ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك ، شرح له ما يتصل بأحواله فقال : { إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } قال أبو علي : الذي فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد ، وتنكير المعاد لتعظيمه ، كأنه قال إلى معاد وأي معاد ، أي ليس لغيرك من البشر مثله . وقيل المراد به مكة ، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن عظيم لاستيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وقهره لأهلها وإظهار عن الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية ، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهرا ظافرا . وقال مقاتل : إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب ، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : تشتاق إلى بلدك ومولدك ، فقال عليه السلام : نعم ، فقال جبريل عليه السلام : فإن الله تعالى يقول : { إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد } يعني إلى مكة ظاهرا عليهم وهذا أقرب ، لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل العود ، وذلك لا يليق إلا بمكة ، وإن كان سائر الوجوه محتملا لكن ذلك أقرب ، قال أهل التحقيق : وهذا أحد ما يدل على نبوته ، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزا ، ثم قال { قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد ، قال : { قل } للمشركين { ربى أعلم من جاء بالهدى } يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة { ومن هو في ضلال مبين } يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ،
والآن وقد انتهى القصص ، وانتهت التعقيبات المباشرة على ذلك القصص . الآن يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومن خلفه القلة المسلمة التي كانت يومها بمكة . يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو مخرج من بلده ، مطارد من قومه ، وهو في طريقه إلى المدينة لم يبلغها بعد ، فقد كان بالجحفة قريبا من مكة ، قريبا من الخطر ، يتعلق قلبه وبصره ببلده الذي يحبه ، والذي يعز عليه فراقه ، لولا أن دعوته أعز عليه من بلده وموطن صباه ، ومهد ذكرياته ، ومقر أهله . يتوجه الخطاب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو في موقفه ذاك :
( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) . .
فما هو بتاركك للمشركين ، وقد فرض عليك القرآن وكلفك الدعوة . ما هو بتاركك للمشركين يخرجونك من بلدك الحبيب إليك ، ويستبدون بك وبدعوتك ، ويفتنون المؤمنين من حولك . إنا فرض عليك القرآن لينصرك به في الموعد الذي قدره ، وفي الوقت الذي فرضه ؛ وإنك اليوم لمخرج منه مطارد ، ولكنك غدا منصور إليه عائد .
وهكذا شاءت حكمة الله أن ينزل على عبده هذا الوعد الأكيد في ذلك الظرف المكروب ، ليمضي [ صلى الله عليه وسلم ] في طريقه آمنا واثقا ، مطمئنا إلى وعد الله الذي يعلم صدقه ، ولا يستريب لحظة فيه .
وإن وعد الله لقائم لكل السالكين في الطريق ؛ وإنه ما من أحد يؤذى في سبيل الله ، فيصبر ويستيقن إلا نصره الله في وجه الطغيان في النهاية ، وتولى عنه المعركة حين يبذل ما في وسعه ، ويخلي عاتقه ، ويؤدي واجبه .
( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) . ولقد رد موسى من قبل إلى الأرض التي خرج منها هاربا مطاردا . رده فأنقذ به المستضعفين من قومه ، ودمر به فرعون وملأه ، وكانت العاقبة للمهتدين . . فامض إذن في طريقك ، ودع أمر الحكم فيما بينك وبين قومك لله الذي فرض عليك القرآن :
{ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين( 85 ) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين( 86 ) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين( 87 ) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون( 88 ) }
إلى معاد : إلى مكان عظيم تعوّدته وهو مكة ، أو إلى مكان تعود إليه بعد الخروج منه ، من العود ، وهو مكة أيضا ، وذلك في يوم فتحها سنة ثمان من الهجرة ، وهذا من باب المغيبات ، لأن السورة مكية ، حملت بشرى فتح مكة سنة ثمان من الهجرة .
85-{ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين } .
تأتي هذه الآيات في ختام سورة القصص ، في أعقاب قصة موسى مع فرعون ، وقصة قارون وغروره بالمال ، وكما نصر الله موسى وأغرق فرعون ، تأتي هذه الآيات تبشر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيعود إلى مكة فاتحا منتصرا .
قال الضحاك : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة ، فأنزلت عليه هذه الآية .
فالنبي خارج من مكة ، مطارد من أهلها ثاني اثنين ، والله ينزل عليه البشرى ، بأنه سيعود إلى مكة فاتحا منتصرا ، ثم أمره الله أن يفوض الأمر إليه ، وأن يجيب الكافرين بما يأتي :
{ قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين }
الله أعلم بي وبكم ، من منا على الهدى ، ومن منا على الضلال الواضح ، وهذا رد على الكفار حين قالوا : إنك يا محمد في ضلال مبين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.