مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (10)

قوله تعالى : { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } .

لما بين أنه مرسل ذكر أن من بايعه فقد بايع الله ، وقوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } يحتمل وجوها ، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد ، وإما أن تكون بمعنيين ، فإن قلنا إنها بمعنى واحد ، ففيه وجهان ( أحدهما ) { يد الله } بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله كما قال تعالى : { بل الله يمن عليكم أن هداكم للأيمان } ( وثانيهما ) { يد الله فوق أيديهم } أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه ، يقال : اليد لفلان ، أي الغلبة والنصرة والقهر . وأما إن قلنا إنها بمعنيين ، فنقول في حق الله تعالى بمعنى الحفظ ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة ، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء ، وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع ، فيضع يده على يديهما ، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر ، فوضع اليد فوق الأيدي صار سببا للحفظ على البيعة ، فقال تعالى : { يد الله فوق أيديهم } يحفظهم على البيعة كما يحفظ ذلك المتوسط أيدي المتبايعين ، وقوله تعالى : { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } أما على قولنا المراد من اليد النعمة أو الغلبة والقوة ، فلأن من نكث فوت على نفسه الإحسان الجزيل في مقابلة العمل القليل ، فقد خسر ونكثه على نفسه ، وأما على قولنا المراد الحفظ ، فهو عائد إلى قوله { إنما يبايعون الله } يعني من يبايعك أيها النبي إذا نكث لا يكون نكثه عائدا إليك ، لأن البيعة مع الله ولا إلى الله ، لأنه لا يتضرر بشيء ، فضرره لا يعود إلا إليه . قال : { ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما } وقد ذكرنا أن العظم في الأجرام ، لا يقال إلا إذا اجتمع فيه الطول البالغ والعرض الواسع والسمك الغليظ ، فيقال في الجبل الذي هو مرتفع ، ولا اتساع لعرضه جبل عال أو مرتفع أو شاهق ، فإذا انضم إليه الاتساع في الجوانب يقال عظيم ، والأجر كذلك ، لأن مآكل الجنة تكون من أرفع الأجناس ، وتكون في غاية الكثرة ، وتكون ممتدة إلى الأبد لا انقطاع لها ، فحصل فيه ما يناسب أن يقال له عظيم والعظيم في حق الله تعالى إشارة إلى كماله في صفاته ، كما أنه في الجسم إشارة إلى كماله في جهاته .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (10)

{ 10 } { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }

هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي { بيعة الرضوان } التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن لا يفروا عنه ، فهي عقد خاص ، من لوازمه أن لا يفروا ، ولو لم يبق منهم إلا القليل ، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها ، فأخبر تعالى : أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم { يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ويعقدون العقد معه ، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال : { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } أي : كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة ، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية ، وحملهم على الوفاء بها ، ولهذا قال : { فَمَنْ نَكَثَ } فلم يف بما عاهد الله عليه { فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } أي : لأن وبال ذلك راجع إليه ، وعقوبته واصلة له ، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } أي : أتى به كاملا موفرا ، { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه .