الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم من قوله : { بنعمة ربك } وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب ، وخطأ وذلك لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه ، ومن كان موصوفا بتلك الأخلاق والأفعال لم يجز إضافة الجنون إليه لأن أخلاق المجانين سيئة ، ولما كانت أخلاقه الحميدة كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة ولهذا قال : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } أي لست متكلفا فيما يظهر لكم من أخلاقي لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلا بل يرجع إلى الطبع ، وقال آخرون : إنما وصف خلقه بأنه عظيم وذلك لأنه تعالى قال له : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وهذا الهدى الذي أمر الله تعالى محمدا بالاقتداء به ليس هو معرفة الله لأن ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول ، وليس هو الشرائع لأن شريعته مخالفة لشرائعهم فتعين أن يكون المراد منه أمره عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء المتقدمين فيما اختص به من الخلق الكريم ، فكأن كل واحد منهم كان مختصا بنوع واحد ، فلما أمر محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقا فيهم ، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله ، لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم ، وفيه دقيقة أخرى وهي قوله : { لعلى خلق عظيم } وكلمة على للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها ، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور .
المسألة الثانية : الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة . واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب ، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل ، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهرا له وحصل له حق آخر .
وروي عن ابن عباس أنه قال معناه : وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى قال له : «لم أخلق دينا أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك » يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، ويمكن أيضا أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين : ( الوجه الأول ) أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل ( الوجه الثاني ) أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلا ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق .
المسألة الثالثة : قال سعيد بن هشام : قلت لعائشة : «أخبريني عن خلق رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام » وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : { قد أفلح المؤمنون } إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئا من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : «ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك » فلهذا قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وقال أنس : «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت » وأقول : إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال : { وإنك لعلى خلق عظيم } فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة .
ثم تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم :
وتتجاوب أرجاء الوجود بهذا الثناء الفريد على النبي الكريم ؛ ويثبت هذا الثناء العلوي في صميم الوجود ! ويعجز كل قلم ، ويعجز كل تصور ، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من رب الوجود ، وهي شهادة من الله ، في ميزان الله ، لعبد الله ، يقول له فيها : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) . ومدلول الخلق العظيم هو ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين !
ودلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] تبرز من نواح شتى :
تبرز من كونها كلمة من الله الكبير المتعال ، يسجلها ضمير الكون ، وتثبت في كيانه ، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله .
وتبرز من جانب آخر ، من جانب إطاقة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] لتلقيها . وهو يعلم من ربه هذا ، قائل هذه الكلمة . ما هو ? ما عظمته ? ما دلالة كلماته ? ما مداها ? ما صداها ? ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة ، التي يدرك هو منها ما لا يدركه أحد من العالمين .
إن إطاقة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] لتلقي هذه الكلمة ، من هذا المصدر ، وهو ثابت ، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب . . تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن . . هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل .
ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة ، وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة . وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه . ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر . أعظم بصدورها عن العلي الكبير . وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير ، وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا . لا يتكبر على العباد ، ولا ينتفخ ، ولا يتعاظم ، وهو الذى سمع ما سمع من العلى الكبير !
والله أعلم حيث يجعل رسالته . وما كان إلا محمد [ صلى الله عليه وسلم ] بعظمة نفسه هذه - من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى . فيكون كفئا لها ، كما يكون صورة حية منها .
إن هذه الرسالة من الكمال والجمال ، والعظمة والشمول ، والصدق والحق ، بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه الله هذا الثناء . فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء . في تماسك وفي توازن ، وفي طمأنينة . طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم . ثم يتلقى - بعد ذلك - عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته ، بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة . ويعلن هذه كما يعلن تلك ، لا يكتم من هذه شيئا ولا تلك . . وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم . والعبد الطائع . والمبلغ الأمين .
إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة . وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة . وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه بشر . وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها . وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد هذا المسار !
ومرة أخرى أجد نفسي مشدودا للوقوف إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لهذه الكلمة من ربه ، وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان . . لقد كان - وهو بشر - يثني على أحد أصحابه ، فيهتزكيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا الثناء العظيم . . وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر . وأصحابه يدركون أنه بشر . إنه نبي نعم . ولكن في الدائرة المعلومة الحدود . دائرة البشرية ذات الحدود . . فأما هو فيتلقى هذه الكلمة من الله . وهو يعلم من هو الله . هو بخاصة يعلم من هو الله ! هو يعلم منه ما لا يعلمه سواه . ثم يصطبر ويتماسك ويتلقى ويسير . . . إنه أمر فوق كل تصور وفوق كل تقدير ! ! !
إنه محمد - وحده - هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة . . إنه محمد - وحده - هو الذي يبلغ قمة الكمال الإنساني المجانس لنفخة الله في الكيان الإنساني . إنه محمد - وحده - هو الذي يكافئ هذه الرسالة الكونية العالمية الإنسانية ؛ حتى لتتمثل في شخصه حية ، تمشي على الأرض في إهاب إنسان . . إنه محمد - وحده الذي علم الله منه أنه أهل لهذا المقام . والله أعلم حيث يجعل رسالته - وأعلن في هذه أنه على خلق عظيم . وأعلن في الأخرى أنه - جل شأنه وتقدست ذاته وصفاته ، يصلي عليه هو وملائكته ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) . وهو - جل شأنه - وحده القادر على أن يهب عبدا من عباده ذلك الفضل العظيم . .
ثم إن لهذه اللفتة دلالتها على تمجيد العنصر الأخلاقي في ميزان الله ؛ وأصالة هذا العنصر في الحقيقة الإسلامية كأصالة الحقيقة المحمدية .
والناظر في هذه العقيدة ، كالناظر في سيرة رسولها ، يجد العنصر الأخلاقي بارزا أصيلا فيها ، تقوم عليه أصولها التشريعية وأصولها التهذيبية على السواء . . الدعوة الكبرى في هذه العقيدة إلى الطهارة والنظافة والأمانة والصدق والعدل والرحمة والبر وحفظ العهد ، ومطابقة القول للفعل ، ومطابقتهما معا للنية والضمير ؛ والنهي عن الجور والظلم والخداع والغش وأكل أموال الناس بالباطل ، والاعتداء على الحرمات والأعراض ، وإشاعة الفاحشة بأية صورة من الصور . . والتشريعات في هذه العقيدة لحماية هذه الأسس وصيانة العنصر الأخلاقي في الشعور والسلوك ، وفي أعماق الضمير وفي واقع المجتمع . وفي العلاقات الفردية والجماعية والدولية على السواء .
والرسول الكريم يقول : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " . . فيلخص رسالته في هذا الهدف النبيل . وتتوارد أحاديثه تترى في الحض على كل خلق كريم . وتقوم سيرته الشخصية مثالا حيا وصفحة نقية ، وصورة رفيعة ، تستحق من الله أن يقول عنها في كتابه الخالد : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) . . فيمجد بهذا الثناء نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] كما يمجد به العنصر الأخلاقي في منهجه الذي جاء به هذا النبي الكريم ، ويشد به الأرض إلى السماء ، ويعلق به قلوب الراغبين إليه - سبحانه - وهو يدلهم على ما يحب ويرضى من الخلق القويم .
وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام . فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة ، ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا ؛ وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل . إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء . تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق . وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة ، كي يحققوا إنسانيتهم العليا ، وكي يصبحوا أهلا لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض ؛ وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) . . ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض ؛ إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر ، لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد ومن كل قيد .
ثم إنها ليست فضائل مفردة : صدق . وأمانة . وعدل . ورحمة . وبر . . . . إنما هي منهج متكامل ، تتعاون فيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية ؛ وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا ، وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله . لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة !
وقد تمثلت هذه الأخلاقية الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وتمثلت في ثناء الله العظيم ، وقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) . .