مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} (4)

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذا كالتفسير لما تقدم من قوله : { بنعمة ربك } وتعريف لمن رماه بالجنون بأن ذلك كذب ، وخطأ وذلك لأن الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية كانت ظاهرة منه ، ومن كان موصوفا بتلك الأخلاق والأفعال لم يجز إضافة الجنون إليه لأن أخلاق المجانين سيئة ، ولما كانت أخلاقه الحميدة كاملة لا جرم وصفها الله بأنها عظيمة ولهذا قال : { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } أي لست متكلفا فيما يظهر لكم من أخلاقي لأن المتكلف لا يدوم أمره طويلا بل يرجع إلى الطبع ، وقال آخرون : إنما وصف خلقه بأنه عظيم وذلك لأنه تعالى قال له : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وهذا الهدى الذي أمر الله تعالى محمدا بالاقتداء به ليس هو معرفة الله لأن ذلك تقليد وهو غير لائق بالرسول ، وليس هو الشرائع لأن شريعته مخالفة لشرائعهم فتعين أن يكون المراد منه أمره عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بكل واحد من الأنبياء المتقدمين فيما اختص به من الخلق الكريم ، فكأن كل واحد منهم كان مختصا بنوع واحد ، فلما أمر محمد عليه الصلاة والسلام بأن يقتدي بالكل فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقا فيهم ، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله ، لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم ، وفيه دقيقة أخرى وهي قوله : { لعلى خلق عظيم } وكلمة على للاستعلاء ، فدل اللفظ على أنه مستعمل على هذه الأخلاق ومستول عليها ، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور .

المسألة الثانية : الخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة . واعلم أن الإتيان بالأفعال الجميلة غير وسهولة الإتيان بها غير ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والبخل والغضب ، والتشديد في المعاملات والتحبب إلى الناس بالقول والفعل ، وترك التقاطع والهجران والتساهل في العقود كالبيع وغيره والتسمح بما يلزم من حقوق من له نسب أو كان صهرا له وحصل له حق آخر .

وروي عن ابن عباس أنه قال معناه : وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى قال له : «لم أخلق دينا أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك » يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، ويمكن أيضا أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين : ( الوجه الأول ) أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل ( الوجه الثاني ) أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلا ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق .

المسألة الثالثة : قال سعيد بن هشام : قلت لعائشة : «أخبريني عن خلق رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن ؟ قلت : بلى قالت : فإنه كان خلق النبي عليه الصلاة والسلام » وسئلت مرة أخرى فقالت : كان خلقه القرآن ، ثم قرأت : { قد أفلح المؤمنون } إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئا من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : «ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك » فلهذا قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } وقال أنس : «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت » وأقول : إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال : { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال : { وإنك لعلى خلق عظيم } فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة .