قبل الخوض في التفسير لابد من تقديم فصول :
الفصل الأول : روى أبي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ سورة قل هو الله أحد ، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله وآمن بالله » وقال عليه الصلاة والسلام : «من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد » وروي : «أنه كان جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري ، فقال جبريل : هذا أبو ذر قد أقبل ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو تعرفونه ؟ قال : هو أشهر عندنا منه عندكم ، فقال عليه الصلاة والسلام : بماذا نال هذه الفضيلة ؟ قال لصغره في نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد » وروى أنس قال : «كنا في تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب كلنا ، فنزل جبريل وقال : إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك فيصلوا على معاوية بن معاوية ، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه ، ثم قال : بم بلغ ما بلغ ؟ فقال جبريل : كان يحب سورة الإخلاص » وروي : «أنه دخل المسجد فسمع رجلا يدعو ويقول أسألك يا ألله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فقال : غفر لك غفر لك غفر لك ثلاث مرات » وعن سهل بن سعد : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال : إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك ، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه » وعن أنس : «أن رجلا كان يقرأ في جميع صلاته : { قل هو الله أحد } فسأله الرسول عن ذلك فقال : يا رسول الله إني أحبها ، فقال : حبك إياها يدخلك الجنة » وقيل من قرأها في المنام : أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله ، وكان مستجاب الدعوة .
الفصل الثاني : في سبب نزولها وفيه وجوه ( الأول ) : أنها نزلت بسبب سؤال المشركين ، قال الضحاك : إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : شققت عصانا وسببت آلهتنا ، وخالفت دين آبائك ، فإن كنت فقيرا أغنيناك ، وإن كنت مجنونا داويناك ، وإن هويت امرأة زوجناكها ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لست بفقير ، ولا مجنون ، ولا هويت امرأة ، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته » فأرسلوه ثانية وقالوا : قل له بين لنا جنس معبودك ، أمن ذهب أو فضة ، فأنزل الله هذه السورة ، فقالوا له : ثلثمائة وستون صنما لا تقوم بحوائجنا ، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق ؟ فنزلت : { والصافات } إلى قوله : { إن إلهكم لواحد } فأرسلوه أخرى ، وقالوا : بين لنا أفعاله فنزل : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض } ( الثاني ) : أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس ، أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف ، فقالوا : يا محمد هذا الله خلق الخلق ، فمن خلق الله ؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه ، وقال : اخفض جناحك يا محمد ، فنزل : { قل هو الله أحد } فلما تلاه عليهم قالوا : صف لنا ربك كيف عضده ، وكيف ذراعه ؟ فغضب أشد من غضبه الأول ، فأتاه جبريل بقوله : { وما قدروا الله حق قدره } ( الثالث ) : أنها نزلت بسبب سؤال النصارى ، روى عطاء عن ابن عباس ، قال : قدم وفد نجران ، فقالوا : صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت ، أو ذهب ، أو فضة ؟ فقال : «إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء » فنزلت : { قل هو الله أحد } قالوا : هو واحد ، وأنت واحد ، فقال : ليس كمثله شيء ، قالوا : زدنا من الصفة ، فقال : { الله الصمد } فقالوا : وما الصمد ؟ فقال : الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج ، فقالوا : زدنا فنزل : { لم يلد } كما ولدت مريم : { ولم يولد } كما ولد عيسى : { ولم يكن له كفوا أحد } يريد نظيرا من خلقه .
الفصل الثالث : في أساميها ، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة ، والعرف يشهد لما ذكرناه ( فأحدها ) : سورة التفريد ( وثانيها ) : سورة التجريد ( وثالثها ) : سورة التوحيد ( ورابعها ) : سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، ولأن من اعتقده كان مخلصا في دين الله ، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار ، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب ( وخامسها ) : سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا ، وعن النار في الآخرة ( وسادسها ) : سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة ( وسابعها ) : سورة النسبة لما روينا أنه ورد جوابا لسؤال من قال : أنسب لنا ربك ، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بني سليم : «يا أخا بني سليم استوص بنسبة الله خيرا » وهو من لطيف المباني ، لأنهم لما قالوا : انسب لنا ربك ، فقال : نسبة الله هذا والمحافظة على الأنساب من شأن العرب ، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض الأنساب أو ينقص ، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها ( وثامنها ) : سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة ، روى جابر أن رجلا صلى فقرأ : قل هو الله أحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك ( وتاسعها ) : سورة الجمال قال عليه الصلاة والسلام : «إن الله جميل يحب الجمال » فسألوه عن ذلك فقال : أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحدا عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه ( وعاشرها ) : سورة المقشقشة ، يقال : تقشيش المريض مما به ، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال : { في قلوبهم مرض } ( الحادي عشر ) : المعوذة ، روي أنه عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها ، ثم قال : «نعوذ بهن فما تعوذت بخير منها » ( والثاني عشر ) : سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى ( والثالث عشر ) : سورة الأساس ، قال عليه الصلاة والسلام : «أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد » ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله : { تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال } فوجب أن يكون التوحيد سببا لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ( الرابع عشر ) : سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي ، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران ( الخامس عشر ) : سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت ( السادس عشر ) : المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها ( السابع عشر ) : البراءة لأنه روي أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة ، فقال : أما هذا فقد برئ من الشرك ، وقال عليه السلام : من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار ( الثامن عشر ) : سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه ( التاسع عشر ) : سورة النور قال الله تعالى : { الله نور السموات والأرض } فهو المنور للسموات والأرض ، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام : «إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد » ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة ، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان ( العشرون ) : سورة الأمان قال عليه السلام : «إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي » .
الفصل الرابع : في فضائل هذه السورة وهي من وجوه ( الأول ) : اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن ، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات ، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله ، وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : { قل يا أيها الكافرون } فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة : { قل يا أيها الكافرون } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني : { قل يا أيها الكافرون } ، و{ قل هو الله أحد } في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن : { قل يا أيها الكافرون } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و{ قل هو الله أحد } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن : { قل يا أيها الكافرون } تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله ، و{ قل هو الله أحد } تفيد براءة المعبود عن كل ما لا يليق به ( الوجه الثاني ) : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقا للقرآن كانت خيرا من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : { قل هو الله أحد } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة ( الوجه الثالث ) : وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيرا بنور جلال الله وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل : فصفات الله أيضا مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضرا أبدا بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير .
قوله تعالى : { قل هو الله أحد } فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غنى ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا يقول لي : { قل هو الله أحد } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } .
المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لابد في سورة : { قل يا أيها الكافرون } من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة : { تبت } وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة : { قل هو الله أحد } وقرأ أبي وابن مسعود . بغير قل هكذا : { هو الله أحد } وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون ( قل هو ) هكذا : { الله أحد الله الصمد } فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام .
المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها ( أحدها ) : أن هو كناية عن اسم الله ، فيكون قوله : الله مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله : { أحد } ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم ( الثاني ) : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن الله أحد ، ونظيره قوله : { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء : { فإنها لا تعمى الأبصار } أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة ، كقوله : { إنه من يأت ربه مجرما } ( والثالث ) : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد .
المسألة الرابعة : في أحد وجهان ( أحدهما ) : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل : يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة ، والمكسورة كقولهم : وجوه وأجوه وسادة وأسادة ( والقول الثاني ) : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال : رجل أحد ولا درهم أحد كما يقال : رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء . ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوها ( أحدها ) : أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه ( وثانيها ) أنك إذا قلت : فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد ، فإنك لو قلت : فلان لا يقاومه أحد لا يجوز أن يقال : لكنه يقاومه اثنان ( وثالثها ) : أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي ، تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا وتقول في النفي : ما رأيت أحدا فيفيد العموم .
المسألة الخامسة : اختلف القراء في قوله : { أحد الله الصمد } فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله ، وهو القياس الذي لا إشكال فيه ، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة ، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر ، وعن أبي عمرو ، أحد الله بغير تنوين ، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم ، ويرمي القوم ، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو : { لم يك } { فلا تك في مرية } فكذا ههنا حذفت في ( أحد الله ) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف .
وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله : { عزير ابن الله } وروي أيضا عن أبي عمرو : { أحد الله } وقال : أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون ، قال أبو علي : قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال : { فأضلونا السبيلا ربنا } { وما أدراك ماهيه نار } فكذلك { أحد الله } لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم ، وقرأ الأعمش : { قل هو الله الواحد } فإن قيل : لماذا ؟ قيل : أحد على النكرة ، قال الماوردي : فيه وجهان ( أحدهما ) : حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل : هو الله الأحد ( والثاني ) : أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم .
المسألة السادسة : اعلم أن قوله : { هو الله أحد } ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين ( فالمقام الأول ) : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ، وقوله : { هو } إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز ، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان ، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : { هو } كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، ( المقام الثاني ) : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لابد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق : فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة الله بلفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو الله ، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه ( والمقام الثالث ) : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل : { قل هو الله أحد } .
وههنا بحث آخر : أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية ، أما الإضافية فكقولنا : عالم ، قادر مريد خلاق ، وأما السلبية فكقولنا : ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانيا على النوع الثاني منها ، وقولنا : الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وقولنا : أحد يدل على مجامع الصفات السلبية ، فكان قولنا : { الله أحد } تاما في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية ، وإنما قلنا : إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية ، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة ، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبدا بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفا بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات . وهذه مجامع الصفات الإضافة ، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية ، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب ، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته ، فكل مركب فهو ممكن لذاته ، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكنا ، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية ، وجب أن لا يكون متحيزا لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزا ، وإذا لم يكن متحيزا لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ، ويجب أن لا يكون حالا في شيء ، لأنه مع محله لا يكون أحدا ، ولا يكون محلا لشيء ، لأنه مع حاله لا يكون أحدا ، وإذا لم يكن حالا ولا محلا لم يكن متغيرا البتة لأن التغير لابد وأن يكون من صفة إلى صفة ، وأيضا إذا كان أحدا وجب أن يكون واحدا إذ لو فرض موجودان واجبا الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب ، فثبت أن كونه أحدا يستلزم كونه واحدا ( فإن قيل ) : كيف يعقل كون الشيء أحدا ، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد ( الجواب ) : أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية ، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله : { الله أحد } كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله : { وإلهكم إله واحد } .
( سورة الإخلاص مكية ، وآياتها 4 آيات ، نزلت بعد سورة الناس )
وتشتمل هذه السورة على أهم أركان الإسلام التي قامت عليها رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأركان ثلاثة :
والثاني : بيان الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات .
والثالث : أحوال النفس بعد الموت وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب ، وصفة اليوم الآخر وما فيه من بعث وحشر ، وحساب وجزاء ، وصراط وميزان ، وجنة ونار .
وأول هذه الأركان هو التوحيد والتنزيه لإخراج العرب وغيرهم من الشرك والتشبيه ، ولهذا ورد في ربه أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن ، لاشتمالها على التوحيد وهو أصل أصول الإسلام .
أن هذه السورة نزلت جوابا للمشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربه ويبين لهم نسبه ، فوصفه لهم ونزهه عن النسب ، إذ نفى عنه أن يكون والدا أو مولودا أو أن يكون له شبيه ومثيل .
هو . ضمير تفسره الجملة التالية . الله أحد . وهو يدل على فخامة ما يليه بإبهامه ثم تفسيره ، مما يزيده تقريرا .
الله . علم دال على الذات العلية دلالة مطلقة تجمع كل معاني أسمائه الحسنى ، وما تصوره من التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والجلال والكمال .
أحد . صفة تقرر وحدانية الله من كل الوجوه ، فهو واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله وفي عبادته ، أما أحديته أو وحدانيته في ذاته فمعناها أنه يستقل بوجوده عن وجود الكائنات والمخلوقات ، فوجدوها حادث بعد عدم ، وهي محتاجة إلى علة توجدها وتظل قائمة عليها حافظة وجودها طوال ما كتب لها من بقاء . أما وجود الله فوجود أزلي ، وجود ذاته ، ومنه انبثق كل الوجود ، إنه واجب الوجود الذي لا أول لوجوده ولا آخر ، والفرد الذي لا تركيب في ذاته .
الله أحد . فلا إله سواه ولا شريك معه ، وكانوا قد عبدوا آهلة متعددة مثل الشمس والقمر ، واللاّت والعزّى ، ومناة ونسر .
وكان منهم من اتخذ إلهين : إلها للنور ، وإلها للظلمة ، ومنهم من قال : إن الله ثالث ثلاثة من الآلهة وقد أعلن القرآن الكريم النكير على من اتخذ إلها غير الله تعالى ، وقرّر القرآن أنه لا شريك له ولا مثيل .
قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالا بعيدا . ( النساء : 116 ) .
ووحدانية الصفات تعني تنزيه الله عن صفات المخلوقين من البشر وغير البشر ، فهو متفرد بصفاته تفرده بذاته : ليس كمثله شيء . . . ( الشورى : 11 ) . لا في الذات ولا في الصفات .
وقد تعددت صفات الله في القرآن ، ولأنها ذاتية دعاها أسماء إذ يقول : ولله الأسماء الحسنى . . . ( الأعراف : 180 ) . ويقول تعالى : هو الله الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى . . . ( الحشر : 24 ) .
وهذه الصفات منها ما يصور عظمة الله وجلاله ، مثل : العظيم ، المتعال ، الحميد ، المجيد ، القدوس ، ذي الجلال والإكرام . ومنها ما يصور خلق الكون وصنع الوجود ، مثل : البارئ ، المصور ، الخالق ، البديع ومنها ما يصور القدرة الإلهية ، مثل : القوي ، القادر ، القهّار ، المهيمن . ومنها ما يصور العلم الربّاني ، مثل : العليم ، الحكيم ، الخبير . ومنها ما يصور رحمة الله بعباده ، مثل : الرؤوف ، الرحمان ، الرحيم . . . إلى غير ذلك من صفات قد تلتقي بصفات البشر ، ولكنها تختلف عنها في الجنس والنوع ، هي وكل ما يتصل بالذات الإلهية .
ووحدانية الله وأفعاله : هي التفرد في خلق الكون والقيام عليه وتدبير نظامه المحكم بقوانين ماثلة في جميع الأشياء .
يقول الحق سبحانه : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّناها وما لها من فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب* ونزّلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنت وحبّ الحصيد* والنخل باسقات لها طلع نضيد* رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج . ( ق : 6-11 ) .
وهذا الكون العظيم بنظامه البديع وناموسه الرائع يدل دلالة واضحة على وحدانية الله وتفرده بالألوهية .
قال تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا . . . ( الأنبياء : 22 ) .
وقال سبحانه : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عمّا يصفون . ( المؤمنون : 91 ) .
ومضمون هذه الآيات أنه لو تعددت الآهلة في الكون لفسد نظام السماوات والأرض ، ولاختل تماسكها القائم على وحدة نظام ، ووحدة تسيير ، وبما أن الكون لم يفقد نظامه ولا تماسكه فدلّ ذلك على نفي الآلهة وثبتت وحدانية الحق سبحانه . قل هو الله أحد .
الصّمد . هو المقصود في الحوائج وحده ، فهو الملاذ وهو الملجأ ، وهو المستعان وهو المستغاث ، ولا حول ولا طول لسواه ، إنه الخالق الصانع الحافظ الوهاب النافع الضار ، كل شيء بيده وفي قبضته ، يعطي ويمنع ، ويبسط ويقبض ، ويثيب ويعاقب ، وكل شيء في الكون متجه إليه يتلقى منه الوجود ، إنه المحيي المميت ، الذي يهب كل حيّ حياته ، وكل حيّ بل كل كائن ينقاد إليه شاعرا بضعفه وعجزه ، وأنه محتاج إلى بره وتفقده له ، فهو الكالئ الحافظ بالليل والنهار وعلى مر الزمان ، وهو الراعي المربّي الذي يفتقر إليه كل شيء في الوجود وينقاد بأزمته ، وفي ذلك يقول جلّ ذكره : ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابّة والملائكة وهم لا يستكبرون* يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون . ( النحل : 49 ، 50 ) .
وقوله : الصّمد . يشعر بأنه الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة بدون واسطة ولا شفيع ، وهو في ذلك يخالف عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء ، وكثير من أهل الأديان الأخرى يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند الله ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغاهم فيلجأون إليهم أحياء وأمواتا ، ويقومون بين أيديهم أو عند قبورهم خاشعين خاضعين ، كما يخشعون لله بل أشد خشيةi .
وقد نفى القرآن كل وساطة بين العبد وربه ، وبيّن أن باب الله مفتوح على مصراعيه ، للضارعين والتائبين والسائلين ، فهو قريب من عباده لا يحتاج إلى وساطة أو شفاهة .
قال تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الدّاع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون . ( البقرة : 186 ) .
وبذلك نرى أن اله يرفع كل حجاب بينه وبين عباده ليتجهوا إليه بالمسألة حين تنزل بهم بعض الخطوب ، أو حين تصيبهم بعض الفواجع ، أو حين يلتمسون أي مقصد من مقاصد الدنيا أو مقاصد الآخرة .
قال تعالى : ادعوني أستجب لكم . . . ( غافر : 60 ) .
وقال سبحانه : ادعوا ربكم تضرّعا وخفية إنه لا يحب المعتدين . ( الأعراف : 55 ) .
وعلى ذلك فالإسلام ينكر بيع صكوك الغفران ، لأن المغفرة بيد الله وحده ، وينكر الإسلام الاعتراف بالذنب لرجل الدين حتى تصح التوبة ويمحى الذنب ، إذ أساس الإسلام أن الله وحده هو المقصود في كل شيء : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون* ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله . . . ( الشورى : 25 ، 26 ) .
وقد جعل الدين الدعاء مخ العبادة ، لان الدعاء اعتراف ضمني بقدرة الله وعظمته وأنه الخالق البارئ الرازق الفعال لما يريد ، وأن بيده الخير والأمر والنفع وأنه مسبب الأسباب . وللدعاء آداب منها :
التوبة النصوح ، وأكل الحلال ، وأداء الفرائض ، واجتناب المحرمات ، والتزام التضرع والخضوع في مناجاة الله ودعائه ، واليقين الكامل بأن الله تعالى هو النافع الضار ، لا راد لقضائه ولا معقب لأمره : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيقول . ( يس : 82 ) .
وتمكينا لهذه العقيدة الإسلامية في النفوس ، علّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمه عبد الله بن عباس وهو غلام صغير وقد كان راكبا خلفه .
فعن عبد الله بن عباس قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته فقال لي : ( يا غلام ، هل أعلمك كلمات ينفعك الله بهن في الدنيا والآخرة ) ؟ قلت : بلى يا رسول الله علمني . فقال لي : ( يا غلام ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء ما ضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف )ii . رواه أحمد ، والترمذي ، وهو حديث صحيح .
وحيث يعلم المؤمن هذه الحقيقة ، ويحيى في فكره وقلبه صمدية الله تعالى ، فإنه لا يرجع في أمر من أموره إلا إليه سبحانه ، ولا يتقرب بأي قربى إلا قربى تدنيه من طاعة ربه ومرضاته ، وتثبيتا لحقيقة صمدية الخالق من حقائق صفات الألوهية ، قال سبحانه : الله الصّمد . أي : الله هو الغني في ذاته وفي صفاته غنى تاما ، وهو الذي يصمد إليه ، يرجع إليه في كل أمر صغر أو كبر .
قال أبو هريرة في تفسير كلمة الصمد : هو المستغني عن كل أحد ، المحتاج إليه كل أحد .
لم يلد . لم يتخذ ولدا . ولم يولد . ليس له والد يكنّى به . والقرآن بهذا ينزه الله العلي العظيم عن الشبه بالآدميين الفانين الذي يوجدون بعد عدم ، ويعيشون وينجبون الولد والأولاد ، ثم تشتعل رؤوسهم شيبا ويبلغون من الكبر عتيا ثم يموتون ، وبذلك يكون الإنسان والدا ومولودا في آن واحد ، أما الله سبحانه فتعالى علوّا كبيرا عن أن يلد أو يولد ، فهو منزّه عن مجانسة الآدميين في اتخاذ الصاحبة أو الزوجة واتخاذ الأولاد .
قال تعالى : بديع السماوات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم* ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل* لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير . ( الأنعام : 101 -103 ) .
الكفء معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة ، وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله ندا في أفعاله ويعاكسه في أعماله ، على نحو ما يعتدقه بعض الوثنيين في الشيطان مثلا ، فقد نفى بهذه السورة جميع أنواع الشرك ، وقرر جميع أصول التوحيد والتنزيه .
( وقد جعل الله الآية الأخيرة خاتمة للآيات قبلها ، فبعد أن قرّر وحدانيته وعظيم سلطانه ، وأنه ملاذ الكون ومخلوقاته ، وأنه منزه عن مشابهة الإنسان ومماثلته لتفرده بقدمه وأزليته ، قال في صيغة عامة إنه ليس له مثيل ولا نظير من الخلق في أي صفة ولا في أي فعل ولا في أي شيء من الأشياء )iii .
وقد سفّه القرآن في مواطن كثيرة من جعلوا لله أندادا من المخلوقات ، وبين أنه سبحانه الصانع الأعظم ، وما من كائن إلا ويفتقر إليه في وجوده .
وفي معنى سورة الإخلاص يقول الله سبحانه : وقالوا اتخذ الرحمان ولدا* لقد جئتم شيئا إدّا* تكاد السماوات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا* أن دعوا الرحمان ولدا* وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولدا* إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا* لقد أحصاهم وعدّهم عدّا* وكلهم آتيه يوم القيامة فردا . ( مريم : 88 -95 ) .
وقال سبحانه : وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون . ( الأنبياء : 26 ، 27 ) .
{ قل هو الله أحد 1 الله الصّمد 2 لم يلد ولم يولد 3 ولم يكن له كفوا أحد 4 }
قل لهم يا محمد : هو الله أحد .
هو الله أحد ، أي : واحد في ذاته ، ليس له شريك ولا مثيل ، وهو واحد في صفاته ، لأنه كامل القدرة ، كامل الإرادة ، كامل الرحمة ، كامل القهر ، كامل الصفات الكاملة التي يتصف بها وحده .
وهو واحد في أفعاله ، بمعنى أنه خالق الكون ، وغيره لا يقدر على أن يفعل مثل أفعاله .
قل تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون . ( النحل : 17 ) .
وهذه الجملة تكفي المؤمن حين ينطق بها ، ويتمثّل معناها ومبناها ، ويتأكد أن الكون له إله واحد ، هو المقصود ، هو المعبود ، وهو خالق الوجود ، لذلك قالوا : من وجد الله وجد كل شيء ، ومن فقد الله فقد كل شيء .