ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال : { كم أهلكنا قبلهم من قرن فنادوا } والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا ، وفيه وجوه الأول : وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني : نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث : نادوا أي رفعوا أصواتهم ، يقال فلان أندى صوتا من فلان أي ارفع صوتا ، ثم قال : { ولات حين مناص } يعني ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله : { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا } وقال : { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون } والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله : { الآن وقد عصيت قبل } وقوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } بقي ههنا أبحاث :
البحث الأول : في تحقيق الكلام في لفظ { لات } زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد ، وبسب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة ، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان ، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها ، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعا ، وقال الأخفش إنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء ، وخصت بنفي الأحيان { وحين مناص } منصوب بها كأنك قلت ولات حين مناص لهم ويرتفع بالابتداء أي ولات حين مناص كائن لهم .
البحث الثاني : الجمهور يقفون على التاء من قوله : { ولات } والكسائي يقف عليها بالهاء كما يفق على الأسماء المؤنثة ، قال صاحب «الكشاف » : وأما قول أبي عبيدة التاء داخلة على الحين فلا وجه له ، واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في مصحف عثمان فضعيف فكم وقعت في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط .
البحث الثالث : المناص المنجا والغوث ، يقال ناصه ينوصه إذا أغاثه ، واستناص طلب المناص ، والله أعلم .
وعقب على الاستكبار والمشاقة ، بصفحة الهلاك والدمار لمن كان قبلهم ، ممن كذبوا مثلهم ، واستكبروا استكبارهم ، وشاقوا مشاقتهم . ومشهدهم وهم يستغيثون فلا يغاثون ، وقد تخلى عنهم الاستكبار وأدركتهم الذلة ، وتخلوا عن الشقاق ولجأوا إلى الاستعطاف . ولكن بعد فوات الأوان :
( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ، فنادوا ، ولات حين مناص ) !
فلعلهم حين يتملون هذه الصفحة أن يطامنوا من كبريائهم ؛ وأن يرجعوا عن شقاقهم . وأن يتمثلوا أنفسهم في موقف أولئك القرون . ينادون ويستغيثون . وفي الوقت أمامهم فسحة ، قبل أن ينادوا ويستغيثوا ، ولات حين مناص . ولا موضع حينذاك للغوث ولا للخلاص !
ولات حين مناص : وليس الوقت وقت فرار وخلاص .
المناص : التأخر والفوت ، ويطلق على التقدم ، فهو من الأضداد .
3- { كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص } .
كثيرا ما أهلكنا المكذبين من الأمم ، كقوم نوح عاد وثمود والذين من بعدهم ، وحين رأوا العذاب صاحوا بالإيمان والتوبة بعد فوات الأوان ، وليس الحين حين مناص ، وليس الوقت صالحا للإيمان ، أو الفرار من العذاب ، أو الدخول في الإيمان .
وكلمة : مناص . من الأضداد ، تطلق على التقهقر والفرار ، كما تطلق على التقدم .
وعن الكلبي أنه قال : كانوا إذا تقاتلوا فاضطروا ، قال بعضهم لبعض : مناص . أي : عليكم بالفرار ، فلما أتاهم العذاب قالوا : مناص . فقال تعالى : { ولات حين مناص } .
أي : إنهم آمنوا بعد فوات الأوان ، حين رأوا العذاب .
قال تعالى : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا . . . } [ غافر : 85 ] .
وقريب منه رفض إيمان فرعون حين عاين الموت ورأى الغرق بأمّ ناصيته .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.