قوله تعالى : { أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي : أكب مطاوع كبه ، يقال : كببته فأكب ونظيره قشعت الريح السحاب فأقشع ، قال صاحب «الكشاف » : ليس الأمر كذلك ، وجاء شيء من بناء أفعل مطاوعا ، بل قولك : أكب معناه دخل في الكب وصار ذا كب ، وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع ، وأنفض أي دخل في النفض ، وهو نفض الوعاء فصار عبارة عن الفقر وألام دخل في اللوم ، وأما مطاوع كب وقشع فهو انكب وانقشع .
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير قوله : { يمشى مكبا على وجهه } وجوها : ( أحدها ) : معناه أن الذي يمشي في مكان غير مستو بل فيه ارتفاع وانخفاض فيعثر كل ساعة ويخر على وجهه مكبا فحاله نقيض حال من يمشي سويا أي قائما سالما من العثور والخرور ( وثانيها ) : أن المتعسف الذي يمشي هكذا وهكذا على الجهالة والحيرة لا يكون كمن يمشي إلى جهة معلومة مع العلم واليقين ( وثالثها ) : أن الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق فيتعسف ولا يزال ينكب على وجهه لا يكون كالرجل السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المعلوم ، ثم اختلفوا فمنهم من قال : هذا حكاية حال الكافر في الآخرة ، قال قتادة : الكافر أكب على معاصي الله فحشره الله يوم القيامة على وجهه ، والمؤمن كان على الدين الواضح فحشره الله تعالى على الطريق السوي يوم القيامة ، وقال آخرون : بل هذا حكاية حال المؤمن والكافر والعالم والجاهل في الدنيا ، واختلفوا أيضا فمنهم من قال : هذا عام في حق جميع المؤمنين والكفار ، ومنهم من قال : بل المراد منه شخص معين ، فقال مقاتل : المراد أبو جهل والنبي عليه الصلاة والسلام ، وقال عطاء عن ابن عباس : المراد أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب وقال عكرمة هو أبو جهل وعمار بن ياسر .
ولقد كانوا - مع هذا - يتهمون النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ومن معه بالضلال ؛ ويزعمون لأنفسهم أنهم أهدى سبيلا ! كما يصنع أمثالهم مع الدعاة إلى الله في كل زمان . ومن ثم يصور لهم واقع حالهم وحال المؤمنين في مشهد حي يجسم حقيقة الحال :
( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ? أم من يمشي سويا على صراط مستقيم ? ) . . والذي يمشي مكبا على وجهه إما أن يكون هو الذي يمشي على وجهه فعلا لا على رجليه في استقامة كما خلقه الله ، وإما أن يكون هو الذي يعثر في طريقه فينكب على وجهه ، ثم ينهض ليعثر من جديد ! وهذه كتلك حال بائسة تعاني المشقة والعسر والتعثر ، ولا تنتهي إلى هدى ولا خير ولا وصول ! وأين هي من حال الذي يمشي مستقيما سويا في طريق لا عوج فيه ولا عثرات ، وهدفه أمامه واضح مرسوم ? !
إن الحال الأولى هي حال الشقي المنكود الضال عن طريق الله ، المحروم من هداه ، الذي يصطدم بنواميسه ومخلوقاته ، لأنه يعترضها في سيره ، ويتخذ له مسارا غير مسارها ، وطريقا غير طريقها ، فهو أبدا في تعثر ، وأبدا في عناء ، وأبدا في ضلال .
والحال الثانية هي حال السعيد المجدود المهتدي إلى الله ، الممتع بهداه ، الذي يسير وفق نواميسه في الطريق اللاحب المعمور ، الذي يسلكه موكب الإيمان والحمد والتمجيد . وهو موكب هذا الوجود كله بما فيه من أحياء وأشياء .
إن حياة الإيمان هي اليسر والاستقامة والقصد . وحياة الكفر هي العسر والتعثر والضلال . .
فأيهما أهدى ? وهل الأمر في حاجة إلى جواب ? إنما هو سؤال التقرير والإيجاب !
ويتوارى السؤال والجواب ليتراءى للقلب هذا المشهد الحي الشاخص المتحرك . . مشهد جماعة يمشون على وجوههم ، أو يتعثرون وينكبون على وجوههم لا هدف لهم ولا طريق . ومشهد جماعة أخرى تسير مرتفعة الهامات ، مستقيمة الخطوات ، في طريق مستقيم ، لهدف مرسوم .
إنه تجسيم الحقائق ، وإطلاق الحياة في الصور ، على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير . .
مكبّا على وجهه : ساقطا عليه لا يأمن العثور .
يمشي سويّا : مستويا منتصبا سالما من العثور . ( مثل للمشرك والموحّد ) .
أفمن يمشي مكبّا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويّا عل صراط مستقيم .
على طريقة القرآن الكريم في التخييل الحسي والتجسيم ، نجد صورة رائعة لإنسان كافر يتنكّب الجادة ، ويكفر بالرسل ، ويغضب مولاه ، وينصرف إلى المعاصي ، حال كونه أعمى البصيرة ، مكبّا على وجهه أشبه بمن وضع وجهه في الأرض وسار معتمدا على يديه لا يبصر الطريق المعتدل ، وإنما يهيم على وجهه ، تأسره الشهوات ، وتستنزفه المعاصي ، حتى يحشر يوم القيامة ، ويتقى بوجهه سوء العذاب يوم القيامة .
أما المؤمن فهو يمشي معتدلا ، مرتفع القامة ، يعرف أين يضع قدميه ، لذلك يمشي في مرضاة ربّه ، ويسير إلى الطاعات وما أمر به الله ، ويبتعد عن المحرمات ، وما نهى عنه الله ، ثم يتساءل الرحمان سبحانه وتعالى : أيهما أهدى سبيلا وأقوم قيلا ، من يمشون في الظلمات ، ويتنكبون الجادة ، وتستهويهم المعاصي والذنوب ؟ أمّن يمشون على الصراط المستقيم في طاعة الرحمان في الدنيا ، ثم تتقدمهم أنوارهم وتحفّ بهم عن أيمانهم ، ويهيدهم ربهم إلى الصراط المستقيم في الطريق إلى الجنة ، ورضوان الله رب العالمين في الآخرة ؟ والجواب : لا شك أن المستقيم أهدى وأفضل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.