فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ} (10)

{ *ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد 10 إن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير11 }

يقص القرآن الحكيم من نبأ المرسلين ما يثبت الفؤاد ويقوي اليقين ، باقتدار مولانا الملك المتين ، وسابغ نعمه على المقربين المكرمين ، في هذه الدنيا ويوم الدين ، فداود عليه السلام أعطاه الله من لدنه فضلا عظيما ، فأمر الجبال أن ترجع معه التسبيح كلما سبح والطير كذلك ، كما جاء في قوله الله تبارك وتعالى : ) . . وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين( {[3726]} .

وفي آية كريمة أخرى : )إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق . والطير محشورة كل له أواب( {[3727]} ، ومع تسخير الطير والجماد علمه الله صنعة فيها نجاة للعباد ، ومرتزق كريم لنبي ملك . عف عن مال الأمة فعمل حدادا . يرعاه ربه وييسر له صنعته ، بل ويهديه إلى ما به يحسنها ويتقنها : { وألنا له الحديد . أن اعمل سابغات وقدر في السرد . . } قال ابن عباس : صار عنده كالشمع ، وقال السدي : كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع ، يصرفه كيف يشاء من غير إدخال نار ، ولا ضرب بمطرقة . قال قتادة : كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالا ، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة ، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه ، لا تقصد الحصانة فتثقل ، ولا الخفة فتزيل المنعة ، وقال ابن زيد : التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة ، أي : لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع ، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها ، وقال ابن عباس : التقدير الذي أمر به هو في المسمار ، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقا فيقلق ، ولا غليظا فيفصم الحلق . و{ السرد } نسج حلق الدروع .

[ وسبب ذلك أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل لقي ملكا ، وداود يظنه إنسانا ، وداود خرج متنكرا يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء ، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل له " : " وما قولك في هذا الملك داود ؟ فقال له الملك : " نعم العبد لولا خلة فيه " قال داود : وما هي " ؟ قال : " يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله " فرجع فدعا الله في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه ، فعلمه صنعة لبوس كما قال جل وعز : )وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون( {[3728]} فألان له الحديد فصنع الدروع . . . . . في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع . وأن التحرف بها لا ينقصهم ، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم . . . . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " ]{[3729]} ، واذكر داود وأهله . أو ذكر أهل داود أن يستصحبوا عمل الصالحين ، ومنهاج الشاكرين ، فإنهم تحت سمع الله تعالى وبصره ، لا يخفى عليه شيء من الأقوال ولا من الأفعال ولا من الأحوال ، ومن استصحب اليقين برؤية رب العالمين كان ذلك أحرى أن يحسن فلا يسيء ، ولا يرتضي تفريطا ولا غفلة .

{ ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر }

وكما سخر المنعم الوهاب لداود الجبال يسبحن والطير ، سخر لسليمان الريح تجري بأمره رخاء حيث يريد ، أو عاصفة حين يأمرها تعصف ، تجري في الغداة حاملة ما يأمرها سليمان بحمله تقطع أول النهار مسيرة شهر ، وجريها بالعشي- من وسط النهار إلى آخره- مسيرة شهر كذلك-[ قال الحسن : كان يغدو عن دمشق فيقيل بإصطخر ، وبينهما مسيرة شهر للمسرع ، ثم يروح من إصطخر ويبيت بكابل ، وبينهما شهر للمسرع . قال السدي : كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين ]{[3730]} . ووهبناه صناعة ثقيلة من النحاس المذاب- يذيبه سليمان- أو يخرج الله له المعدن سائلا .


[3726]:سورة الأنبياء. من الآية 79.
[3727]:سورة ص. الآيتان 18، 19.
[3728]:سورة الأنبياء. الآية 80.
[3729]:ما بين العارضتين مما أورد القرطبي، بتصرف.
[3730]:أورده القرطبي.