مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

قوله تعالى : { قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين }

اعلم أن شعيبا لما قرر تلك الكلمات قال { الذين استكبروا } وأنفوا من تصديقه وقبول قوله لا بد من أحد أمرين : إما أن نخرجك ونخرج أتباعك من هذه القرية ، وإما أن تعود إلى ملتنا .

والإشكال فيه أن يقال : إن قولهم : { أو لتعودن في ملتنا } يدل على أنه عليه السلام كان على ملتهم التي هي الكفر ، فهذا يقتضي أنه عليه السلام كان كافرا قبل ذلك ، وذلك في غاية الفساد ، وقوله : { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم } يدل أيضا على هذا المعنى .

والجواب من وجوه :

الأول : أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه كفارا فخاطبوا شعيبا بخطاب أتباعه وأجروا عليه أحكامهم .

الثاني : أن رؤساءهم قالوا ذلك على وجه التلبيس على العوام يوهمون أنه كان منهم ، وأن شعيبا ذكر جوابه على وفق ذلك الإيهام .

الثالث : أن شعيبا في أول أمره كان يخفي دينه ومذهبه ، فتوهموا أنه كان على دين قومه .

الرابع : لا يبعد أن يقال : إن شعيبا كان على شريعتهم ، ثم إنه تعالى نسخ تلك الشريعة بالوحي الذي أوحاه إليه .

الخامس : المراد من قوله : { أو لتعودن في ملتنا } أي لتصيرن إلى ملتنا فوقع العود بمعنى الابتداء . تقول العرب : قد عاد إلي من فلان مكروه ، يريدون قد صار إلي منه المكروه ابتداء . قال الشاعر :

فإن تكن الأيام أحسن مدة *** إلى فقد عادت لهن ذنوب

أراد فقد صارت لهن ذنوب ، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان .

ثم إنه تعالى بين أن القوم لما قالوا ذلك أجاب شعيب عليه السلام عن كلامهم بوجهين : الأول : قوله : { ولو كنا كارهين } الهمزة للاستفهام ، والواو واو الحال . تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا . ومع كوننا كارهين .

الثاني : قوله : { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } والجواب الأول يجري مجرى الرمز في أنه لا يعود إلى ملتهم ، وهذا الجواب الثاني تصريح بأنه لا يفعل ذلك فقال : إنه إن فعلنا ذلك فقد افترينا على الله . وأصل الباب في النبوة والرسالة صدق اللهجة ، والبراءة عن الكذب ، فالعود في ملتكم يبطل النبوة ، ويزيل الرسالة . وقوله : { إذ نجانا الله منها } فيه وجوه : الأول : معنى { إذ نجانا الله منها } علمنا قبحه وفساده ، ونصب الأدلة على أنه باطل . الثاني : أن المراد أن الله نجى قومه من تلك الملة ، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم ، وإن كان بريئا منه إجراء الكلام على حكم التغليب . والثالث : أن القوم أوهموا أنه كان على ملتهم ، أو اعتقدوا أنه كان كذلك . فقوله : { بعد إذ نجانا الله منها } أي حسب معتقدكم وزعمكم .

أما قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } .

فاعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية على أنه تعالى قد يشاء الكفر ، والمعتزلة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يشاء إلا الخير والصلاح . أما وجه استدلال أصحابنا بهذه ، فمن وجهين : الأول : قوله : { إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } يدل على أن المنجي من الكفر هو الله تعالى ، ولو كان الإيمان يحصل بخلق العبد ، لكانت النجاة من الكفر تحصل للإنسان من نفسه ، لا من الله تعالى ، وذلك على خلاف مقتضى قوله : { بعد إذ نجانا الله منها } الثاني : أن معنى الآية أنه ليس لنا أن نعود إلى ملتكم إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إلى تلك الملة ، ولما كانت تلك الملة كفرا ، كان هذا تجويزا من شعيب عليه السلام أن يعيدهم إلى الكفر ، فكاد هذا يكون تصريحا من شعيب بأنه تعالى قد شاء رد المسلم إلى الكفر ، وذلك غير مذهبنا . قال الواحدي : ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر . ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } وكثيرا ما كان محمد عليه الصلاة والسلام يقول : ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك ) وقال يوسف : { توفني مسلما } أجابت المعتزلة عنه من وجوه : الأول : أن قوله ليس لنا أن نعود إلى تلك الملة إلا أن يشاء الله أن يعيدنا إليها قضية شرطية ، وليس فيها بيان أنه تعالى شاء ذلك أو ما شاء . والثاني : أن هذا مذكور على طريق التبعيد ، كما يقال : لا أفعل ذلك إلا إذا ابيض القار ، وشاب الغراب : فعلق شعيب عليه السلام عوده إلى ملتهم على مشيئته . ومن المعلوم أنه لا يكون نفيا لذلك أصلا ، فهو على طريق التبعيد ، لا على وجه الشرط . الثالث : أن قوله : { إلا أن يشاء الله } ليس فيه بيان أن الذي شاءه الله ما هو ، فنحن نحمله على أن المراد إلا أن يشاء الله ربنا بأن يظهر هذا الكفر من أنفسنا إذا أكرهتمونا عليه بالقتل ، وذلك لأن عند الإكراه على إظهار الكفر بالقتل يجوز إظهاره ، وما كان جائزا كان مرادا لله تعالى ، وكون الضمير أفضل من الإظهار ، لا يخرج ذلك الإظهار من أن يكون مراد الله تعالى ، كما أن المسح على الخفين مراد الله تعالى وإن كان غسل الرجلين أفضل . الرابع : أن قوله : { لنخرجنك يا شعيب } المراد الإخراج عن القرية ، فيحمل قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها } أي القرية ، لأنه تعالى قد كان حرم عليه إذا أخرجوه عن القرية ، أن يعود فيها إلا بإذن الله ومشيئته . الخامس : أن نقول يجب حمل المشيئة ههنا على الأمر ، لأن قوله : { وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } معناه : أنه إذا شاء كان لنا أن نعود فيها . وقوله : { لنا أن نعود فيها } أي يكون ذلك العود جائزا ، والمشيئة عند أهل السنة لا يوجب جواز الفعل ، فإنه تعالى يشاء الكفر من الكافر عندهم ، ولا يجوز له فعله ، إنما الذي يوجب الجواز هو الأمر . فثبت أن المراد من المشيئة ههنا الأمر ، فكان التقدير : إلا أن يأمر الله بعودنا في ملتكم فإنا نعود إليها ، والشريعة التي صارت منسوخة ، لا يبعد أن يأمر الله بالعمل بها مرة أخرى ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلالكم .

والوجه السادس : للقوم في الجواب ما ذكره الجبائي ، فقال : المراد من الملة الشريعة التي يجوز اختلاف العبادة فيها بالأوقات ، كالصلاة والصيام وغيرهما ، فقال شعيب : { وما يكون لنا أن نعود في ملتكم } ولما دخل في ذلك كل ما هم عليه ، وكان من الجائز أن يكون بعض تلك الأحكام والشرائع باقيا غير منسوخ ، لا جرم قال : { إلا أن يشاء الله } والمعنى : إلا أن يشاء الله إبقاء بعضها فيدلنا عليه ، فحينئذ نعود إليها فهذا الاستثناء عائد إلى الأحكام التي يجوز دخول النسخ والتغيير فيها ، وغير عائد إلى ما لا يقبل التغير ألبتة فهذه أسئلة القوم على هذه الطريقة وهي جيدة ، وفي الآيات الدالة على صحة مذهبنا كثرة ، ولا يلزم من ضعف استدلال أصحابنا بهذه الآية دخول الضعف في المذهب . وأما المعتزلة فقد تمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين :

الوجه الأول : لما قالوا ظاهر قوله : { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } يقتضي أنه لو شاء الله عودنا إليها لكان لنا أن نعود إليها ، وذلك يقتضي أن كل ما شاء الله وجوده ، كان فعله جائزا مأذونا فيه ، ولم يكن حراما . قالوا : وهذا عين مذهبنا أن كل ما أراد الله حصوله ، كان حسنا مأذونا فيه ، وما كان حراما ممنوعا منه لم يكن مرادا لله تعالى .

والوجه الثاني : لهم أن قالوا : إن قوله : { لنخرجنك أو لتعودن في ملتنا } لا وجه للفصل بين هذين القسمين على قول الخصم ، لأن على قولهم خروجهم من القرية بخلق الله وعودهم إلى تلك الملة أيضا بخلق الله ، وإذا كان حصول القسمين بخلق الله ، لم يبق للفرق بين القسمين فائدة .

واعلم أنه لما تعارض استدلال الفريقين بهذه الآية وجب الرجوع إلى سائر الآيات في هذا الباب .

أما قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : في تعلق هذا الكلام بالكلام الأول وجوه : قال القاضي : قد نقلنا عن أبي علي الجبائي أن قول شعيب : { إلا أن يشاء الله ربنا } معناه : إلا أن يخلق المصلحة في تلك العبادات ، فحينئذ يكلفنا بها ، والعالم بالمصالح ليس إلا من وسع علمه كل شيء ، فلذلك أتبعه بهذا القول . وقال أصحابنا : وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، هو أن القوم لما قالوا لشعيب : إما أن تخرج من قريتنا وإما أن تعود إلى ملتنا ، فقال شعيب : { وسع ربي كل شيء علما } فربما كان في علمه حصول قسم ثالث ، وهو أن نبقى في هذه القرية من غير أن نعود إلى ملتكم بل يجعلكم مقهورين تحت أمرنا ذليلين خاضعين تحت حكمنا ، وهذا الوجه أولى مما قاله القاضي ، لأن قوله : { على الله توكلنا } لائق بهذا الوجه ، لا بما قاله القاضي .

المسألة الثانية : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } يدل على أنه تعالى كان عالما في الأزل بجميع الأشياء ، لأن قوله : { وسع } فعل ماض ، فيتناول كل ماض . وإذا ثبت أنه كان في الأزل عالما بجميع المعلومات ، وثبت أن تغير معلومات الله تعالى محال ، لزم أنه ثبتت الأحكام وجفت الأقلام والسعيد من سعد في علم الله ، والشقي من شقي في علم الله .

المسألة الثالثة : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } يدل على أنه علم الماضي ، والحال والمستقبل وعلم المعدوم أنه لو كان كيف كان يكون ، فهذه أقسام أربعة ، ثم كل واحد من هذه الأقسام الأربعة يقع على أربعة أوجه . أما الماضي : فإنه علم أنه لما كان ماضيا ، فإنه كيف كان . وعلم أنه لو لم يكن ماضيا ، بل كان حاضرا ، فإنه كيف يكون وعلم أنه لو كان مستقبلا كيف يكون . وعلم أنه لو كان عدما محضا كيف يكون ، فهذه أقسام أربعة بحسب الماضي ، واعتبر هذه الأقسام الأربعة بحسب الحال ، وبحسب المستقبل ، وبحسب المعدوم المحض ، فيكون المجموع ستة عشر ، ثم اعتبر هذه الأقسام الستة عشر بحسب كل واحد من الذوات والألوان والطعوم والروائح ، وكذا القول في سائر المفردات من أنواع الأعراض وأجناسها ، فحينئذ يلوح لعقلك من قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } بحر لا ينتهي مجموع عقول العقلاء إلى أول خطوة من خطوات ساحله .

المسألة الرابعة : قال الواحدي : قوله : { وسع ربنا كل شيء علما } منصوب على التمييز .

واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ختم كلامه بأمرين : الأول : بالتوكل على الله . فقال : { على الله توكلنا } فهذا يفيد الحصر ، أي عليه توكلنا لا على غيره ، وكأنه في هذا المقام عزل الأسباب ، وارتقى عنها إلى مسبب الأسباب . والثاني : الدعاء . فقال : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } قال ابن عباس والحسن وقتادة ، والسدي : احكم واقض . وقال الفراء : أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح لأنه يفتح مواضع الحق ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ما كنت أدري قوله : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لزوجها : تعال أفاتحك أي أحاكمك . قال الزجاج : وجائز أن يكون قوله : { افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف ، والمراد منه : أن ينزل عليهم عذابا يدل على كونهم مبطلين ، وعلى كون شعيب وقومه محقين ، وعلى هذا الوجه فالفتح يراد به الكشف والتبيين .

ثم قال : { وأنت خير الفاتحين } والمراد منه الثناء على الله . واحتج أصحابنا بهذا اللفظ على أنه هو الذي يخلق الإيمان من العبد ، وذلك لأن الإيمان أشرف المحدثات ، ولو فسرنا لفتح بالكشف والتبيين ، فلا شك أن الإيمان كذلك .

إذا ثبت هذا فنقول : لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، لكان خير الفاتحين هو العبد ، وذلك ينفي كونه تعالى خير الفاتحين .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

59

( قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها ) . .

إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت و الجاهلية ، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة للّه وحده ، والتي يتخذ الناس فيها أرباباً من دون اللّه يقرون لهم بسلطان اللّه . . إن الذي يعود إلى هذه الملة - بعد إذ قسم اللّه له الخير وكشف له الطريق ، وهداه إلى الحق ، وأنقذه من العبودية للعبيد - إنما يؤدي شهادة كاذبة على اللّه ودينه . شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة اللّه خيراً فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت ! أو مؤداها - على الأقل - أن لملة الطاغوت حقاً في الوجود ، وشرعية في السلطان ؛ وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان باللّه . فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن باللّه . . وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى ، ولم يرفع راية الإسلام . شهادة الاعتراف براية الطغيان . ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان اللّه في الحياة !

وكذلك يستنكر شعيب - عليه السلام - ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم اللّه منها :

( وما يكون لنا أن نعود فيها ) . .

وما من شأننا أصلاً ؛ وما ينبغي لنا قطعاً أن نعود فيها . . يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة ، التي تعلن خروجها عن سلطانه ، ودينونتها للّه وحده بلا شريك معه أو من دونه .

إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة للّه وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت ! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق ! - إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة ! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته فهذه " الإنسانية " لا توجد ، والإنسان عبد للإنسان - وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان ؟ ! . . وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به ، ورضاه أو غضبه عليه ؟ ! . . وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته ؟ ! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان ؟ !

على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة . . إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس - في حكم الطواغيت - أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج . كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات . فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها ، فيذبحهم على مذبح هواه ، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه ! ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية . . حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت ، سواء في صورة الغصب المباشر - كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ - أو في صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهباً مباحاً للشهوات تحت أي شعار ! وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار . . والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون اللّه . إنما يعيش في وهم ، أو يفقد الإحساس بالواقع !

إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال . . ومهما تكن تكاليف العبودية للّه ، فهيأربح وأقوم حتى بميزان هذه الحياة . فضلاً على وزنها في ميزان اللّه . .

يقول السيد أبو الأعلى المودودي في كتاب : " الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية " :

" . . . وكل من له أدنى بصيرة بمسائل الحياة الإنسانية ، لا يخفى عليه أن المسألة - التي تتوقف عليها قضية صلاح الشؤون البشرية وفسادها - إنما هي مسألة زعامة الشؤون البشرية ومن بيده زمام أمرها . وذلك كما تشاهد في القطار أنه لا يجري إلا إلى الجهة التي يوجهه إليها سائقه ، وأنه لا بد للركاب أن يسافروا - طوعاً أو كرهاً - إلى تلك الجهة نفسها . فكذلك لا يجري قطار المدنية الإنسانية إلا إلى جهة يوجهه إليها من بأيديهم زمام أمر تلك المدنية . ومن الظاهر البين أن الإنسانية بمجموعها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تأبى السير على تلك الخطة التي رسمها لهم الذين بأيديهم وسائل الأرض وأسبابها طراً ، ولهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمر ، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شؤون الإنسانية ، وتتعلق بأذيالهم نفوس الجماهير وآمالهم ، وهم يملكون أدوات تكوين الأفكار والنظريات وصوغها في قوالب يحبونها ، وإليهم المرجع في تنشئة الطباع الفردية ، وإنشاء النظام الجماعي ، وتحديد القيم الخلقية . فإذا كان هؤلاء الزعماء والقواد ممن يؤمنون باللّه ويرجون حسابه . . فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح ، وأن يعود الخبثاء الأشرار إلى كنف الدين ويصلحوا شؤونهم . وكذلك تنمو الحسنات ويزكو غراسها ، وأقل ما يكون من تأثير المجتمع في السيئات أنها لا تربو . إن لم تمحق وتنقرض آثارها . وأما إذا كانت هذه السلطة - سلطة الزعامة والقيادة والإمامة - بأيدي رجال انحرفوا عن اللّه ورسوله ، واتبعوا الشهوات ، وانغمسوا في الفجور والطغيان ، فلا محالة أن يسير نظام الحياة بقضه وقضيضه على البغي والعدوان والفحشاء ، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والنظريات والعلوم والآداب والسياسة والمدنية والثقافة والعمران والأخلاق والمعاملات والعدالة والقانون برمتها ، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها . . . "

. . . " والظاهر أن أول ما يطالب به دين اللّه عباده ، أن يدخلوا في عبودية الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد ، حتى لا يبقى في اعناقهم قلادة من قلائد العبودية لغير اللّه تعالى . ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون إلا ما أنزله اللّه تعالى ، وجاء به الرسول الأمي الكريم - [ ص ] - ثم إن الإسلام يطالبهم أن ينعدم من الأرض الفساد ، وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات الجالبة على العباد غضب اللّه تعالى وسخطه . وهذه الغايات السامية لا يمكن أن يتحقق منها شيء ما دامت قيادة أبناء البشر وتسيير شؤونهم في الأرض بأيدي أئمة الكفر والضلال ؛ ولا يكون من أمر أتباع الدين الحق وأنصاره إلا أن يستسلموا لأمر هؤلاء وينقادوا لجبروتهم ، يذكرون اللّه قابعين في زواياهم ، منقطعين عن الدنيا وشؤونها ، مغتنمين ما يتصدق به هؤلاء الجبابرة عليهم من المسامحات والضمانات ! ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة وإقامة نظام الحق من أهمية خطيرة تجعلها من غايات الدين وأسسه . والحق أن الإنسان لا يمكنه أن يبلغ رضي اللّه تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة وتقاعس عن القيام بها . . ألم تروا ما جاء في الكتاب والسنة من ذكر الجماعة ولزومها والسمع والطاعة ، حتى إن الإنسان ليستوجب القتل إذا خرج من الجماعة - ولو قيد شعرة - وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم . وهل لذلك من سبب سوى أن غرض الدين الحقيقي وهدفه إنما هو إقامة نظام الحق ، والإمامة الراشدة وتوطيد دعائمه في الأرض . وكل ذلك يتوقف تحققه على القوة الجماعية ، والذي يضعضع القوة الجماعية ويفت في عضدها ، يجني على الإسلام وأهله جناية لا يمكن جبرها وتلافيها بالصلاة ولا بالإقرار بكلمة التوحيد . . ثم انظروا إلى ما كسب " الجهاد " من المنزلة العالية والمكانة الرفيعة في الدين ، حتى إنالقرآن ليحكم " بالنفاق " على الذين ينكلون عنه ويثاقلون إلى الأرض . ذلك أن " الجهاد " هو السعي المتواصل والكفاح المستمر في سبيل إقامة نظام الحق ، ليس غير . وهذا الجهاد هو الذي يجعله القرآن ميزاناً يوزن به إيمان الرجل وإخلاصه للدين . وبعبارة أخرى أنه من كان يؤمن باللّه ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل ، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق . . فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب ، فاعلم أنه مدخول في إيمانه ، مرتاب في أمره ، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك ؟ " . . .

. . . " إن إقامة الإمامة الصالحة في أرض اللّه لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الإسلام . فكل من يؤمن باللّه ورسوله ويدين دين الحق ، لا ينتهي عمله بأن يبذل الجهد المستطاع لإفراغ حياته في قالب الإسلام ، ولا تبرأ ذمته من ذلك فحسب ، بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكافرين والفجرة والظالمين حتى يتسلمه رجال ذوو صلاح ممن يتقون اللّه ، ويرجون حسابه ، ويقوم في الأرض ذلك النظام الحق المرضيّ عند اللّه الذي به صلاح أمور الدنيا وقوام شؤونها " . .

إن الإسلام حين يدعو الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر ورده كله للّه ، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد ؛ كما يدعوهم إلى إنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم . . إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطاغوت - تحت رايته - بكل ما فيها من تضحيات ؛ ولكنه ينقذهم من تضحيات أكبر وأطول ، كما أنها أذل وأحقر ! . . إنه يدعوهم للكرامة ، وللسلامة ، في آن . .

لذلك قالها شعيب عليه السلام مدوية حاسمة :

( قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها ، وما يكون لنا أن نعود فيها )

ولكن شعيباً بقدر ما يرفع رأسه ، وبقدر ما يرفع صوته ، في مواجهة طواغيت البشر من الملأ الذين استكبروا من قومه . . بقدر ما يخفض هامته ، ويسلم وجهه في مواجهة ربه الجليل ، الذي وسع كل شيء علماً . فهو في مواجهة ربه ، لا يتألى عليه ولا يجزم بشيء أمام قدره ، ويدع له قياده وزمامه ، ويعلن خضوعه واستسلامه :

( إلا أن يشاء اللّه ربنا ، وسع ربنا كل شيء علماً ) . .

إنه يفوض الأمر للّه ربه ، في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه . . إنه يملك رفض ما يفرضه عليه الطواغيت ، من العودة في ملتهم ؛ ويعلن تصميمه والمؤمنين معه على عدم العودة ؛ ويعلن الاستنكار المطلق للمبدأ ذاته . . ولكنه لا يجزم بشيء عن مشيئة اللّه به وبهم . . فالأمر موكول إلى هذه المشيئة ، وهو والذين آمنوا معه لا يعلمون ، وربهم وسع كل شيء علماً . فإلى علمه ومشيئته تفويضهم واستسلامهم .

إنه أدب ولي اللّه مع اللّه . الأدب الذي يلتزم به أمره ، ثم لا يتألى بعد ذلك على مشيئته وقدره . ولا يتأبى على شيء يريده به ويقدره عليه .

وهنا يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم ووعيدهم ، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق ، يدعوه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق :

( على اللّه توكلنا . ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق . وأنت خير الفاتحين ) . .

وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر : مشهد تجلي حقيقة " الألوهية " في نفس ولي اللّه ونبيه . .

إنه يعرف مصدر القوة ، وملجأ الأمان . ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان . ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه ، والتي ليس منها مفر . إلا بفتح من ربه ونصر .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ} (89)

شرح الكلمات :

{ في ملتكم } : في دينكم .

{ على الله توكلنا } : أي فوضنا أمرنا واعتمدنا في حمايتنا عليه .

{ ربنا افتح بيننا } : أي يا ربنا احكم بيننا .

{ وأنت خير الفاتحين } : أي وأنت خير الحاكمين .

المعنى :

{ قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } ووجه الكذب على الله إن عادوا إلى ملة الباطل هو أن شعيباً أخبرهم أن الله تعالى أمرهم بعبادته وحده وترك عبادة غيره ، وأنه تعالى أرسله إليهم رسولاً وأمرهم بطاعته إنقاذاً لهم من الباطل الذي هم فيه فإذا ارتد وعاد هو ومن معه من المؤمنين إلى ملة الشرك كان موقفهم موقف من كذب على الله تعالى بأنه قال كذا وكذا والله عز وجل لم يقل . هذا ثم قال شعيب { وما يكون لنا أن نعود فيها } ليس من الممكن ولا من المتهيئ لنا العودة في ملتكم أبداً ، اللهم إلا أن يشاء ربنا شيئاً فإن مشيئته نافذة في خلقه ، وقوله : { وسع ربنا كل شيء علما } فإذا كان قد علم أنا نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ، فسوف يكون ما علمه كما علمه وهو الغالب على أمره .

ثم قال عليه السلام بعد أن أعلمهم أن العودة إلى دينهم غير واردة ولا ممكنة بحال من الأحوال إلاّ في حال مشيئة الله ذلك ، وهذا مما لا يشاءه الله تعالى قال : { على الله توكلنا } في الثبات على دينه الحق ، والبراءة من الباطل ثم سأل ربه قائلاً : { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } أي احكم بيننا وبينهم بالحق { وأنت خير الفاتحين } أي الحاكمين ، وذلك بإحقاق الحق وإبطال الباطل .

الهداية

من الهداية :

- لا يصح من أهل الحق بعد أن عرفوه ودعوا إليه أن يتنكروا ويقبلوا الباطل بدله .

- يستحب الاستثناء في كل ما عزم عليه المؤمن مستقبلاً وإن لم يرده أو حتى يفكر فيه .

- وجوب التوكل على الله عند تهديد العدو وتخويفه ، والمضي في سبيل الحق .

- مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل ، لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين .