جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ} (46)

{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا{[3857]} } موسى وأعطيناه التوراة ، وقلنا له خذ الكتاب بقوة ، وعن بعض السلف معناه إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم حين سألني موسى رؤيتك ، وقلت له إنك لن تصل إلى ذلك لكن إن شئت أسمعتك صوت أمته { وَلَكِن } علمناك وأوحينا إليك { رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } عليك وعلى أمتك { لِتُنذِرَ قَوْمًا } متعلق بما قدرناه عاملا في رحمته { مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ } فإنهم في فترة بينك وبين عيسى { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لكي يتعظوا


[3857]:أعلم أنه تعالى وصف نفسه بالمناداة، والمناجاة في قوله: وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا} [مريم: 52] وقوله: {ويوم يناديهم} [القصص: 62] وقوله {وناداهما ربهما} [الأعراف: 22] ووصف عباده بالمناداة والمناجاة فقال: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} [الحجرات: 4]، وقال: {وإذا ناجيتم الرسول} [المجادلة: 12]، وقال: و{إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان} [المجادلة: 9]، وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة ولا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: ليس له نداء ولا نادى، ولا ناجى كان معطلا جاحدا ممثلا به بالمعدومات والجمادات، ومن قال: له نداء كنداء المخلوقات كان مشبها ممثلا له بالحيوانات، بل لابد من إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل ولله المثل الأعلى، وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في القصيدة النونية: والله قد نادى الكليم وقبله *** سمع الندا في الجنة الأبوان وأتى النداء في تسع آيات له *** وصفا فرجعها من القرآن واذكر حديثا في صحيح محمد *** ذاك البخاري العظيم الشأن فيه نداء الله يوم معادنا *** بالصوت يبلغ قاصيا والدّان وفي صحيح البخاري عن جابر عن عبد الله بن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان) وعن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان) عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار) انتهى. وقال شيخ الإسلام في بعض رسائله: وهو سبحانه نادى موسى بصوت سمعه موسى، فإنه قد أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من القرآن والنداء لا يكون إلا صوتا باتفاق أهل اللغة انتهى، وقال الحافظ ابن قيم في القصيدة المذكورة: أيصح في عقل وفي نقل نداء *** ليس مسموعا لنا كأذان أم جمع العقلاء والعلماء من *** أهل اللسان وأهل كل لسان إن الندا الصوت الرفيع وضده *** فهو النجاء كلاهما صوتان والله موصوف بذاك حقيقة *** هذا الحديث ومحكم القرآن انتهى.