتم لذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا ، إلا أني جعلت جبريل خليفة لك ، ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني . ورابعها : سلم عليك على لسان موسى عليه السلام حيث قال : { والسلام على من اتبع الهدى } فإذا كنت متبع الهدى وصل سلام موسى إليك . وخامسها : سلم عليك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } وكل من هدى الله إلى الإيمان فقد اصطفاه ، كما قال : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } وسادسها : أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالسلام على سبيل المشافهة ، فقال : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم } وسابعها : أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالتسليم عليك قال : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } وثامنها : سلم عليك على لسان ملك الموت فقال : { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم } قيل : إن ملك الموت يقول في أذن المسلم : السلام يقرئك السلام ، ويقول : أجبني فإني مشتاق إليك ، واشتاقت الجنات والحور العين إليك ، فإذا سمع المؤمن البشارة ، يقول لملك الموت : للبشير مني هدية ، ولا هدية أعز من روحي ، فاقبض روحي هدية لك ، وتاسعها : السلام من الأرواح الطاهرة المطهرة ، قال تعالى : { وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين } وعاشرها : سلم الله عليك على لسان رضوان خازن الجنة فقال تعالى : { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا } إلى قوله : { وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم } والحادي عشر : إذا دخلوا الجنة فالملائكة يزورونهم ويسلمون عليهم . قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } والثاني عشر : السلام من الله من غير واسطة وهو قوله : { تحيتهم يوم يلقونه سلام } وقوله : { سلام قولا من رب رحيم } وعند ذلك يتلاشى سلام الكل لأن المخلوق لا يبقى على تجلي نور الخالق .
الوجه الثاني : من الدلائل القرآنية الدالة على فضيلة السلام أن أشد الأوقات حاجة إلى السلامة والكرامة ثلاثة أوقات : وقت الابتداء ، ووقت الموت ، ووقت البعث ، والله تعالى لما أكرم يحيى عليه السلام فإنما أكرمه بأن وعده السلام في هذه الأوقات الثلاثة فقال : { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا } وعيسى عليه السلام ذكر أيضا ذلك فقال : { والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } .
الوجه الثالث : أنه تعالى لما ذكر تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام قال :
{ إن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } يروى في التفسير أن اليهود كانوا إذا دخلوا قالوا : السام عليك ، فحزن الرسول عليه الصلاة والسلام لهذا المعنى ، فبعث الله جبريل عليه السلام وقال : إن كان اليهود يقولون السام عليك ، فأنا أقول من سرادقات الجلال : السلام عليك ، وأنزل قوله : { إن الله وملائكته يصلون على النبي } إلى قوله : { وسلموا تسليما } .
وأما ما يدل من الأخبار على فضيلة السلام فما روي أن عبد الله بن سلام قال : لما سمعت بقدوم الرسول عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس ، فأول ما سمعت منه : « يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام » . وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول : قالوا : تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارة بالأصابع ، وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا : حياك الله ، وللملوك أن يقولوا : أنعم صباحا ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها . الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث : أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادرا عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه . فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية .
المسألة الثالثة : من الناس من قال : من دخل دارا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } وقال عليه الصلاة والسلام : « أفشوا السلام » والأمر للوجوب . الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر ، فإذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف ، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام : «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فوجب أن يكون السلام واجبا . الثالث : أن السلام من شعائر أهل الإسلام ، وإظهار شعائر الإسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي .
وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } الثاني : أن ترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر والضرر حرام .
المسألة الرابعة : منتهى الأمر في السلام أن يقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد .
واعلم أنه تعالى قال : { فحيوا بأحسن منها أو ردوها } فقال العلماء : الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة ، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة ، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب . روى أن رجلا قال للرسول صلى الله عليه وسلم : السلام عليك يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته . وآخر قال : السلام عليك ورحمة الله ، فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، وجاء ثالث فقال : السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، فقال الرجل : نقصتني ، فأين قول الله : { فحيوا بأحسن منها } فقال صلى الله عليه وسلم : إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت .
المسألة الخامسة : المبتدئ يقول : السلام عليك والمجيب ، يقول : وعليكم السلام ، هذا هو الترتيب الحسن ، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال : السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر الله ، فإذا قال المجيب : وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر الله ، وهذا يطابق قوله : { هو الأول والآخر } وأيضا لما وقع الابتداء والاختتام بذكر الله فإنه يرجى أن يكون ما وقع بينهما يصير مقبولا ببركته كما في قوله : { أقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات } فلو خالف المبتدئ فقال : وعليكم السلام فقد خالف السنة ، فالأولى للمجيب أن يقول : وعليكم السلام ، لأن الأول لما ترك الافتتاح بذكر الله ، فهذا لا ينبغي أن يترك الاختتام بذكر الله .
المسألة السادسة : إن شاء قال : سلام عليكم ، وإن شاء قال : السلام عليكم قال تعالى في حق نوح : { قيل يا نوح اهبط بسلام منا } وقال عن الخليل : { قال سلام عليك سأستغفر لك ربي } وقال في قصة لوط : { قالوا سلاما قال سلام } وقال عن يحيى : { وسلام عليه } وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم : { قل الحمد لله وسلام على عباده } وقال عن الملائكة : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } وقال عن رب العزة : { سلام قولا من رب رحيم } وقال : { فقل سلام عليكم } وأما بالألف واللام فقوله عن موسى عليه السلام : { فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى } وقال عن عيسى عليه السلام : { والسلام على يوم ولدت ويوم أموت } فثبت أن الكل جائز ، وأما في التحليل من الصلاة فلا بد من الألف واللام بالاتفاق ، واختلفوا في سائر المواضع أن التنكير أفضل أم التعريف ؟ فقيل التنكير أفضل ، ويدل عليه وجوه : الأول : أن لفظ السلام على سبيل التنكير كثير في القرآن فكان أفضل . الثاني : أن كل ما ورد من الله والملائكة والمؤمنين فقد ورد بلفظ التنكير على ما عددناه في الآيات ، وأما بالألف واللام فإنما ورد في تسليم الإنسان على نفسه قال موسى صلى الله عليه وسلم : { والسلام على من اتبع الهدى } وقال عيسى عليه الصلاة والسلام : { والسلام على } والثالث : وهو المعنى المعقول أن لفظ السلام بالألف واللام يدل على أصل الماهية ، والتنكير يدل على أصل الماهية مع وصف الكمال ، فكان هذا أولى .
المسألة السابعة : قال صلى الله عليه وسلم : «السنة أن يسلم الراكب على الماشي ، وراكب الفرس على راكب الحمار ، والصغير على الكبير ، والأقل على الأكثر ، والقائم على القاعد » .
وأقول : أما الأول فلوجهين : أحدهما : أن الراكب أكثر هيبة فسلامه يفيد زوال الخوف والثاني : أن التكبر به أليق ، فأمر بالابتداء بالتسليم كسرا لذلك التكبر ، وأما أن القائم يسلم على القاعد فلأنه هو الذي وصل إليه ، فلا بد وأن يفتتح هذا الواصل الموصول بالخير .
المسألة الثامنة : السنة في السلام الجهر لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب .
المسألة التاسعة : السنة في السلام الإفشاء والتعميم لأن في التخصيص إيحاشا .
المسألة العاشرة : المصافحة عند السلام عادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال عليه الصلاة والسلام : «إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر » .
المسألة الحادية عشرة : قال أبو يوسف : من قال لآخر : اقرئ فلانا عني السلام وجب عليه أن يفعل .
المسألة الثانية عشرة : إذا استقبلك رجل واحد فقل سلام عليكم ، واقصد الرجل والملكين فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك ، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب الله .
المسألة الثالثة عشرة : إذا دخلت بيتا خاليا فسلم ، وفيه وجوه : الأول : إنك تسلم من الله على نفسك . والثاني : إنك تسلم على من فيه من مؤمني الجن . والثالث : أنك تطلب السلامة ببركة السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات .
المسألة الرابعة عشرة : السنة أن يكون المبتدئ بالسلام على الطهارة ، وكذا المجيب . روي أن واحدا سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كان في قضاء الحاجة ، فقام وتيمم ثم رد السلام .
المسألة الخامسة عشرة : السنة إذا التقى إنسانان أن يبتدرا بالسلام إظهارا للتواضع .
المسألة السادسة عشرة : لنذكر المواضع التي لا يسلم فيها ، وهي ثمانية : الأول : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يبدأ اليهودي بالسلام ، وعن أبي حنيفة أنه قال : لا يبدأ بالسلام في كتاب ولا في غيره ، وعن أبي يوسف : لا تسلم عليهم ولا تصافحهم ، وإذا دخلت فقل : السلام على من اتبع الهدى . ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة ، وأما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء : ينبغي أن يقال وعليك ، والأصل فيه أنهم كانوا يقولون عند الدخول على الرسول : السام عليك ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وعليكم ، فجرت السنة بذلك ، ثم ههنا تفريع وهو أنا إذا قلنا لهم : وعليكم السلام ، فهل يجوز ذكر الرحمة فيه ؟ قال الحسن يجوز أن يقال للكافر : وعليكم السلام ، لكن لا يقال ورحمة الله لأنها استغفار . وعن الشعبي أنه قال لنصراني : وعليكم السلام ورحمة الله فقيل له فيه ، فقال : أليس في رحمة الله يعيش . الثاني : إذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب ، فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاجتماع ، فإن سلم فرد بعضهم فلا بأس ، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن . الثالث : إذا دخل الحمام فرأى الناس متزرين يسلم عليهم ، وإن لم يكونوا متزرين لم يسلم عليهم ، الرابع : الأولى ترك السلام على القارئ ، لأنه إذا اشتغل بالجواب يقطع عليه التلاوة وكذلك القول فيمن كان مشتغلا برواية الحديث ومذاكرة العلم ، الخامس : لا يسلم على المشتغل بالأذان والإقامة للعلة التي ذكرناها . السادس : قال أبو يوسف . لا يسلم على لاعب النرد ، ولا على المغني ، ومطير الحمام ، وفي معناه كل من كان مشتغلا بنوع معصية ، السابع : لا يسلم على من كان مشتغلا بقضاء الحاجة ، مر على الرسول عليه الصلاة والسلام رجل وهو يقضي حاجته ، فسلم عليه ، فقام الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجدار فتيمم ثم رد الجواب ، وقال : « لولا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد الجواب لما أجبتك إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك » الثامن : إذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته ، فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليهما .
المسألة السابعة عشرة : في أحكام الجواب وهي ثمانية : الأول : رد الجواب واجب لقوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } ولأن ترك الجواب إهانة وضرر وحرام ، وعن ابن عباس : ما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة . الثاني : رد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، والأولى للكل أن يذكروا الجواب إظهارا للإكرام ومبالغة فيه ، الثالث : أنه واجب على الفور ، فإن أخر حتى انقضى الوقت فإن أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام ولا يكون جوابا . الرابع : إذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتبة أيضا واجب ، لقوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } الخامس : إذا قال السلام عليكم ، فالواجب أن يقول : وعليكم السلام إلا أن السنة أن يزيد فيه الرحمة والبركة ليدخل تحت قوله { فحيوا بأحسن منها } أما إذا قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، فظاهر الآية يقتضي أنه لايجوز الاقتصار على قوله وعليكم السلام . السادس : روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قال : لا يجهر بالرد يعني الجهر الكثير . السابع : إن سلمت المرأة الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد ، بل الأولى أن لا يفعل . الثامن : حيث قلنا أنه لا يسلم ، فلو سلم لم يجب عليها الرد ، لأنه أتى بفعل منهى عنه فكان وجوده كعدمه .
المسألة الثامنة عشرة : اعلم أن لفظ التحية على ما بيناه صار كناية عن الإكرام ، فجميع أنواع الإكرام يدخل تحت لفظ التحية .
إذا عرفت هذا فنقول : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها ، فإذا أثيب منها فلا رجوع فيها . وقال الشافعي رضي الله عنه : له الرجوع في حق الولد ، وليس له الرجوع في حق الأجنبي ، احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على صحة قول أبي حنيفة فإن قوله : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } يدخل فيه التسليم ، ويدخل فيه الهبة ، ومقتضاه وجوب الرد إذا لم يصر مقابلا بالأحسن ، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز ، وقال الشافعي : هذا الأمر محمول على الندب ، بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع ، مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يأتي بالأحسن ، ثم احتج الشافعي على قوله بما روى ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده » قال وهذا نص في أن هبة الأجنبي يحرم الرجوع فيها ، وهبة الولد يجوز الرجوع فيها .
ثم قال تعالى : { إن الله كان على كل شىء حسيبا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الحسيب قولان : الأول : أنه بمعنى المحاسب على العمل ، كالأكيل والشريب والجليس بمعنى المؤاكل والمشارب والمجالس . الثاني : أنه بمعنى الكافي في قولهم : حسبي كذا ؛ أي كافي ، ومنه قوله تعالى : { حسبى الله } .
المسألة الثانية : المقصود منه الوعيد ، فإنا بينا أن الواحد منهم قد كان يسلم على الرجل المسلم ، ثم إن ذلك المسلم ما كان يتفحص عن حاله ، بل ربما قتله طمعا في سلبه ، فالله تعالى زجر عن ذلك فقال : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها } وإياكم أن تتعرضوا له بالقتل .
ثم قال : { إن الله كان على كل شىء حسيبا } أي هو محاسبكم على أعمالكم وكافي في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف ، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها .
( وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً )
ثم استطرد السياق بعد ذكر الشفاعة إلى الأمر برد التحية بخير منها أو بمثلها . والتحية في المجتمع علاقة من العلاقات التي تدور بها عجلة الحياة في يسر ، إذا اتبع الأدب الواجب فيها . . والمناسبة قريبة بينها - في جو المجتمع - وبين الشفاعة التي سبق التوجيه فيها :
وقد جاء الإسلام بتحيته الخاصة ، التي تميز المجتمع المسلم ؛ وتجعل كل سمة فيه - حتى السمات اليومية العادية - متفردة متميزة ؛ لا تندغم ولا تضيع في سمات المجتمعات الأخرى ومعالمها . .
جعل الإسلام تحيته : " السلام عليكم " أو " السلام عليكم ورحمة الله " أو " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " . . والرد عليها بأحسن منها بالزيادة على كل منها - ما عدا الثالثة فلم تبق زيادة لمستزيد - فالرد على الأولى [ وعليكم السلام ورحمة الله ] والرد على الثانية [ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ] . والرد على الثالثة [ وعليكم . . ] إذ أنها استوفت كل الزيادات ، فترد بمثلها . . . وهكذا روي عن النبي [ ص ] . .
ونقف أمام اللمسات الكامنة في آية التحية هذه :
إنها - أولا - تلك السمة المتفردة ، التي يحرص المنهج الإسلامي على أن يطبع بها المجتمع المسلم بحيث تكون له ملامحه الخاصة ، وتقاليده الخاصة - كما أن له شرائعه الخاصة ونظامه الخاص - وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الخاصية بالتفصيل عند الكلام عن تحويل القبلة ، وتميز الجماعة المسلمة بقبلتها ، كتميزها بعقيدتها . وذلك في سورة البقرة من قبل في الظلال .
وهي - ثانيا - المحاولة الدائمة لتوثيق علاقات المودة والقربى بين أفراد الجماعة المسلمة . . وإفشاء السلام ، والرد على التحية بأحسن منها ، من خير الوسائل لإنشاء هذه العلاقات وتوثيقها . وقد سئل رسول الله [ ص ] أي العمل خير ؟ قال : " تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " . . هذا في إفشاء السلام بين الجماعة المسلمة ابتداء . وهو سنة . أما الرد عليها فهو فريضة بهذه الآية . . والعناية بهذا الأمر تبدو قيمتها عند الملاحظة الواقعية لآثار هذا التقليد في إصفاء القلوب ، وتعارف غير المتعارفين ؛ وتوثيق الصلة بين المتصلين . . وهي ظاهرة يدركها كل من يلاحظ آثار مثل هذا التقليد في المجتمعات ، ويتدبر نتائجها العجيبة !
وهي - ثالثا - نسمة رخية في وسط آيات القتال قبلها وبعدها . . لعل المراد منها أن يشار إلى قاعدة الإسلام الأساسية . . السلام . . فالإسلام دين السلام . وهو لا يقاتل إلا لإقرار السلام في الأرض ، بمعناه الواسع الشامل . السلام الناشى ء من استقامة الفطرة على منهج الله .
{ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ } ترغيب كما قال شيخ الإسلام : في فرد شائع من ( أفراد ) الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة السيئة ، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه عند الله عز وجل ، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي : «إنه لما كان المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب وقد تقدم ذكر القتال عقبه به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام » ، والتحية مصدر حيي أصلها تحيية ( كتتمية ) ، وتزكية وأصل الأصل تحيي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها ، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب : الدعاء بالحياة وطولها ، ثم استعملت في كل دعاء ، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً تقول : حياك الله تعالى ، ثم استعملها الشرع في السلام ، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } [ الأحزاب : 44 ] وقال سبحانه : { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله } [ النور : 61 ] ، وفيه على ما قالوا : مزية على قولهم : حياك الله تعالى لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات ، وربما تستلزم طول الحياة ، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك ، ورب حياة الموت خير منها .
ألا موت يباع فأشتريه *** فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر *** تصدق بالممات على أخيه
ليس من مات فاستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا *** كاسفاً باله قليل الرجاء
ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين كما قال الحسن وعطاء ، أو مطلقاً كما أخرج ابن أبي شيبة والبخاري في «الأدب » وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .
{ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا } أي بتحية أحسن من التحية التي حييتم بها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله تعالى إن اقتصر المسلم على الأول ، وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية ، فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير أن رجلاً سلم عليه فقال : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته فقال عروة : ما ترك لنا فضلاً إن السلام قد انتهى إلى وبركاته وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن سلمان الفارسي مرفوعاً وذلك لانتظام تلك التحية لجميع فنون المطالب التي هي السلامة عن المضار ، ونيل المنافع ودوامها ونمائها ، وقيل : يزيد المحيي إذا جمع المحيي الثلاثة له ، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد » عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال : كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد فأتيته فقلت : السلام عليكم فقال : السلام عليكم ورحمة الله تعالى ، ثم أتيته مرة أخرى فقلت : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، فقال : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيب صلواته ، ولا يتعين ما ذكر للزيادة ، فقد ورد خبر رواه أبو داود والبيهقي عن معاذ زيادة ومغفرته ، فما في «الدر » من أن المراد لا يزيد على وبركاته غير مجمع عليه .
{ أَوْ رُدُّوهَا } أي حيوا بمثلها ؛ و { أَوْ } للتخيير بين الزيادة وتركها ، والظاهر أن الأول هو الأفضل في الجواب ، بل لو زاد المسلم على السلام عليكم كان أفضل ، فقد أخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال : السلام عليكم كتب الله تعالى له عشر حسنات فإن قال السلام عليكم ورحمة الله تعالى كتب الله تعالى له عشرين حسنة ، فإن قال : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب الله تعالى له ثلاثين حسنة " وورد في معناه غير ما خبر . «وقد نصوا على أن جواب السلام المسنون واجب ، ووجوبه على الكفاية ، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم ( لحقه ) لأن الحق لله تعالى ، ودليل الوجوب الكفائي خبر أبي داود ، وفي معناه ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم ولم يضعفه «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزي عن الجلوس أن يردّ أحدهم » فبه يسقط الوجوب عن الباقين ( ويختص بالثواب ) فلو ردوا كلهم ولو مرتباً أثيبوا ثواب الواجب » وفي «المبتغى » يسقط عن الباقين برد صبي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في الجملة بدليل حل ذبيحته ، وقيل : لا ، وظاهر «النهاية » ترجيحه وعليه الشافعية قالوا : «ولو رد صبي أو ( من ) لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف نظيره في الجنازة لأن القصد ثم الدعاء ، وهو منه أقرب للإجابة ، وهنا الأمن ، وهو ليس من أهله وقضيته أنه يجزىء تشميت الصبي عن جمع لأن القصد التبرك والدعاء كصلاة الجنازة » ويسقط بردّ العجوز . وفي رد الشابة قولان عندنا ، وعند الشافعية لو ردّت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها وعليه فلا يختص بالعجوز بل المحرم وأمة الرجل وزوجته كذلك ، وفي «تحفتهم » ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج ، وكذا على أجنبي وهي عجوز لا تشتهى ، ويلزمها في هذه الصورة ردّ سلام الرجل ، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها ردّ سلام أجنبي ، ومثله ابتداءُه ، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداءُه أيضاً ، والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده ؛ والخنثى مع رجل كامرأة ومع امرأة كرجل في النظر فكذا هنا ، ولو سلم على جمع نسوة وجب ردّ إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذٍ ، ومن ثَمَّ حلت الخلوة بامرأتين ، والظاهر أن الأمرد هنا كالرجل ابتداءاً وردّاً ، وفي «الدر المختار » لو قال : السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره ، ولو قال : يا فلان أو أشار لمعين سقط ، ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصداً جميعهم ، وكذا لو أطلق على الأوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار ، ولا بدّ في الابتداء والردّ من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع ، نعم إن مرّ عليه سريعاً بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه ، ولا يجهر بالرد الجهر الكثير ، والمروي عن الإمام رضي الله تعالى عنه لعله مقيد بغير هذه الصورة دون العدو خلفه ، واستظهر أنه لا بد من سماع جميع الصيغة ابتداءاً ورداً ، والفرق بينه وبين إجابة أذان سمع بعضه ظاهر ، ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ ، ولكن لا يزيد في الجواب على قوله : وعليك كما في «الخانية » ، وروي ذلك مرفوعاً في الصحيح ، ولا يسلم ابتداءاً على كافر لقوله عليه الصلاة والسلام :
" لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام ، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه " رواه البخاري ؛ وأوجب بعض الشافعية ردّ سلام الذمي بعليك فقط ، وهو الذي يقتضيه كلام «الروضة » لكن قال البلقيني والأذرعي والزركشي : إنه يسن ولا يجب ، وعن الحسن يجوز أن يقال للكافر : وعليك السلام ، ولا يقل رحمة الله تعالى فإنها استغفار ، وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه ذلك فقيل له فيه فقال : أليس في رحمة الله تعالى يعيش . وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في الآية : إن حيوا بأحسن منها للمسلمين أو ردوها لأهل الكتاب ، وورد مثله عن قتادة ، ورخص بعض العلماء ابتداءهم به إذا دعت إليه داعية ويؤدي حينئذٍ بالسلام ، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول للذمي والظاهر عند الحاجة السلام عليك ويريد كما قال الله تعالى عليك أي هو عدوك ، ولا مانع عندي إن لم يقصد ذلك من أن يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاء حياً ليسلم أو يعطي الجزية ذليلاً ، وفي «الأشباه » النص على ذلك في الدعاء له بطول البقاء ، بقي الخلاف في الاتيان بالواو عند الردّ له ، وعامة المحدثين كما قال الخطابي بإثباتها في الخبر غير سفيان بن عيينة فإنه يرويه بغير واو ، واستصوب لأن الواو تقتضي الاشتراك معه ، والدخول فيما قال ، وهو قد يقول السام عليكم كما يدل عليه خبر عمر رضي الله تعالى عنه ، ووجه العلامة الطيبي إثباتها بأن مدخولها قد يقطع عما عطف عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام فيقدر هنا عليكم اللعنة ، أو الغضب ، وعليكم ما قلتم ، ولا يخفى خفاء ذلك ، وإن أيده بما ظنه شيئاً فالأولى ما في «الكشف » من أن رواية الجمهور هو الصواب وهما مشتركان في أنهما على سبيل الدعاء .
ولكن يستجاب دعاء المسلم على الكافر ولا يستجاب دعاؤه عليه ، فقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت عائشة في رهط اليهود القائلين له عليه الصلاة والسلام : " السام عليك ، بل عليكم السام واللعنة ، أنه صلى الله عليه وسلم قال : لا تكوني فاحشة ، قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ا قال : رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في " ويجب في الردّ على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ليعلم ، بل العلم هو المدار ، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلم عليه بينهما ، وتكفي إشارة الأخرس ابتداءاً ورداً ويجب ردّ جواب كتاب التحية كردّ السلام . وعند الشافعية يكفي جوابه كتابة ويجب فيها إن لم يرد لفظاً الفور فيما يظهر ، ويحتمل خلافه ، ولو قال لآخر : أقرىء فلاناً السلام يجب عليه أن يبلغه وعللوه بأن ذلك أمانة ويجب أداؤهما ، ويؤخذ منه أن محله ما إذا رضي بتحمل تلك الأمانة أما لو ردها فلا ، وكذا إن سكت أخذاً من قولهم : لا ينسب لساكت قول ، ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه ، وإذا قلنا بالوجوب ، فالظاهر عند بعض أنه لا يلزمه قصد الموصي له بل إذا اجتمع به وذكر بلغه ، وقال بعض المحققين الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث لا مشقة شديدة عرفاً عليه لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب ، وفرق بعضهم بين أن يقول المرسل : قل له فلان يقول : السلام عليك وبين ما لو قال له سلم لي ، والظاهر عدم الفرق وفاقاً لما نقل عن النووي فيجب فيهما الرد ويسن الردّ على المبلغ والبداءة فيقول : وعليك وعليه السلام للخبر المشهور فيه .
وأوجبوا ردّ سلام صبي أو مجنون مميز ، وكذا سكران مميز لم يعص بسكره ، وقول «المجموع » : لا يجب ردّ سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز وزعم أن الجنون والسكر ينافيان التمييز غفلة عما صرحوا به من عدم التنافي ، ولا يجب ردّ سلام فاسق أو مبتدع زجراً له أو لغيره ، وإن شرع سلامه ، وكذا لا يجب ردّ سلام السائل لأنه ليس للتحية بل لأجل أن يعطى ، ولا ردّ سلام المتحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده على الأوجه لأن المهم له التحلل وقصد الحاضر به لتعود عليه بركته وذلك حاصل وإن لم يرد ، وإنما حنث به الحالف على ترك الكلام والسلام لأن المدار فيهما على صدق الاسم لا غير ، وقد نص على ذلك علماء الشافعية ولم أر لأصحابنا سوى التصريح بالحنث فيمن حلف لا يكلم زيداً فسلم على جماعة هو فيهم ، وأما التصريح بهذه المسألة فلم أره ، وصرح في «الضياء » بعدم وجوب الردّ لو قال المسلم : السلام عليكم بجزم الميم ، وكأنه على ما في «تحفتنا » لمخالفة السنة ، وعليه لو رفع الميم بلا تنوين ولا تعريف كان كجزم الميم في عدم وجوب الرد لمخالفته السنة أيضاً .
وجزم غير واحد من الشافعية أن صيغة السلام ابتداءاً وجواباً عليك السلام وعكسه ، وأنه يجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين ، وأنه يجزىء سلاماً عليكم ، وكذا سلام الله تعالى ، بل وسلامي عليك وعكسه ، واستظهر إجزاء سلمت عليك ، وأنا مسلم عليك ، ونحو ذلك أخذاً مما ذكروه أنه يجزىء في التشهد صلى الله تعالى على محمد والصلاة على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونحوهما ، ولا بأس فيما قالوه عندي ، ولعل تفسير تحية في الآية لتشمل كل هذه الصيغ ، وقال بعض الجماعة : السلام معرفة تحية الأحياء ونكرة تحية الموتى ، ورووا في ذلك خبراً والشيعة ينكرون مطلقاً وينكرون .
وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس «أن السلام في السلام اسم من أسماء الله تعالى » وهذا يقتضي أولوية التعريف أيضاً فافهم ، والأفضل في الرد واو قبله ، ويجزىء بدونه على الصحيح ، ويضر في الابتداء كالاقتصار في أحدهما على أحد جزئي الجملة ، وإن نوى إضمار الآخر ، وفي «الكشف » ما يؤيده ، والخبر الذي فيه الاكتفاء بو عليك في الجواب لا يراد منه الاكتفاء على هذه اللفظة ، بل المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم أجاب بمثل ما سلم به عليه ، ولم يزد كما يشعر به آخره ، وذكر الطحاوي أن المستحب الرد على طهارة أو تيمم ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي الجهم قال : «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه ثم مسح وجهه ويديه ، ثم رد على الرجل السلام » والظاهر عدم الفرق بين الرد والابتداء في ذلك ، ويسن السلام عيناً للواحد وكفاية للجماعة كما أشرنا إليه ابتداءاً عند إقباله وانصرافه للخبر الصحيح الحسن «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم السلام ، وفارق الرد بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء ، وأفتى غير واحد بأن الابتداء أفضل كإبراء المعسر أفضل من إنظاره ويؤخذ من قولهم : ابتداءاً أنه لو أتى به بعد تكلم لم يعتد به ، نعم يحتمل في تكلم سهواً أو جهلاً ، وعذر به أنه لا يفوت الابتداء فيجب جوابه ، ومثل ذلك بل أولى لمشروعيته الكلام للاستئذان ، فقد صرحوا بأنه إذا أتى دار إنسان يجب أن يستأذن قبل السلام ، ويسن إظهار البشر عنده ، فقد أخرج البيهقي عن الحسن قال :
" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه " وعن عمر «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وتصافحا كان أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشراً لصاحبه » ويسن عليكم في الواحد ، وإن جاء في بعض الآثار بالإفراد نظراً لمن معه من الملائكة ، ويقصدهم ليردوا عليه فينال بركة دعائهم ، ولو دخل بيتاً ولم ير أحداً يقول : السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين ، فإن السكنة تردّ عليه ، وفي «الآكام » إن في كل بيت سكنة من الجن ، ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير ، وماش على واقف أو مضطجع ، وراكب عليهم ، وراكب فرس على راكب حمار ، وقليلين على كثيرين لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب ، ولزيادة نحو مرتبة الكبير على نحو الصغير ، وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع ، فكل من ورد على أحدهم يسلم عليه مطلقاً ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جواباً أي ما لم يقصد به الابتداء وحده كما قيل وإلا لزم كلا الرد ، وكره أصحابنا السلام في مواضع ، وفي «النهر » عن صدر الدين الغزي :
سلامك مكروه على من ستسمع *** ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع
مصل وتال ذاكر ومحدث *** خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع
مكرر فقه جالس لقضائه *** ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا
مؤذن أيضاً مع مقيم مدرس *** كذا الأجنبيات الفتيات أمنع
ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم *** ومن هو مع أهل له يتمتع
ودع كافراً أيضاً ومكشوف عورة *** ومن هو في حال التغوط أشنع
ودع آكلاً إلا إذا كنت جائعا *** وتعلم منه أنه ليس يمنع
كذلك أستاذ مغن مطير *** فهذا ختام والزيادة تنفع
فلو سلم على هؤلاء لا يستحق الرد عند بعضهم ، وأوجب بعض الرد في بعضها وذكر الشافعية أن مستمع الخطيب يجب عليه الرد ، وعندنا يحرم الرد كسائر الكلام بلا فرق بين قريب وبعيد على الأصح ، وكرهوه لقاضي الحاجة ونحوه كالمجامع ، وسنوه للآكل كسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم ويلزمه الرد حينئذٍ ولمن بالحمام ونحوهما باللفظ . ورجحوا أنه يسلم على من بمسلخه ولا يمنع كونه مأوى الشياطين فالسوق كذلك والسلام على من فيه مشروع ، وإن اشتغل بمساومة ومعاملة ومصل ومؤذن بالإشارة ، وإلا فبعد الفراغ إن قرب الفصل ، وحرموا الرد على من سلم عليه نحو مرتد وحربي ، وندبه بعضهم على القارىء وإن اشتغل بالتدبر ، وأوجب الرد عليه ، ومحله في متدبر لم يستغرق التدبر قلبه وإلا لم يسن ابتداءاً ، ولا جواب كالداعي المستغرق لأنه الآن بمنزلة غير المميز ، بل ينبغي فيمن استغرقه الهم كذلك أن يكون حكمه ذلك ، وصرحوا أيضاً بعدم السلام على فاسق بل يسن تركه على مجاهر بفسقه ، ومرتكب ذنب عظيم لم يتب عنه ، ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة ، وعلى ملب وساجد وناعس ومتخاصمين بين يدي قاض ، وأفتى بعضهم بكراهة حني الظهر ، وقال كثيرون : حرام للحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، وعن التزام الغير وتقبيله ، وأمر بمصافحته ما لم يكن ذمياً ، وإلا فيكره للمسلم مصافحته بل يكفر إن قصد التبجيل كما يكفر بالسلام عليه كذلك .
وأفتى البعض أيضاً بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو الرأس أو يد أو رجل لا سيما لنحو غني لحديث : «من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه » وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبّل يد عمر رضي الله تعالى عنهما ، ولا يعدّ نحو صبحك الله تعالى بالخير ، أو قواك الله تعالى تحية ولا يستحق مبتدأ به جواباً ، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحباً مثل ذلك في ذلك ، وذكر أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ، فقال الراد : عليك السلام فقط أجزأه لكنه خلاف الأولى ، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر فيها دائر بين الجواب بالأحسن والجواب بالمثل ، وليس ما ذكر شيئاً منهما ، وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة الدين ، وقيل : المراد بها الهدية والعطية ، وأوجب القائل العوض أو الرد على المتهب وهو قول قديم للشافعي ونسب أيضاً لإمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وعلل ذلك بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على الهدية وقد جاء إطلاقها عليها ، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبي :
قفى تغرم الأولى من اللحظ مقلتي *** بثانية والمتلف الشيء غارمه
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية : أترون هذا في السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافِه ، فإن لم تجد فادع له واثن عليه عند إخوانه ، ولعل مراده رحمه الله تعالى قياس غير السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره لخفاء ذلك ، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدى إلى الشخص مما تطيب به حياته { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء حَسِيباً } فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم ؛ ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولاً أولياً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } [ النساء : 86 ] تعليم لنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وقيل : المعنى إذا منّ الله تعالى عليكم بعطية فابذلوا الأحسن من عطاياه أو تصدقوا بما أعطاكم وردوه إلى الله تعالى على يد المستحقين ، والله تعالى خير الموفقين .