روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

{ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } وهو الذي أحوجته شدة من الشدائد وألجأته إلى اللجاء والضراعة إلى الله عز وجل ، فهو اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة ، ويرجع إلى هذا تفسير ابن عباس له بالمجهود ، وتفسير السدي بالذي لا حول ولا قوة له ، وقيل : المراد بذلك المذنب إذا استغفر ، واللام فيه على ما قيل : للجنس لا للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر وكم من مضطر لإيجاب .

وجوز حمله على الاستغراق لكن الإجابة مقيدة بالمشيئة كما وقع ذلك في قوله تعالى : { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء } [ الأنعام : 41 ] ومع هذا كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الشخص : اللهم اغفر لي إن شئت ؛ وقال عليه الصلاة والسلام : " إنه سبحانه لا مكره له " ، والمعتزلة يقيدونها بالعلم بالمصلحة لإيجابهم رعاية المصالح عليه جل وعلا ، وقال «صاحب الفرائد » : ما من مضطر دعا إلا أجيب وأعيد نفع دعائه إليه إما في الدنيا وإما في الآخرة ، وذلك أن الدعاء طلب شيء فإن لم يعط ذلك الشيء بعينه يعط ما هو أجل منه أو إن لم يعط هذا الوقت يعط بعده اه .

وظاهره حمله على الاستغراق من دون تقييد للإجابة ، ولا يخفى أنه إذا فرت الإجابة بإعطاء السائل ما سأله حسبما سأل لا بقطع سؤاله سوا أكان بالإعطاء المذكور أم بغيره لم يستقم ما ذكره ، وقال العلامة الطيبي : التعريف للعهد لأن سياق الكلام في المشركين يدل عليه الخطاب بقوله تعالى : { وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء } والمراد التنبيه على أنهم عند اضطرارهم في نوازل الدهر وخطوب الزمان كانوا يلجأون إلى الله تعالى دون الشركاء والأصنام ، ويدل على التنبيه قوله تعالى : { مَّعَ الله قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن } قال «صاحب المفتاح » : كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله تعالى دون أصنامهم ، فالمعنى إذا حزبكم أمر أو قارعة من قوارع الدهر إلى أن تصيروا آيسين من الحياة من يحيبكم إلى كشفها ويجعلكم بعد ذلك تتصرفون في البلاد كالخلفاء { مَّعَ الله بَلْ } فلا يكون المضطر عاماً ولا الدعاء فإنه مخصوص بمثل قضية الفلك ، وقد أجيبوا إليه في قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } [ يونس : 22 ] الآية اه .

/ وأنت تعلم أنه بعيد غاية البعد ، ولعل الأولى الحمل على الجنس والتقييد بالمشيئة وهو سبحان لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ، والدعاء بشيء من قبيل أحد الأسباب العادية له فافهم { وَيَكْشِفُ السوء } أي يرفع عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه ، وقيل : الكشف أعم من الدفع والرفع ، وعطف هذه الجملة على ما قبلها من قبيل عطف العالم على الخاص ، وقيل : المعنى ويكشف سوءه أي المضطر ، أو ويكشف عنه السوء والعطف من قيل عطف التفسير فإن إجابة المضطر هي كشف السوء عنه الذي صار مضطراً بسببه وهو كما ترى .

{ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاء الارض } أي خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها بعدهم ، وقيل : المراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرأ الحسن . ونجعلكم . بنون العظمة { أَنَّ مَعَ الله } الذي هذه شؤونه ونعمه تعالى : { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً ، أو زماناً قليلاً تتذكرون فقليلا نصب على المصدرية ، أو على الظرفية لأنه صفة مصدر أو ظرف مقدر ، و ما مزيدة على التقديرين لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم ، أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى ، ومفعول { تَذَكَّرُونَ } محذوف للفاصلة ، فقيل : التقدير تذكرون نعمه ، وقيل : تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام ، وقيل : تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور ، ولعل الأولى نعمه المذكورة ، وللإيذان بأن المتذكر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه كان التذييل بنفي التذكر ، وقرأ الحسن . والأعمش . وأبو عمرو يذكرون بياء الغيبة ، وقرأ أبو حيوة تتذكرون بتاءين .

ومن باب الاشارة : { أَم مَّنْ يُجِيبُ المضطر } وهو المستعد لشيء من الأشياء { إِذَا دَعَاهُ } [ النمل : 62 ] بلسان الاستعداد وطلب منه تعالى ما استعد له ، وقال بعضهم : المضطر المستغرق في بحار شوقه تعالى

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (62)

قوله تعالى : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

الله الذي يسمع دعاء المكروبين والملهوفين والمظلومين من عباده . فما يجأر العبد إلى ربه بالدعاء في تضرع إليه وتذلل إلا كان الله في عونه ؛ إذ يستجيب له الدعاء .

وهو قوله : { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه } و { الْمُضْطَرَّ } ، من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء ، واضطره إليه ، أحوجه وألجأه ، فاضطر ، بضم الطاء ، والاسم الضرورة وهي الحاجة{[3455]} وعلى هذا فإن المضطر هو ذو الحاجة الملهوف الذي نزلت به نازلة كمرض أو فقر أو ظلم أو غير ذلك من وجوه النوازل التي تحيق بالمرء ، فتلجئه إلى التوجه لربه داعيا منكسرا لعله يكشف عنه البلاء . والله جلت قدرته خير راحم ومجيب يكفكف بقدرته ورحمته الضر والكرب عن المضرورين والمكروبين .

على أن الدعاء من العباد يأتي في الطليعة من ضروب العبادة والإنابة . والله سبحانه يحب من عبده أن يلح عليه في الدعاء راجيا متوسلا ، وهو سبحانه حقيق بالاستجابة والقبول . وثمة دعوات مستجابات لا ترد بل يستجيب الله لأصحابها الداعين بها فيكشف عنهم الكرب والسوء والهم ويحقق لهم الراحة والسلامة والسكينة . وفي الحديث الصحيح : " ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده " .

والمظلوم له في الدعاء شأن خاص ومميز ليكون دعاؤه مستجابا . ويستوي في ذلك كونه مؤمنا أو فاسقا أو كافرا ، فإن دعاءه مستجاب ؛ لكونه مظلوما قد حاق به ضرب من ضروب الظلم . ومن صفات الله ، العدل المطلق والرحمة الكاملة . وهو سبحانه لكامل عدله ورحمته ورأفته بالعباد ، يكره الظالمين الذين يجورون ويظلمون الناس ، وقد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما . وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى اليمن : " واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب " .

وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين " .

ومن حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر " .

قوله : { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ } أي يخلف بعضكم بعضا فيهلك قوما ويأتي بآخرين .

قوله : { أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ } استفهام إنكار وتوبيخ . أي هل من أحد سوى الله قادر على فعل ذلك من إنعام النعم وخلق الخلائق وإجابة الدعوات من المضطرين والمظلومين .

قوله : { قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ } { مَّا } ، اسم موصول . { قَلِيلًا } ، منصوب على أنه صفة لمصدر مقدر ، وتقديره : تذكرا قليلا يذكرون{[3456]}أي قليلا ما يتذكرون نعم الله .


[3455]:القاموس المحيط جـ 2 ص 77.
[3456]:البيان لابن الأنباري جـ2 ص 226.