قوله تعالى : { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم }
اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم } وقوله : { تأذن } بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئا ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله : { تأذن } بمعنى أذن كما في قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو ، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله { ليبعثن عليهم } ففيه بحثان :
البحث الأول : أن اللام في قوله : { ليبعثن } جواب القسم لأن قوله : { وإذ تأذن } جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر .
البحث الثاني : الضمير في قوله : { عليهم } يقتضي أن يكون راجعا إلى قوله : { فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف . ثم اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا .
البحث الثالث : لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم .
أما قوله : { إلى يوم القيامة } فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا ، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم : هو أخذ الجزية . وقيل : الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا } وقيل : القتل والقتال . وقيل : الإخراج والإبعاد من الوطن ، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير ، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز ، وأن الذل يلزمهم ، والصغار لا يفارقهم . ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة . ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا إخبارا صدقا عن الغيب ، فكان معجزا ، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح ، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهودا ثم دانوا بإلهيته ، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة ، وذلك خلاف هذه الآية . واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله } إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال . أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء ، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جدا . واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم ، فقال بعضهم : الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم ، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم . وهذا القائل حمل قوله : { ليبعثن } على نحو قوله : { إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية ، وترك المنع ، فكذلك البعثة ، وهذا القائل . قال : المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن ربك لسريع العقاب } والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب من الكفر واليهودية ، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم .
ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي ؛ وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه :
( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب . إن ربك لسريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم ) . .
فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدوره ؛ فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب . والذي سيظل نافذاً في عمومه ، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب . وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا ، جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة ، الناكثة العاصية ، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية ؛ ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف . .
ولقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توقفت ، وأن يهود قد عزت واستطالت ! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ . . ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية ، وما بعدها إلى يوم القيامة . لقد تأذن الله بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر الله نبيه في قرآنه - معقباً على هذا الأمر بتقرير صفة الله سبحانه في العذاب والرحمة :
( إن ربك لسريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم ) . .
فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل ، ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم ، في التوراة والإنجيل . . فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة . إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه ، ووراءه المغفرة والرحمة . .
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } منصوب بمضمر معطوف على قوله سبحانه : { واسئلهم } [ الأعراف : 163 ] وتأذن تفعل من الاذن وهو بمعنى آذن أي أعلم والتفعل يجيء بمعنى الافعال كالتوعد والايعاد ، وإلى هذا يؤول ما روي عن ابن عباس من أن المعنى قال ربك ، وفسره ، بعضهم بعزم وهو كناية عنه أو مجاز لأن العازم على الأمر يشاور نفسه في الفعل والترك ثم يجزم فهو يطلب من النفس الاذن فيه ، وفي الكشف لو جعل بمعنى الاستئذان دون الايذان كأنه يطلب الاذن من نفسه لكان وجهاً ، وحيث جعل بمعنى عزم وكان العازم جازماً فسر عزم بجزم وقضى فافاد التأكيد فلذا أجرى مجرى القسم ، وأجيب بما يجاب به وهو هنا { رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ } وجاء عزمت عليك لتفعلن ، ولا يرد على هذا أنه مقتضى لجواز نسبة العزم إليه تعالى وقد صرح بمنع ذلك لأن المنع مدفوع فقد ورد عزمة من عزمات الله تعالى { عَلَيْهِمْ } أي اليهود لا المعتدين الذين مسخوا قردة إذ لم يبقوا كما علمت ، ويحتمل عود الضمير عليهم بناء على ما روي عن الحسن . والمراد حينئذ هم وأخلافهم ، وعوده إلى اليهود والنصارى ليس بشيء وإن روي عن مجاهد ، والجار متعلق بيبعثن على معنى يسلط عليهم البتة { إلى يَوْمِ القيامة } أي إلى انتهاء الدنيا وهو متعلق بيبعث ، وقيل : بتأذن وليس بالوجه ولا يصح كما لا يخفى تعلقه بالصلة في قوله سبحانه : { مَن يَسُومُهُمْ } يذيقهم ويوليهم { سُوء العذاب } كالادلال . وضرب الجزية . وعدم وجود منعة لهم . وجعلهم تحت الأيدي وغير ذلك من فنون العذابد وثد بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان عليه الصلاة والسلام بخت نصر فخرب ديارهم وقتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم ففعل ما فعل ثم ضرب الجزية عليهم فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر .
ولا ينافي ذلك رفعها عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لأن ذلك الوقت ملحق بالآخرة لقربه منها أو لأن معنى رفعه عليه السلام إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمة لسيوفهم فلا اسكال ، وما يحصل لهم زمن الدجال مع كونه ذلافي نفسه غمامة صيف على أنهم ليسوا يهود حين التبعية { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } لما شاء سبحانه أن يعاقبه في الدنيا ومنهم هؤلاء ، وقيل : في الآخرة ، وقيل : فيهما وَإِنَّهُ لَغَفُورُ رحيمٌ } لمن تاب وآمن .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي اقسم { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة } أي قيامتهم { مَن يَسُومُهُمْ } وهو التجلي الجلالي
{ سُوء العذاب } [ الأعراف : 167 ] وهو عذاب القهر وذل اتباع الشهوات