روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

{ لا إِكْرَاهَ في الدين } قيل : إن هذه إلى قوله سبحانه : { خالدون } ( 752 ) من بقية آية الكرسي ، والحق أنها ليست منها بل هي جملة مستأنفة جيء بها إثر بيان دلائل التوحيد للإيذان بأنه لا يتصور الإكراه في الدين لأنه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه والدين خير كله ، والجملة على هذا خبر باعتبار/ الحقيقة ونفس الأمر ، وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً ، وجوز أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذٍ إما عام منسوخ بقوله تعالى : { جاهد الكفار والمنافقين } [ التوبة : 37 ] وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى ، أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك وفي سبب النزول ما يؤيده ، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان ، وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله تعالى فيه ذلك » . وأل في ( الدين ) للعهد ، وقيل : بدل من الإضافة أي دين الله وهو ملة الإسلام ، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى ، ومن الناس من قال : إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبني الأمر على التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية نظير قوله تعالى : { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 92 ] وإلى ذلك ذهب القفال .

{ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } تعليل صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ والرشد بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر رشد بفتح الشين يرشد بضمها ، ويقرأ بفتح الراء والشين ، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض الغي وأصله سلوك طريق الهلاك ، وقال الراغب ، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد ، والغي اعتباراً بالأفعال ، ولهذا قيل : زوال الجهل بالعلم ، وزوال الغي بالرشد ، ويقال لمن أصاب : رشد ، ولمن أخطأ غوى ، ويقال لمن خاب : غوى أيضاً ، ومنه قوله :

ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره *** ومن يغو لم يعدم على الغي ( لائماً )

{ فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وبه قال مجاهد وقتادة وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن ، وعن أبي العالية أنه الساحر ، وعن مالك بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى ، وعن بعضهم الأصنام ، والأولى أن يقال بعمومه سائر ما يطغى ، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت ، واختلف فيه فقيل : هو مصدر في الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان وإلى ذلك ذهب الفارسي وقيل : هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير وإليه ذهب سيبويه وقيل : هو جمع وهو مذهب المبرد وقد يؤنث ضميره كما في قوله تعالى :

{ والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا } [ الزمر : 71 ] وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر الأول : الطغيان . والثاني : الطغوان ، وأصله على الأول : طغيوت ، وعلى الثاني : طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت ، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي أو للاتصال بلفظ الغي .

{ وَيُؤْمِن بالله } أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام { فَقَدِ استمسك } أي بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه { بالعروة الوثقى } وهي الإيمان قاله مجاهد أو القرآن قاله أنس بن مالك أو كلمة/ الإخلاص قاله ابن عباس أو الاعتقاد الحق أو السبب الموصل إلى رضا الله تعالى أو العهد ، وعلى كل تقدير يجوز أن يكون في العروة استعارة تصريحية واستمسك ترشيح لها أو استعارة أخرى تبعية ، ويجوز أن يجعل الكلام تمثيلاً مبنياً على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الحق الذي لا يحتمل النقيض بوجه أصلاً لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه من غير تعرض للمفردات ، واختار ذلك بعض المحققين ولا يخلو عن حسن ، وجعل العروة مستعارة للنظر الصحيح المؤدي للاعتقاد الحق كما قيل ليس بالحسن لأن ذلك غير مذكور في حيز الشرط أصلاً { لاَ انفصام لَهَا } أي لا انقطاع لها ، والانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح كما قال الفراء وفرق بعضهم بينهما بأن الأول : انكسار بغير بينونة ، والثاني : انكسار بها وحينئذٍ يكون انتفاء الثاني معلوماً من نفي الأول بالأولوية ، والجملة إما مستأنفة لتقرير ما قبلها من وثاقة العروة وإما حال من العروة ، والعامل ( استمسك ) أو من الضمير المستكن في ( الوثقى ) لأنها للتفضيل تأنيث الأوثق ، و{ لَهَا } في موضع الخبر { والله سَمِيعٌ } بالأقوال { عَلِيمٌ } بالعزائم والعقائد ، والجملة تذييل حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق لما فيها من الوعد والوعيد ، قيل : وفيها أيضاً إشارة إلى أنه لا بد في الإيمان من الاعتقاد والإقرار .

( ومن باب الإشارة والتأويل ) في الآيات : { لا إِكْرَاهَ في الدين } لأنه في الحقيقة هو الهدى المستفاد من النور القلبي اللازم للفطرة وهو لا مدخل للإكراه فيه { قَد تَّبَيَّنَ } ووضح { الرشد } الذي هو طريق الوحدة وتميز { مِنَ الغي } الذي هو النظر إلى الأغيار { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } وهو ما سوى الله تعالى { وَيُؤْمِن بالله } إيماناً حقيقياً شهودياً { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } التي هي الوحدة الذاتية { لاَ انفصام لَهَا } في نفسها/ لأنها الموافقة لما في نفس الأمر والممكنات والشؤون داخلة في دائرتها غير منقطعة عنها { والله سَمِيعٌ } يسمع قول كل ذي دين { عَلِيمٌ } [ البقرة : 256 ] بنيته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

قوله تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغنى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .

هذه الآية تتضمن قاعدة كبيرة من قواعد هذا الدين . وهي قاعدة مبعثها التقدير والإجلال للكتب والأديان السماوية التي جيء بها عند الله . ومبعثها كذلك رفض القسر والإكراه أن يكونا سبيلا لحمل الناس على الإيمان أو الالتزام بعقيدة الإسلام .

وعلى ذلك فغنه لا ينبغي للمسلمين أن يستكرهوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى على الدخول في الإسلام قهرا ، فقد استبان الرشد وهو الهداية وطريق الله المستقيم ومنهجه الحق ، واستبان كذلك الغيّ وهو الضلال وما يندرج فيه من مبادئ الكفر ومذاهب الباطل وفلسفات الفساد والعمَهْ .

بعدما تميز الحق من الباطل ، وحصحص الهدي ساطعا بلجا فإنه لا مساغ حينئذ للمسلمين أن يكرهوا الكافرين على الإيمان إكراها ، فإن الإكراه في مثل هذا الأمر لا يجدي ولا يأتي بخير ولا يفضي بالإيمان إلى القلوب عن طواعية واستسلام ، ولا بالقناعة والفكر إلى الأذهان والتصوّر عن تصديق وتثبّت ويقين .

إن الإسلام دين واضح متميز قائم على قواعد متينة من العقيدة الثابتة الصلبة ، وعلى قواعد من القناعات والأفكار والتصورات التي تتحقق عن طريق الحجة الدامغة المكشوفة والمنطق القوي المستبين . فلا داعي بعد ذلك أن يُحمل الناس على الإيمان قسرا وقهرا ؛ لأن ذلك سبيل الفارغين القساة الذين يقيمون حياتهم في الفكر أو الرأي أو المبدأ على أساس من التعصب الضيّق والأنانية المقيتة المنكمشة والتسلط الظالم الغاشم .

وثمة رأي ضعيف مرجوح حول هذه الآية بأنها منسوخة نسختها آية التكليف بمجاهدة الكفار والمنافقين ، فضلا عن إكراه النبي ( ص ) العرب المشركين على الإسلام وقتالهم دون أن يرضي منهم غير الدخول في الإسلام . والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة ، بل إنها نزلت في أهل الكتاب خاصة . وهم لا ينبغي إكراههم على الإسلام إذا أدوا ما عليهم من جزية . والذين يُكرهون على الإسلام أو القتال دون قبول الجزية منهم هم عبدة الأوثان أو من كان على شاكلتهم من ملحدين وإباحيين . وأولئك لا يستوجبون التكريم والاعتبار ؛ لأنهم باتوا بوثنيتهم وإلحادهم أولي عقول معطلة ، وطبائع شاذة لا يروق لها غير الحماقة والضلالة والسفه .

وقوله : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) من اسم شرط مبني على السكون . ( يكفر ) فعل الشرط . ( فقد استمسك ) جواب الشرط ، والفاء مقترنة به . والطاغوت من الفعل طغى يطغى ، وهو مأخوذ من الطغيان ، والطاغوت الكاهن والشيطان . وكل رأس في الضلال . وجمعه طواغيت وينسحب الطاغوت من حيث المراد به ليشمل كل سبب جرّ طغيانا . أو ما كان فيه إطغار للآخرين وإبعادهم عن صراط الله المستقيم . وذلك كشياطين الجن والإنس ، ثم الأوثان التي يتصور المخدوعون جدارتها أو قدسيّتها سوء كانت الأوثان من الأحجار أو الأموال أو الحكام والساسة أو غير ذلك مما خلا الله سبحانه .

والآية تقرر في وضوح قاطع أن من ندّد بتلك الطواغيت ثم حاربها وأعرض عنها مع الإيمان بالله إلها خالقا قادرا منفردا بكل خصائص الإلهية والربوبية فقد اعتصم ( بالعروة الوثقى ) وهي الإسلام . ذلك الدين القويم المتين الكامل الذي جعله الله شريعة للناس يهتدون بهديه في هذه الدنيا . والتعبير بالعروة يشي بقوة هذا الدين وصلابته وكماله . يعزز ذلك قوله تعالى : ( لا انفصام لها ) أي أن هذا الدين في قوته ومتانته وصلابته وتماسكه وكماله أشبه بالعروة القوية من الحديث الصلب الذي لا يقبل الانكسار أو التهشيم .

قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما تنطق به الشفاه والألسن ، ويعلم ما تكنّه القلوب والنوايا من معتقدات ومكنونات وأسرار .