قوله سبحانه { ولم يكن له كفؤا أحد } فيه سؤالان :
السؤال الأول : الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم ، وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه ، فما باله ورد مقدما في أفصح الكلام ؟ ( والجواب ) : هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الله ، واللفظ الدال على هذا المعنى هو هذا الظرف ، وتقديم الأهم أولى ، فلهذا السبب كان هذا الظرف مستحقا للتقديم .
السؤال الثاني : كيف القراءة في هذه الآية ؟ ( الجواب ) : قرئ { كفوا } بضم الكاف والفاء وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء ، والأصل هو الضم ثم يخفف مثل طنب وطنب وعنق وعنق ، وقال أبو عبيدة : يقال كفو وكفء وكفاء كله بمعنى واحد وهو المثل ، وللمفسرين فيه أقاويل ( أحدها ) قال كعب وعطاء : لم يكن له مثل ولا عديل ، ومنه المكافأة في الجزاء لأنه يعطيه ما يساوي ما أعطاه ( وثانيها ) قال مجاهد : لم يكن ( له ) صاحبة كأنه سبحانه وتعالى قال : لم يكن أحد كفؤا له فيصاهره ، ردا على من حكى الله عنه قوله : { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } فتفسير هذه الآية كالتأكيد لقوله تعالى : { لم يلد } ( وثالثها ) : وهو التحقيق أنه تعالى بين لما بين أنه هو المصمود إليه في قضاء الحوائج ونفي الوسائط من البين بقوله : { لم يلد ولم يولد } على ما بيناه ، فحينئذ ختم السورة بأن شيئا من الموجودات يمتنع أن يكون مساويا له في شيء من صفات الجلال والعظمة ، أما الوجود فلا مساواة فيه لأن وجوده من مقتضيات حقيقته فإن حقيقته غير قابلة للعدم من حيث هي هي ، وأما سائر الحقائق ، فإنها قابلة للعدم ، وأما العلم فلا مساواة فيه لأن علمه ليس بضروري ولا باستدلالي ولا مستفاد من الحس ولا من الرؤية ولا يكون في معرض الغلط والزلل وعلوم المحدثات كذلك ، وأما القدرة فلا مساواة فيها وكذا الرحمة والجود والعدل والفضل والإحسان ! واعلم أن هذه السورة أربع آيات ، وفي ترتيبها أنواع من الفوائد :
الفائدة الأولى : أن أول السورة يدل على أنه سبحانه واحد ، والصمد على أنه كريم رحيم لأنه لا يصمد إليه حتى يكون محسنا و{ لم يلد ولم يولد } على أنه غني على الإطلاق ومنزه عن التغيرات فلا يبخل بشيء أصلا ، ولا يكون جوده لأجل جر نفع أو دفع ضر ، بل بمحض الإحسان وقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } إشارة إلى نفي ما لا يجوز عليه من الصفات .
الفائدة الثانية : نفى الله تعالى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله : { أحد } ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ، ونفى المعلولية والعلية بلم يلد ولم يولد ، ونفى الأضداد والأنداد بقوله : { ولم يكن له كفوا أحد } .
الفائدة الثالثة : قوله { أحد } يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات الله ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء .
الفائدة الرابعة : أن هذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق الرسول لكن الطعن في حق الرسول كان بسبب أنهم قالوا : إنه أبتر لا ولد له ، وههنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا ، وذلك لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب ووجود الولد عيب في حق الله تعالى ، فلهذا السبب قال ههنا : { قل } حتى تكون ذابا عني ، وفي سورة : { إنا أعطيناك } أنا أقول ذلك الكلام حتى أكون أنا ذابا عنك ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
الكفء : هو المكافئ والمماثل والمشابه لغيره في العمل أو القدرة .
أي : ولم يكن أحد من خلقه مكافئا ولا مشاكلا ولا مناظرا له تعالى ، في ذاته أو صفاته أو أفعاله .
قال تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) .
وقد ورد في السّنة الصحيحة أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن ، لاشتمالها على التوحيد ، وتأكيد وحدانية الخالق ، ونفي التعدد بقوله سبحانه : قل هو الله أحد .
ونفى عن ذاته النقص والاحتياج ، وأثبت حاجة الخلق إليه بقوله : الله الصّمد .
ونفى عن ذاته أن يكون والدا أو مولودا بقوله عز شأنه : لم يلد ولم يولد .
ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه والنظراء بقوله تعالى : ولم يكن له كفوا أحد .
فالسورة الكريمة إثبات لصفات الجلال والكمال ، وتنزيه للرب بأسمى صور التنزيه عن النقائص .
ومن أصول عقيدتنا ان الله تعالى يتصف إجمالا بكل كمال ، ويتنزه إجمالا عن كل نقص ، ويتصف تفصيلا بصفاته الكاملة ، مثل : القدرة ، والإرادة ، والوحدانية ، والقيام بالنفس .
وفي الحديث الصحيح : ( إن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ، والله تعالى وتر يحب الوتر ، من أحصاها دخل الجنة ) . vii .
قال العلماء : من حفظها دخل الجنة .
وقال المحققون : الإحصاء : هو الإحاطة بمعانيها علما وعملا ، فإذا أيقنت أنه الرزاق أخذت بالأسباب ، وعلمت يقينا أن المسبب الحقيقي هو الله تعالى .
تم بحمد الله تعالى وتوفيقه تفسير سورة ( الإخلاص ) مساء الأربعاء 21 من ربيع الأول 1422 ه ، الموافق 13/6/2001 .
i تفسير جزء عم ، للأستاذ محمد عبده ، ص125 ، مطابع الشعب .
رواه الترمذي في صفة القيامة ( 2516 ) وأحمد في مسنده ( 2664 ) من حديث ابن عباس قال : كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : ( يا غلام ، إني أعلمك كلمات ، احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . قال العجلوني في كشف الخفاء : رواه أبو القاسم بن بشران في أماليه ، وكذا القضاعي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إليّ ، فقال : ( يا غلام احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله . . . ) –الحديث ، وفيه : قد جف القلم بما هو كائن فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ، أو أرادوا أن يضروك بشيء لم يقضه الله عليه لم يقدروا عليه ، وفيه واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرا . وأورده الضياء في المختارة وهو حسن ، وله شاهد رواه عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه بلفظ : ( يا ابن عباس ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة . . ) وذكره مطولا بسند ضعيف ، ورواه أحمد والطبراني وغيرهما بسند أصح رجالا وأقوى ، قال في المقاصد : وقد بسطت الكلام عليه في تخريج الأربعين .
iii دكتور شوقي ضيف ، سورة الرحمان وسر قصار ص 380 ، مطابع دار المعارف .
iv ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة :
روى البخاري في الجمعة ( 1145 ) ، وفي الدعوات ( 6321 ) ، وفي التوحيد ( 7494 ) ، ومسلم في صلاة المسافرين ( 758 ) ، ومالك في الموطأ كتاب النداء إلى الصلاة ( 496 ) ، وأبو داود في الصلاة ( 1315 ) وفي السنة ( 4733 ) ، والترمذي في الصلاة ( 446 ) ، وفي الدعوات ( 3498 ) ، والدارمي في الصلاة ( 1478 ، 1479 ، 1484 ) ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ( 1366 ) ، وأحمد ( 7457 ، 7538 ، 7567 ، 3733 ، 8751 ، 9940 ، 10166 ، 10377 ، 10902 ، 11482 ، 27620 ) من حديث أبي هريرة . ورواه الدارمي في الصلاة ( 1480 ) ، وأحمد ( 16303 ، 16305 ) من حديث جبير بن مطعم . ورواه أحمد ( 15782 ، 15785 ) من حديث رفاعة الجهني . ورواه أحمد ( 3664 ، 3811 ، 4256 ) من حديث ابن مسعود . ورواه الدارمي في الصلاة ( 1483 ) من حديث علي .
رواه البخاري في الأدب ( 6099 ) ، وفي التوحيد ( 7378 ) ، ومسلم في صفة القيامة ( 2804 ) ، وأحمد ( 19092 ، 19136 ) . من حديث أبي موسى مرفوعا : ( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله . . . ) الحديث .
vi كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك :
روى البخاري في تفسير القرآن ( 4974 ، 4975 ) والنسائي في الجنائز ( 2078 ) وأحمد في مسنده ( 8398 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قال الله : كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن عيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحدا ) .
روى البخاري في تفسير القرآن ( 4482 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( قال الله : كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله : لي ولد ، فسبحاني أن أتخذ صاحبة او ولدا ) .
vii إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها :
رواه البخاري في الشروط ( 2736 ) وفي التوحيد ( 7392 ) ومسلم في الذكر ( 2677 ) والترمذي في الدعوات ( 3506 ، 3508 ) وابن ماجة في الدعاء ( 3860 ) وأحمد في مسنده ( 7450 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله تسعة تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة ) . ورواه الترمذي في الدعوات ( 3507 ) وابن ماجة في الدعاء ( 3861 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة ، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمان الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار . . . ) الحديث . وقال أبو عيسى : هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل حديث وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من الروايات له بإسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح .