مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

أما قوله : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه { ولكن رحمة من ربك } أي علمناك رحمة ، وقرأ عيسى بن عمر بالرفع أي هي رحمة ، وذكر المفسرون في قوله : { إذ نادينا } وجوها أخر أحدها : إذ نادينا أي قلنا لموسى { ورحمتي وسعت كل شيء } إلى قوله : { أولئك هم المفلحون } . وثانيها : قال ابن عباس إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم : «يا أمة محمد أجبتكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني » قال وإنما قال الله تعالى ذلك حين اختار موسى عليه السلام سبعين رجلا لميقات ربه . وثالثها : قال وهب : «لما ذكر الله لموسى فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال رب أرنيهم قال إنك لن تدركهم وإن شئت أسمعتك أصواتهم قال بلى يا رب فقال سبحانه يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم فأسمعه الله تعالى أصواتهم ثم قال : أجبتكم قبل أن تدعوني » الحديث كما ذكره ابن عباس . ورابعها : روى سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال كتب الله كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم وضعه على العرش ثم نادى «يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أدخلته الجنة » .

أما قوله : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } فالإنذار هو التخويف بالعقاب على المعصية . واعلم أنه تعالى لما بين قصة موسى عليه السلام قال لرسوله : { وما كنت بجانب الغربي وما كنت ثاويا في أهل مدين وما كنت بجانب الطور } فجمع تعالى بين كل ذلك لأن هذه الأحوال الثلاثة هي الأحوال العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام إذ المراد بقوله : { إذ قضينا إلى موسى الأمر } إنزال التوراة حتى تكامل دينه واستقر شرعه والمراد بقوله : { وما كنت ثاويا } أول أمره والمراد ناديناه وسط أمره وهو ليلة المناجاة ، ولما بين تعالى أنه عليه السلام لم يكن في هذه الأحوال حاضرا بين تعالى أنه بعثه وعرفه هذه الأحوال رحمة للعالمين ثم فسر تلك الرحمة بأن قال : { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك } واختلفوا فيه فقال بعضهم لم يبعث إليهم نذير منهم وقال بعضهم : حجة الأنبياء كانت قائمة عليهم ولكنه ما بعث إليهم من يجد تلك الحجة عليهم ، وقال بعضهم لا يبعد وقوع الفترة في التكاليف فبعثه الله تعالى تقريرا للتكاليف وإزالة لتلك الفترة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

44

كذلك صور القرآن موقف المناداة والمناجاة من جانب الطور بدقة وعمق : ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا )وما سمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] النداء ، وما سجل في وقتها تفصيلاته . ولكنها رحمة الله بقومه هؤلاء ، أن قص عليه تلك الأنباء الدالة على صدقه [ صلى الله عليه وسلم ] فيما يدعوهم إليه ، لينذر هؤلاء القوم الذين لم يأتهم نذير من قبله - فقد كانت الرسالات في بني إسرائيل من حولهم ، ولم يرسل إليهم رسول منذ أمد طويل ، منذ أبيهم إسماعيل : ( لعلهم يتذكرون ) .

فهي رحمة الله بالقوم . وهي حجته كذلك عليهم ، كي لا يعتذروا بأنهم أخذوا على غرة ، وأنهم لم ينذروا قبل أخذهم بالعذاب - وما هم فيه من جاهلية وشرك ومعصية يستوجب العذاب - فأراد الله أن يقطع حجتهم ، وأن يعذر إليهم ، وأن يقفهم أمام أنفسهم مجردين من كل عائق يعوقهم عن الإيمان :