مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ} (2)

المسألة الثانية : ذكروا في النفس اللوامة وجوها ( أحدها ) قال ابن عباس : إن كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة سواء كانت برة أو فاجرة ، أما البرة فلأجل أنها لم لم تزد على طاعتها ، وأما الفاجرة فلأجل أنها لم لم تشتغل بالتقوى ، وطعن بعضهم في هذا الوجه من وجوه ( الأول ) أن من يستحق الثواب لا يجوز أن يلوم نفسه على ترك الزيادة ، لأنه لو جاز منه لوم نفسه على ذلك لجاز من غيره أن يلومها عليه ( الثاني ) أن الإنسان إنما يلوم نفسه عند الضجارة وضيق القلب ، وذلك لا يليق بأهل الجنة حال كونهم في الجنة ، ولأن المكلف يعلم أنه لا مقدار من الطاعة إلا ويمكن الإتيان بما هو أزيد منه ، فلو كان ذلك موجبا للوم لامتنع الانفكاك عنه وما كان كذلك لا يكون مطلوب الحصول ، ولا يلام على ترك تحصيله ( والجواب ) عن الكل أن يحمل اللوم على تمني الزيادة ، وحينئذ تسقط هذه الأسئلة ( وثانيها ) أن النفس اللوامة هي النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى .

ثالثها : أنها هي النفوس الشريفة التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الطاعة ، وعن الحسن أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه ، وأما الجاهل فإنه يكون راضيا بما هو فيه من الأحوال الخسيسة ( ورابعها ) أنها نفس آدم لم تزل تلوم على فعلها الذي خرجت به من الجنة ( وخامسها ) المراد نفوس الأشقياء حين شاهدت أحوال القيامة وأهوالها ، فإنها تلوم نفسها على ما صدر عنها من المعاصي ، ونظيره قوله تعالى : { أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت } ( وسادسها ) أن الإنسان خلق ملولا ، فأي شيء طلبه إذا وجده مله ، فحينئذ يلوم نفسه على أني لم طلبته ، فلكثرة هذا العمل سمي بالنفس اللوامة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } واعلم أن قوله لوامة ، ينبئ عن التكرار والإعادة ، وكذا القول في لوام وعذاب وضرار .

المسألة الثالثة : اعلم أن في الآية إشكالات ( أحدها ) ما المناسبة بين القيامة وبين النفس اللوامة ، حتى جمع الله بينهما في القسم ؟ ( وثانيها ) المقسم عليه ، هو وقوع القيامة فيصير حاصلة أنه تعالى أقسم بوقوع القيامة ( وثالثها ) لم قال : { لا أقسم بيوم القيامة } ولم يقل : والقيامة ، كما قال في سائر السور ، والطور والذاريات والضحى ؟ ( والجواب ) عن الأول من وجوه ( أحدها ) أن أحوال القيامة عجيبة جدا ، ثم المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النفوس اللوامة . أعني سعادتها وشقاوتها ، فقد حصل بين القيامة والنفوس اللوامة هذه المناسبة الشدية ( وثانيها ) أن القسم بالنفس اللوامة تنبيه على عجائب أحوال النفس على ما قال عليه الصلاة والسلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ومن أحوالها العجيبة ، قوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقوله : { إنا عرضنا الأمانة إلى قوله وحملها الإنسان } وقال قائلون : القسم وقع بالنفس اللوامة على معنى التعظيم لها من حيث إنها أبدا تستحقر فعلها وجدها واجتهادها في طاعة الله ، وقال آخرون : إنه تعالى أقسم بالقيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة ، وهذا على القراءة الشاذة التي رويناها عن الحسن ، فكأنه تعالى قال : { أقسم بيوم القيامة } تعظيما لها ، ولا أقسم بالنفس تحقيرا لها ، لأن النفس اللوامة إما أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها ، وإما أن تكون فاسقة مقصرة في العمل ، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة .

وأما السؤال الثاني : فالجواب عنه ما ذكرنا أن المحققين قالوا : القسم بهذه الأشياء قسم بربها وخالقها في الحقيقة ، فكأنه قيل : أقسم برب القيامة على وقوع يوم القيامة .

وأما السؤال الثالث : فجوابه أنه حيث أقسم قال : { والطور ، والذريات } وأما هاهنا فإنه نفى كونه تعالى مقسما بهذه الأشياء ، فزال السؤال ، والله تعالى أعلم .