روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (30)

{ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ } شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندارجاً أولياً . وتلوين الخظاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة والسلام قيل لأنها تكاليف متعلقة يأمور جزئية كثيرة الوقوع حرية بأن يكون الآمر بها والمتصدى لتدبيرها حافظاً ومهيمناً عليهم . وقيل : إن ذلك لما أن بعض المؤمنين جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمستدعي لأن يقول له ما في حيز القول .

فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال : والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى : { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ } { يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } ومفعول القول مقدر ، و { يَغُضُّواْ } جواب لقل لتضمنه معنى حرف الشرط كأنه قيل : إن تقل لهم غصوا يغضوا ، وفيه إيذان بأنهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة والسلام وأنه كالسبب الموجب له وهذا هو المشهور .

وجوز أن يكون { يَغُضُّواْ } جواباً للأمر المقدر المقول للقول . وتعقب بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيه ، وأيضاً الأمر للمواجهة و { يَغُضُّواْ } غائب ومثله لا يجوز ، وقيل عليه : إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل «من كانت هجرته » الحديث ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكياً بالقول لجواز التلوين حنيئذ وفيه بحث ، ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيهاً وهو على ما فيه خلاف الظاهر جداً ، وجوز الطبرسي . وغيره أن يكون { يَغُضُّواْ } مجزوماً بلام أمر مقدرة لدلالة { قُلْ } أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على المفعولية للقول ، وغض البصر إطباق الجفن على الجفن ، و { مِنْ } قيل صلة وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش ، وقال ابن عطية : يصح أن تكون من لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية . وتعقبه في البحر بأنه لم يتقدم مبهم لتكون من لبيان الجنس على أن الصحيح أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى ، والجل على أنها هنا تبعيضية ، والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ، وجعل الغض عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في الكشف كناية حسنة ، ثم أن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد فيها معفو عنها ، فقد أخرج أبو داود .

والترمذي . وغيرهما عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور ، وقال بعضهم :

كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر

والمرء ما دام ذا عين يقلبها *** في أعين العين موقوف على الخطر

كم نظرة فعلت في قلب فاعلها *** فعل السهام بلا قوس ولا وتر

يسر ن ظره ما ضر خاطره *** لا مرحباً بسرور عاد بالضرر

والظاهر أن الإرشاد لكل واحد من المؤمنين ولفظ الجمع لا يأبى ذلك ، والظاهر أيضاً أن المؤمنين أعم من العباد وغيرهم ، وزعم بعضهم جواز أن يكون المراد بهم العياد والمؤمنين المخلصين على أن يكون المعنى قل للمؤمنين الكاملين يغضوا من أبصارهم { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } أي عما لا يحل لهم من الزنا واللواطة ، ولم يؤت هنا بمن التبعيضية كما أتى بها فيما تقدم لما أنه ليس فيه حسن كناية كما في ذلك . وفي الكشاف دخلت { مِنْ } في غض البصر دون حفظ الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس للبيع والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين وأما أمر الفرج فمضيق ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما اشتثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه انتهى ، وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يقال المراد غض البصر عن الأجنبية والأجنبية يحل النظر إلى بعضها وأما الفرج فلا طريق إلى الحل فيه أصلاً بالنسبة إلى الأجنبية فلا وجه لدخول { مِنْ } فيه وفيه تأمل ، وقيل : لم يؤت بمن هنا لأن المراد من حفظ الفروج سترها .

فقد أخرج ابن المنذر . وجماعة عن أبي العالية أنه قال : كل آية يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ * { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } [ النور : 31 ] فهو أن لا يراها أحد ، وروي نحوه عن أبي زيد ، والستر مأمور به مطلقاً .

وتعقب بأنه يجوز الكشف في مواضع فلو جيء بمن لكان فيه إشارة إلى ذلك ، وتفسير حفظ الفروج هنا خاصة بسترها قيل لا يخلو عن بعد لمخالفته لما وقع في القرآن الكريم كما اعترف به من فسره بما ذكر .

واختار بعض المدققين أن المراد من ذلك حفظ الفروج عن الافضاء إلى ما لا يحل وحفظها عن الإبداء لأن الحفظ لعدم ذكر صلته يتناول القسمين ، وذكر أن الحفظ عن الابداء يستلزم الآخر من وجهين عدم خلوه عن الإبداء عادة وكون الحفظ عن الإبداء بل الأمر بالتستر مطلقاً للحفظ عن الإفضاء ، ومن هنا تعلم أن من ضعف ما روي عن أبي العالية . وابن زيد بعدم تعرض الآية عليه بحفظ الفرج عن الزنا لم يصب المحز .

{ ذلك } أي ما ذكر من الغض والحفظ { أزكى لَهُمْ } أي أطهر من دنس الريبة أو انفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد الزنا وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى وافعل للمبالغة دون التفضيل .

وجوز أن يكون للتفضيل على معنى أزكى من كل شيء نافع أو مبعد عن الريبة ، وقيل على معنى أنه أنفع من الزنا والنظر الحرام فانهم يتوهمون لذة ذلك نفعاً { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر واستعمال سائر الحواس وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذر منه عز وجل في كل ما يأتون وما يذرون .

ومن باب الإشارة :وقيل في قوله تعالى : { قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } [ النور : 30 ] الخ إن فيه أمراً بغض بصر النفس عن مشتيهات الدنيا وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة وبصر السر عن الدرجات والقربات وبصر الروح عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى وبصر الهمة عن أن يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له تعالى وإجلالاً ، وأمراً بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه ، والإشارة بأمر النساء بعدم إبداء الزينة إلا لمن استثنى إلى أنه لا ينبغي لمن تزين بزينة الإسرار أن يظهرها لغير المحارم ومن لم يسترها عن الأجانب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (30)

قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ( 30 ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين لعلكم تفلحون ( 31 ) } .

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بأن يكفوا أبصارهم عما حُرم النظر إليه فلا ينظروا إلا إلى ما أبيح النظر إليه .

ومن الحقائق البديهية أن البصر لهو أعظم سبيل يفضي إلى تحريك النفس من الداخل . فما تفتأ النفس ساكنة راقدة هادئة غير مفتونة حتى تؤزها فتنة الجسد المنظور . وطريق ذلك وسببه البصر . فإنه ينقل بوساطة الأعصاب الموصولة بالداخل ، حقيقة المنظر المؤثر لتفتتن به النفس وتميد . فلا جرم أن يكون الكف من البصر عن النظر إلى المحرمات سببا عظيما في انتفاء الفتنة أو التخفيف من شدتها وغلوائها .

ومن هنا يأتي تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات لمجرد التلذذ والشهوة . وفي ذلك جاء في الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ( ص ) : " إياكم والجلوس على الطرقات " قالوا : يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها . فقال رسول الله ( ص ) : " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه " قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : " غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " . فقد أمر بغض البصر من غير لزوم ولا حاجة تدعو للنظر إلا التلذذ والتشهي . فإن مثل هذا النظر مدعاة لتحريك الشهوة والافتتان من الداخل مع ما يصحب ذلك من تلهف القلب وشدة انشغاله ، ومن اضطراب الأعصاب وبالغ احترارها ، وفي هذه الغمرة من الفتنة تغيب عن النفس نعمة الراحة والسكون فتظل مفتتنة مشبوبة ، فضلا عما يفضي إليه ذلك من الرغبة اللحاحة في قضاء الوطر الأخير وهو الزنا .

وفي الصحيح عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( ص ) : " كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ؛ فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق ، وزنا الأذنين الاستماع ، وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى . والنفس تمنى وتشتهي . والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .

ولقد كان كثير من علماء السلف ينهون عن إدامة النظر إلى الأمرد لاحتمال الفتنة والغواية . فما ينبغي للمؤمن أن يديم النظر لوجه الأمرد دون حاجة ، دفعا للشيطان أن ينفخ في عروق الناظر فيحرك فيه كوامن الغريزة المستنيمة .

على أنه من خصائص الإسلام المميزة حرصه على الوقاية قبل العلاج ؛ فإن الوقاية لهي الأهم ؛ لأنها تحول دون التلبس بالفواحش والمنكرات . وعلى هذا فإن الإسلام ؛ إذ يهيمن بعقيدته وتشريعه على أمة ، يبادر في تبديد بواعث الفتنة والغواية والفساد من بين الناس . فما من سبب يفضي إلى المعصية أو الفاحشة إلا منعه الإسلام وحرمه تحريما قبل أن تقع المعصية أو الفاحشة نفسها . وفاحشة الزنا لا تقع بغتة إلا عقب أسباب ومقدمات وبواعث تؤول إلى الزنا نفسه . فكان من مسلمات المنطق حظر هذه الأسباب والمقدمات كيلا يقع الزنا نفسه . على أن الأسباب والمؤديات إلى الزنا كثيرة : أولها وأهونها وأيسرها النظر ؛ فهو السبب البسيط الأول الذي يطرق المشاعر والأعصاب لتأخذ الشهوة بعد ذلك في التحرك والاضطراب والتململ . ومن هنا جاء الأمر بغض البصر عن المحارم .

على أن النظر إلى النساء ، إن كان لغرض لا فتنة فيه فهو جائز ووجوه ذلك كثير ، منها : إذا أراد النكاح فله أن ينظر إلى وجه المرأة وكفيها . وذلك للخبر : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة " وقال المغيرة بن شعبة : خطبت امرأة فقال عليه السلام : " نظرت إليها ؟ " فقلت : لا . قال " فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما " .

ومنها : النظر إليها عند تحمل الشهادة . ولا ينظر حينئذ إلى غير الوجه لحصول المعرفة به .

ومنها : نظر الطبيب الأمين إليها من أجل المعالجة كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون .

ومنها : لو وقعت المرأة في غرق أو حرق ؛ فله أن ينظر إلى بدنها كي يخلصها .

قوله : ( من أبصارهم ) من ، لتبيين الجنس . والمقصود بها التبعيض وهو قول أكثر أهل العلم . وقيل : زائدة . وهو قول ضعيف{[3250]} .

قوله : ( ويحفظوا فروجهم ) وذلك بصونها من التهتك وسترها لئلا يراها من لا يحل له النظر إليها . والمراد حفظ الفروج عن سائر ما حرم الله ، من الزنا والمس والنظر . أما الوطء فهو أغلظ في النهي والتحريم .

قوله : ( ذلك أزكى لهم ) الإشارة عائدة إلى غض البصر وحفظ الفروج ؛ فإن ذلك أطهر للقلوب ، وأبعد من التدنس بالآثام أو الوقوع في الريبة .

قوله : ( إن الله خبير بما يصنعون ) ذلك تهديد من الله ووعيد للذين يقعون في المحظورات ، المخالفين عن أمر الله ، والمتلبسين فيما نهى عنه من النظر إلى الأجنبيات أو الاعتداء على أعراض المسلمين بمختلف الوجوه المحرمة . فإن الله عليم بذلك كله ، خبير بما يصنعون الآثمون والعصاة .


[3250]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 194.