مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (167)

قوله تعالى : { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم }

اعلم أنه تعالى لما شرح ههنا بعض مصالح أعمال اليهود وقبائح أفعالهم ذكر في هذه الآية أنه تعالى حكم عليهم بالذل والصغار إلى يوم القيامة ، قال سيبويه : أذن أعلم . وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى : { فأذن مؤذن بينهم } وقوله : { تأذن } بمعنى أذن أي أعلم . ولفظة تفعل ، ههنا ليس معناه أنه أظهر شيئا ليس فيه ، بل معناه فعل فقوله : { تأذن } بمعنى أذن كما في قوله : { سبحانه وتعالى عما يشركون } معناه علا وارتفع لا بمعنى أنه أظهر من نفسه العلو ، وإن لم يحصل ذلك فيه وأما قوله { ليبعثن عليهم } ففيه بحثان :

البحث الأول : أن اللام في قوله : { ليبعثن } جواب القسم لأن قوله : { وإذ تأذن } جار مجرى القسم في كونه جازما بذلك الخبر .

البحث الثاني : الضمير في قوله : { عليهم } يقتضي أن يكون راجعا إلى قوله : { فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف . ثم اختلفوا فقال بعضهم : المراد نسلهم والذين بقوا منهم . وقال آخرون : بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية ، وقال الأكثرون : هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته ، وهذا أقرب . لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا .

البحث الثالث : لا شبهة في أن المراد اليهود الذين ثبتوا على الكفر واليهودية ، فأما الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فخارجون عن هذا الحكم .

أما قوله : { إلى يوم القيامة } فهذا تنصيص على أن ذلك العذاب ممدود إلى يوم القيامة وذلك يقتضي أن ذلك العذاب إنما يحصل في الدنيا ، وعند ذلك اختلفوا فيه فقال بعضهم : هو أخذ الجزية . وقيل : الاستخفاف والإهانة والإذلال لقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا } وقيل : القتل والقتال . وقيل : الإخراج والإبعاد من الوطن ، وهذا القائل جعل هذه الآية في أهل خيبر وبني قريظة والنضير ، وهذه الآية نزلت في اليهود على أنه لا دولة ولا عز ، وأن الذل يلزمهم ، والصغار لا يفارقهم . ولما أخبر الله تعالى في زمان محمد عن هذه الواقعة . ثم شاهدنا بأن الأمر كذلك كان هذا إخبارا صدقا عن الغيب ، فكان معجزا ، والخبر المروي في أن أتباع الرجال هم اليهود إن صح ، فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهودا ثم دانوا بإلهيته ، فذكروا بالاسم الأول ولولا ذلك لكان في وقت اتباعهم الدجال قد خرجوا عن الذلة ، وذلك خلاف هذه الآية . واحتج بعض العلماء على لزوم الذل والصغار لليهود بقوله تعالى : { ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله } إلا أن دلالتها ليست قوية لأن الاستثناء المذكور في هذه الآية يمنع من القطع على لزوم الذل لهم في كل الأحوال . أما الآية التي نحن في تفسيرها لم يحصل فيها تقييد ولا استثناء ، فكانت دلالتها على هذا المعنى قوية جدا . واختلفوا في أن الذين يلحقون هذا الذل بهؤلاء اليهود من هم ، فقال بعضهم : الرسول وأمته وقيل يحتمل دخول الولاة الظلمة منهم ، وإن لم يؤمروا بالقيام بذلك إذا أذلوهم . وهذا القائل حمل قوله : { ليبعثن } على نحو قوله : { إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين } فإذا جاز أن يكون المراد بالإرسال التخلية ، وترك المنع ، فكذلك البعثة ، وهذا القائل . قال : المراد بختنصر وغيره إلى هذا اليوم ، ثم أنه تعالى ختم الآية بقوله : { إن ربك لسريع العقاب } والمراد التحذير من عقابه في الآخرة مع الذلة في الدنيا { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب من الكفر واليهودية ، ودخل في الإيمان بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (167)

138

ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي ؛ وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه :

( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب . إن ربك لسريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم ) . .

فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدوره ؛ فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب . والذي سيظل نافذاً في عمومه ، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب . وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا ، جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة ، الناكثة العاصية ، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية ؛ ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف . .

ولقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توقفت ، وأن يهود قد عزت واستطالت ! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ . . ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية ، وما بعدها إلى يوم القيامة . لقد تأذن الله بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر الله نبيه في قرآنه - معقباً على هذا الأمر بتقرير صفة الله سبحانه في العذاب والرحمة :

( إن ربك لسريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم ) . .

فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل ، ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم ، في التوراة والإنجيل . . فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة . إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه ، ووراءه المغفرة والرحمة . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ} (167)

شرح الكلمات :

{ تأذن } : أعلم وأعلن .

{ ليبعثن } : أي ليسلطن .

{ من يسومهم سوء العذاب } : أي يذيقهم ويوليهم سوء العذاب كالذلة والمسكنة .

المعنى :

ما زال السياق في شأن اليهود فقد أمر تعالى رسوله أن يذكر إعلامه تعالى بأنه سيبعث بكل تأكيد على اليهود إلى يوم القيامة من يذلهم ويضطهدهم عقوبة منه تعالى لهم على خبث طواياهم وسوء أفعالهم ، وهذا الإِطلاق في هذا الوعيد الشديد يقيد بأحد أمرين الأول بتوبة من تاب منهم ويدل على هذا القيد قوله تعالى في آخر هذه الآية { إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } أي لمن تاب والثاني بجوار دولة قوية لهم وحمايتها وهذا مفهوم قوله تعالى من سورة آل عمران { ضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله } وهو الإسلام . { وحبل من الناس }

، وهو ما ذكرنا آفنا . هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق ( 167 ) وهي قوله تعالى { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } .

/ذ170