التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (10)

{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( 10 ) }

تعليق على الآية

{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله }

وما ينطوي فيها من صور وتلقين

المستفاد من شرح المفسرين{[1932]} أن هذه الآية تعني المبايعة التي بايع بها المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في الحديبية : مع أن في السورة آية أخرى فيها إيذان برضاء الله عن الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فلا يمنع أن تكون هذه الآية أيضا في الصدد نفسه لمعنى آخر غير المعنى الذي عبرت عنه الآية المذكورة .

وعلى كل حال فالمتبادر أن الآية متصلة أن الآية متصلة بالسياق السابق وبالآيتين السابقتين مباشرة لها بخاصة . وعلى سبيل توكيد واجب المسلمين المذكور في الثانية منهما . وكأنما جاءت معقبة على ذلك لتؤذن المسلمين أولا أنهم وإن كانوا بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم فإنما هم في الحقيقة قد بايعوا الله الذي كانت يده فوق أيديهم . ولتنبههم ثانيا إلى خطورة العهد الذي قطعوه على أنفسهم أمام الله في البيعة على نصر دين الله وما يستلزمه هذا من الثقة والرضاء بكل ما يلهمه ويوحي به إلى رسوله والوقوف عنده . ولتنذرهم ولتبشرهم ثالثا ، بأن من نكث عن بيعته وفعل ما ينقضها فإنما يكون بذلك قد أضر نفسه ، وبأن من أوفى بما عاهد الله عليه يحظى بعظيم الأجر من الله .

وقد تلهم الآية خطورة ما كان عليه الموقف في الحديبية وما كان من شدة وقع شروط الصلح على المسلمين ؛ حيث اقتضت حكمة التنزيل هذا الإيذان والتنبيه والإنذار والتبشير التي احتوته الآية لتسكين نفوسهم من جهة وليكون خطة لهم في المستقبل من جهة أخرى .

ومما روي عن دواعي هذه البيعة أنه لما شاع أن قريشا قتلت أو حبست عثمان ابن عفان رضي الله عنه الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم قال النبي ( لا نبرح حتى نناجز القوم ) ودعا من خرج معه إلى بيعته على الموت في رواية ، وعلى عدم الفرار في رواية أخرى ، واستظل في ظل شجرة من السمر فأقبلوا عليه يبايعونه ، ولم يتلكأ أو يتخلف أحد إلا شخص واحد روي أنه كان ينشد ناقة له قد ضلت{[1933]} .

ومما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله ، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت إحداهما عن عثمان .

ولقد كان الموقف خطيرا ورائعا معا . فالذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرجوا إلى قتال ولم يكونوا في عدة وعدة أعدائهم الأشداء والذين تكررت بينهم وقائع الحرب واشتدت بسببها الأحقاد والأضغان ، ثم هم بعيدون عن عاصمتهم بينما عدوهم في عاصمته وفي متناوله ما قد يساعده على النصر . ولقد كانوا بين أمرين : إما الثبات والاستماتة حتى يحكم الله . وإما النكوص على الأعقاب من وجه عدوهم بسبب إصراره وصده ، فاختاروا الأول وسارعوا إلى مبايعة النبي ، فأثبتوا بذلك رسوخ إيمانهم وثقتهم بالله ورسوله وابتغاءهم وجه الله ورضاءه ورضاءهم بكل تضحية في سبيل ذلك فاستحقوا الثناء المحبب والبشرى العظيمة التي احتوتها الآية ( 18 ) من هذه السورة { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } .

ومما لا ريب فيه أن هذا الموقف جدير أن يعد من المواقف الحاسمة الموفقة في تاريخ الدعوة الإسلامية إذ كان من المحتمل جدا أن يكون لرجوعهم ونكوصهم من أمام أعدائهم الأشداء آثار خطيرة في هذا التاريخ . ولا نشك في أن أخبار البيعة ومشهدها الرائع وما عبرت عنه من إعلان العزم على مواجهة الموت بقلوب مؤمنة ونفوس مطمئنة وجأش رابط قد وصلت إلى قريش ، وكانت عاملا من عوامل ما انبثق فيهم من رغبة اجتناب الحرب والقتال مع هذه الفئة التي بايعت نبيها وربها على الموت وعدم الفرار ، والتي ظهر من إخلاصها لدينها وتأييدها لنبييها ما ظهر .

ولقد كان تعبير { يد الله فوق أيديهم } موضوع أقوال تتصل بعلم الكلام وصفات الله من حيث نسبة الجوارح إلى الله تعالى{[1934]} ، ولسنا نرى التعبير والسياق يتحملان ذلك فقد قصد به كما هو المتبادر شدة التوكيد على خطورة العهد والبيعة وكون الله تعالى شاهدا عليهما استهدافا لقوة التلقين الذي أريد بثه في نفوس المسلمين .

ولقد روى البغوي عن ابن عباس في تأويل الجملة ( يد الله بالوفاء لما وعدهم من الخير فوق أيديهم ) وروى عن الكلبي ( نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة } وقال الطبري في تأويلها : ( يد الله فوق أيديهم عند البيعة ؛ لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم أو قوة الله فوق قوتهم في نصرة الله ورسوله ) وفي هذه التأويلات أيضا سداد ، وتفيد أن الجنة حملت على المجاز ، ولقد حاول بعض الصوفيين أن يروا في الجملة وأمثالها تأييدا لمذهبهم في وحدة الوجود والاتحاد بالله والشطح والمفارقة ظاهران في هذا القول .

ولقد نبهنا في مناسبات سابقة على ما ينطوي في تعبيرات : يد الله ووجه الله وسمع الله وبصر الله ، من مقاصد خطابية وعلى ما ينبغي أن يفهم من ذلك على ضوء التقريرات القرآنية وسنة السلف الصالح{[1935]} فلا نرى ضرورة إلى الإعادة والتكرار .

ولا تخلو الآية من تلقين مستمر المدى فيما يكون قد وجب على المسلمين باعتناقهم الدين الإسلامي وبإيمانهم بالله ورسوله وقرآنه . فإنهم بذلك بمثابة من بايع الله ورسوله على السمع والطاعة والقيام بما أوجبه عليهم القرآن وسنة النبي من واجبات إيجابية وسلبية متنوعة وعدم إهمالها والتقصير فيها أو نقضها ومخالفتها .


[1932]:انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن
[1933]:انظر تفسير ابن كثير الذي أورد أحاديث عديدة في صدد البيعة، ومنها ما ذكر أنها كانت على الموت، ومنها ما ذكر أنها كانت على عدم الفرار
[1934]:انظر الزمخشري وذيل ابن المنير على تفسير الزمخشري والخازن
[1935]:انظر آخر تفسير سورة القصص