مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلرِّجَالُ قَوَّـٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّـٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا} (34)

قوله تعالى : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا } .

اعلم أنه تعالى قال : { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض } وقد ذكرنا أن سبب نزول هذه الآية أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث ، فذكر تعالى في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث ، لأن الرجال قوامون على النساء ، فإنهما وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر ، أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهن المهر ، ويدروا عليهن النفقة فصارت الزيادة من أحد الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر ، فكأنه لا فضل البتة ، فهذا هو بيان كيفية النظم . وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : القوام ؛ اسم لمن يكون مبالغا في القيام بالأمر ، يقال : هذا قيم المرأة وقوامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في بنت محمد بن سلمة وزوجها سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار ، فإنه لطمها لطمة فنشزت عن فراشه وذهبت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وذكرت هذه الشكاية ، وأنه لطمها وأن أثر اللطمة باق في وجهها ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اقتصي منه ثم قال لها اصبري حتى أنظر » فنزلت هذه الآية : { الرجال قوامون على النساء } أي مسلطون على أدبهن والأخذ فوق أيديهن ، فكأنه تعالى جعله أميرا عليها ونافذ الحكم في حقها ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أردنا أمرا وأراد الله أمرا والذي أراد الله خير » ورفع القصاص ، ثم إنه تعالى لما أثبت للرجال سلطنة على النساء ونفاذ أمر عليهن بين أن ذلك معلل بأمرين ، أحدهما : قوله تعالى : { بما فضل الله بعضهم على بعض } .

واعلم أن فضل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، بعضها صفات حقيقية ، وبعضها أحكام شرعية ، أما الصفات الحقيقية فاعلم أن الفضائل الحقيقية يرجع حاصلها إلى أمرين : إلى العلم ، وإلى القدرة ، ولا شك أن عقول الرجال وعلومهم أكثر ، ولا شك أن قدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل ، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة ، والكتابة في الغالب والفروسية والرمي ، وأن منهم الأنبياء والعلماء ، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق ، وفي الأنكحة عند الشافعي رضي الله عنه ، وزيادة النصيب في الميراث والتعصيب في الميراث ، وفي تحمل الدية في القتل والخطأ ، وفي القسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج ، وإليهم الانتساب ، فكل ذلك يدل على فضل الرجال على النساء .

والسبب الثاني : لحصول هذه الفضيلة : قوله تعالى : { وبما أنفقوا من أموالهم } يعني الرجل أفضل من المرأة لأنه يعطيها المهر وينفق عليها ، ثم إنه تعالى قسم النساء قسمين ، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : قرأ ابن مسعود ( فالصالحات قوانت حوافظ للغيب ) .

المسألة الثانية : قوله : { قانتات حافظات للغيب } فيه وجهان : الأول : قانتات ، أي مطيعات لله ، { حافظات للغيب } أي قائمات بحقوق الزوج ، وقدم قضاء حق الله ثم أتبع ذلك بقضاء حق الزوج . الثاني : أن حال المرأة إما أن يعتبر عند حضور الزوج أو عند غيبته ، أما حالها عند حضور الزوج فقد وصفها الله بأنها قانتة ، وأصل القنوت دوام الطاعة ، فالمعنى أنهن قيمات بحقوق أزواجهن ، وظاهر هذا إخبار ، إلا أن المراد منه الأمر بالطاعة .

واعلم أن المرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها ، لأن الله تعالى قال : { فالصالحات قانتات } والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق ، فهذا يقتضي أن كل امرأة تكون صالحة ، فهي لا بد وأن تكون قانتة مطيعة . قال الواحدي رحمه الله : لفظ القنوت يفيد الطاعة ، وهو عام في طاعة الله وطاعة الأزواج ، وأما حال المرأة عند غيبة الزوج فقد وصفها الله تعالى بقوله : { حافظات للغيب } واعلم أن الغيب خلاف الشهادة ، والمعنى كونهن حافظات بمواجب الغيب ، وذلك من وجوه : أحدها : أنها تحفظ نفسها عن الزنا لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها ، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره ، وثانيها : حفظ ماله عن الضياع ، وثالثها : حفظ منزله عما لا ينبغي ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " خير النساء إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها " وتلا هذه الآية .

المسألة الثالثة : «ما » في قوله : { بما حفظ الله } فيه وجهان : الأول : بمعنى الذي ، والعائد إليه محذوف ، والتقدير : بما حفظه الله لهن ، والمعنى أن عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن ، حيث أمرهم بالعدل عليهن وإمساكهن بالمعروف وإعطائهن أجورهن ، فقوله : { بما حفظ الله } يجري مجرى ما يقال : هذا بذاك ، أي هذا في مقابلة ذاك .

والوجه الثاني : أن تكون «ما » مصدرية ، والتقدير : بحفظ الله ، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان : الأول : أنهن حافظات للغيب بما حفظ الله إياهن ، أي لا يتيسر لهن حفظ إلا بتوفيق الله ، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى الفاعل . والثاني : أن المعنى : هو أن المرأة إنما تكون حافظة للغيب بسبب حفظهن الله أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره ، فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكاليف الله وتجتهد في حفظ أوامره لما أطاعت زوجها ، وهذا الوجه يكون من باب إضافة المصدر إلى المفعول .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصالحات ، فقال : { واللاتي تخافون نشوزهن } .

واعلم أن الخوف عبارة عن حال يحصل في القلب عند ظن حدوث أمر مكروه في المستقبل . قال الشافعي رضي الله عنه : { واللاتي تخافون نشوزهن } النشوز قد يكون قولا ، وقد يكون فعلا ، فالقول مثل أن كانت تلبيه إذا دعاها ، وتخضع له بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت ، والفعل مثل أن كانت تقوم إليه إذا دخل عليها ، أو كانت تسارع إلى أمره وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها ، ثم إنها تغيرت عن كل ذلك ، فهذه أمارات دالة على نشوزها وعصيانها ، فحينئذ ظن نشوزها ومقدمات هذه الأحوال توجب خوف النشوز . وأما النشوز فهو معصية الزوج والترفع عليه بالخلاف ، وأصله من قولهم نشز الشيء إذا ارتفع ، ومنه يقال للأرض المرتفعة : ونشز ونشر .

ثم قال تعالى : { فعظوهن واهجروهن فىي المضاجع واضربوهن } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : أما الوعظ فإنه يقول لها : اتقي الله فإن لي عليك حقا وارجعي عما أنت عليه ، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو هذا ، ولا يضربها في هذه الحالة لجواز أن يكون لها في ذلك كفاية ، فإن أصرت على ذلك النشوز فعند ذلك يهجرها في المضجع وفي ضمنه امتناعه من كلامها ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ولا يزيد في هجره الكلام ثلاثا ، وأيضا فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتترك النشوز ، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران ، فكان ذلك دليلا على كمال نشوزها ، وفيهم من حمل ذلك على الهجران في المباشرة ، لأن إضافة ذلك إلى المضاجع يفيد ذلك ، ثم عند هذه الهجرة إن بقيت على النشوز ضربها . قال الشافعي رضي الله عنه : والضرب مباح وتركه أفضل . روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : كنا معاشر قريش تملك رجالنا نساءهم ، فقدمنا المدينة فوجدنا نساءهم تملك رجالهم ، فاختلطت نساؤنا بنسائهم فذئرن على أزواجهن ، أي نشزن واجترأن ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ، ذئرت النساء على أزواجهن ، فأذن في ضربهن فطاف بحجر نساء النبي صلى الله عليه وسلم جمع من النسوان كلهن يشكون أزواجهن ، فقال صلى الله عليه وسلم : «لقد أطاف الليلة بآل محمد سبعون امرأة كلهن يشكون أزواجهن ولا تجدون أولئك خياركم » ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيرا ممن لم يضربوا . قال الشافعي رضي الله عنه : فدل هذا الحديث على أن الأولى ترك الضرب ، فأما إذا ضربها وجب في ذلك الضرب أن يكون بحيث لا يكون مفضيا إلى الهلاك البتة ، بأن يكون مفرقا على بدنها ، ولا يوالي بها في موضع واحد ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن ، وأن يكون دون الأربعين . ومن أصحابنا من قال : لا يبلغ به عشرين لأنه حد كامل في حق العبد ، ومنهم من قال : ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف أو بيده ، ولا يضربها بالسياط ولا بالعصا ، وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه .

وأقول : الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع ، ثم ترقى منه إلى الضرب ، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم .

المسألة الثانية : اختلف أصحابنا قال بعضهم : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب ، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب ، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : يعظها بلسانه ، فإن انتهت فلا سبيل له عليها ، فإن أبت هجر مضجعها ، فإن أبت ضربها ، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين . وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل . وقال بعض أصحابنا : تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها ، وهل له أن يهجرها ؟ فيه احتمال ، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها ، أو يضربها .

ثم قال تعالى : { فإن أطعنكم } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب { فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقا على سبيل التعنت والإيذاء { إن الله كان عليا كبيرا } وعلوه لا بعلو الجهة ، وكبره لا يكبر الجثة ، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات . وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن ، وبيانه من وجوه : الأول : أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان ، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم ، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم ، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن ، وأكبر درجة منهن . الثاني : لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم . فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء ، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق . الثالث : أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون ، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم ، فإنهن لا يقدرن على ذلك . الرابع : أنه مع علوه وكبريائه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب ، بل يغفر له ، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها . الخامس : أنه تعالى مع علوه وكبريائه اكتفى من العبد بالظواهر ، ولم يهتك السرائر ، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة ، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلرِّجَالُ قَوَّـٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّـٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا} (34)

قوامة الرجال

{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } .

الايتان ( 34-35 ) .

المفردات :

يقال : هذا قيم المرأة وقوامها ؛ إذا كان يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وما به الفضل قسمان :

فطري : وهو قوة مزاج الرجل وكماله في الخلقة ، ويتبع ذلك قوة العمل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغاياتها ، وكسبي : وهو قدرته على الكسب والتصرف في الأمور ، ومن ثم كلف الرجال بالإنفاق على النساء والقيام برياسة المنزل .

القنوت : السكون و الطاعة لله و للأزواج .

الحافظات للغيب : أي اللاتى يحفظن ما يغيب عن الناس ، و لا يقال إلا في الخلوة بالمرأة .

تخافون : أى : تظنون .

نشزت الأرض : ارتفعت عما حواليها ، ويراد بها هنا : معصية الزوج و الترفع عليه .

البغى : الظلم وتجاوز الحد .

34

34- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . الرجال لهم حق الصيانة والرعاية للنساء ، والقيام بشئونهن ؛ بما أعطاهم الله من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق ، فقد خص الله الرجال بأمور منها :

الإمامة ، والولاية ، والميراث ، والشهادة ، والجهاد ، والجمعة ، والجماعات ، وولاية الزوج على زوجته ولاية رعاية ومودة ورحمة لا ولاية غلظة ورهبة ، كما أن ولاية الزوج على زوجته ، تهيئ للزوجة الاستقرار في البيت ورعاية شئون الأسرة .

والرجل أقدر- بطبيعته- على السعي والكدح في سبيل تحصيل رزقه ، ورزق أسرته ؛ ليهيئ لها حياة سعيدة هانئة .

النساء قسمان :

قسم يفهم ويقدر قوامة الرجل على المرأة ، فيلتزم بما امر الله وهن الصالحات ، فالصالحات مطيعات لله ولأزواجهن ، حافظات لكل ما يغيب عن أزواجهن بسبب أمر الله بهذا الحفظ وتوفيقه لهم في القيام بواجبهن ، وهن يحفظن على الأزواج أموالهم وأعراضهم في جميع الحالات .

أما القسم الثاني من النساء :

فهو قسم مكابر يرغب في التعالي والخروج عن طاعة الزوج وقد شرع الإسلام العلاج لهذا النوع من النساء على النحو الآتي :

1- الوعظ والإرشاد ، والتوجيه ، والتذكير بما أمر الله ورسوله من طاعة الزوج ، والتزام أمره ، والتحذير من شماتة الأعداء وتصدع شمل الأسرة .

2- الهجر والإعراض في المضجع ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصد .

3- الضرب اليسير غير المبرح وهو ما كان بنحو سواك أو عصا صغيرة . وهو أمر معنوي أكثر منه حسي وهو خاص ببعض النساء ومن لا تستقيم بالوعظ ولا بالهجر ، ويجب ألا يكون الضرب قاسيا ولا شديدا . وبعض الناس لا يتقبل عقوبة الضرب . ونحن نشاهد هذه العقوبة في الجيش وفي غيره ! وليست هذه العقوبة لجميع الناس ، بل لفئة جاحدة لا تريد أن تخضع لقانون الله ولا أن تلتزم بشئون الأسرة .

فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا . أي : فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية ؛ فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها ، فابدءوا بما بدأ الله من الوعظ ، فإن لم يفد فبالهجر ، فإن لم يفد فبالضرب الخفيف غير مبرح ولا مهين ، عند التمرد ، فإذا لم يغن فليلجأ إلى التحكيم ، ومتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عن السرائر .

إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن ونلمح أن في نهاية الآية تهديدا ووعيدا لكل من يتكبر على زوجته ، أو ينتهز الفرصة لإذلالها والعدوان عليها ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وإذا دفعتك قوتك إلى ظلم غيرك ؛ فتذكر قدرة الله عليك وفي الحديث القدسي : '' يا عبادي ؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا'' .

ويقول الشاعر :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** الظلم شيمته يفضي إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم