{ ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد }
المسألة الأولى : قوله تعالى : { منا } إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام ، وتقريره هو أن قوله : { ولقد آتينا داوود منا فضلا } مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتي الملك زيدا خلعة ، فإذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له ، فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض ، ومثل هذا قوله تعالى : { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان } فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال : { يبشرهم ربهم برحمة منه } .
المسألة الثانية : في قوله : { يا جبال أوبي معه } قال الزمخشري : { يا جبال } بدل من قوله : { فضلا } معناه آتيناه فضلا قولنا يا جبال ، أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال .
المسألة الثالثة : قرئ ( أوبي ) بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع ، وقيل بأن معناه سيرى معه ، وفي قوله : { يسبحن } قالوا : هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة .
المسألة الرابعة : قرئ { والطير } بالنصب حملا على محل المنادى والطير بالرفع حملا على لفظه .
المسألة الخامسة : لم يكن الموافق له في التأويب منحصرا في الجبال والطير ولكن ذكر الجبال ، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة ، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة .
المسألة السادسة : قوله : { وألنا له الحديد } عطف ، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا : يا جبال أوبي وألنا ، ويحتمل أن يكون عطفا على آتينا تقديره آتيناه فضلا وألنا له .
المسألة السابعة : ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير ، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به ، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله ، قيل إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع ، وإنما اختار الله له ذلك ، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل ، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما .
{ ولقد ءاتينا داود فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد( 10 ) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير( 11 ) ولسليمان الرياح غدوها شهر ورواحها شهر وأرسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير( 12 ) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ءال داود شكرا وقليل من عبادي الشكور( 13 ) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين( 14 ) }
أوبي معه : رجعي معه بالتسبيح .
ألنا له الحديد : جعلناه له في اللين كالعجينة يعجنها من غير نار ولا مطرقة .
{ لقد ءاتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد . . . }
ذكر الله تعالى هنا ما أنعم الله على عبده داود حيث حباه بالنبوة والملك والفضل وأعطاه المعجزات والجنود الكثيرة والصوت الجميل الحسن الشجي حيث كان إذا سبح الله وذكره بصوته الجميل رددت الجبال معه التسبيح والنشيد ، وكذلك الطير تصدح بذكره ونشيده ، وألان الله الحديد في يده فكان مثل العجين لينا سهل التشكيل فكان يصنع منه دروع الحرب وآلاتها ويأكل من عمل يده .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " . iii
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.