روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (15)

{ المآب { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } تقرير وتثبيت لما فهم مما قبل من أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا ، والمراد من الإنباء الإخبار و { ذلكم } إشارة إلى المذكور من النساء وما معه ، والقراء فيما إذا اجتمع همزتان ، أولاهما : مفتوحة ، والثانية : مضمومة ، كما هنا وكما في سورة ص ( 8 ) { أَءنزِلَ } وسورة القمر ( 52 ) { أألقى } على خمس مراتب : إحداها : مرتبة قالون وهي تسهيل الثانية بين بين وإدخال ألف بين الهمزتين . الثانية : مرتبة ورش وابن كثير وهي تسهيل الثانية أيضاً بين بين من غير إدخال ألف بينهما . الثالثة : مرتبة الكوفيين وابن ذكوان عن ابن عامر وهي تحقيق الثانية من غير إدخال ألف . الرابعة : مرتبة هشام وهي أنه روي عنه ثلاثة أوجه : الأول : التحقيق وعدم إدخال ألف بين الهمزتين . الوجه الثاني : التحقيق وإدخال ألف بينهما في السور الثلاث . الوجه الثالث : / التفرقة بين السور فيحقق ويقصر هنا ويمد في الأخيرتين . الخامسة : مرتبة أبي عمرو وهي تسهيل الثانية مع إدخال الألف وعدمه ؛ والظرف الأول : متعلق بالفعل قبله . والثاني : متعلق بأفعل التفضيل ولا يجوز أن يكون صفة كما قال أبو البقاء لأنه يوجب أن تكون الجنة وما فيها مما رغبوا فيه بعضاً لما زهدوا عنه من الأموال ونحوها .

وقوله تعالى : { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات } استئناف مبين لذلك الخير المبهم على أن { لِلَّذِينَ } خبر مقدم ، و { جنات } مبتدأ مؤخر ، و { عِندَ رَبّهِمْ } يحتمل وجهين كونه ظرفاً للاستقرار وكونه صفة للجنات في الأصل قدم فانتصب حالاً منها ، وفي ذكر ذلك إشارة إلى علو رتبة الجنات ورفعة شأنها ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين إيذان بمزيد اللطف بهم ، والمراد منهم المتبتلون إليه تعالى المعرضون عمن سواه كما ينبئ عن ذلك الأوصاف الآتية وتعليق حصول الجنات وما يأتي بعد بهذا العنوان للترغيب في تحصيله والثبات عليه ، وجوز أن تكون اللام متعلقة بخير أيضاً أو بمحذوف صفة له ، و جنات حينئذٍ خبر لمحذوف أي هي جنات والجملة مبينة لخير و عند ربهم حينئذٍ إما أن يتعلق بالفعل على معنى ثبت تقواهم عنده شهادة لهم بالإخلاص ، وجاز أن يجعل خبراً مقدماً فلا يحتاج إلى حذف المبتدأ ، واعترض بأنه يقال : عند الله تعالى الثواب ولا يقال عند الله تعالى الجنة ، وبذلك يصرح كلام السعد وغيره وفي النفس منه شيء وقرئ جنات بكسر التاء وفيه وجهان : أحدهما : أنه مجرور على البدلية من لفظ خير وثانيهما : أنه منصوب على إضمار أعني مثلاً أو البدلية من محل بخير { تَجْرِى } في محل الرفع أو النصب أو الجر صفة لجنات على القراءتين { مِن تَحْتِهَا الأنهار } تقدم ما فيه { خالدين فيها } حال مقدرة من المستكن في للذين والعامل ما فيه من معنى الاستقرار ، وجوز أبو البقاء كونه حالاً من الهاء في تحتها أو من الضمير في اتقوا ولا يخفى ما فيه .

{ وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } أي منزهة مما يستقذر من النساء خَلْقاً وخُلُقاً ، والعطف على جنات على قراءة الرفع وأما على قراءة النصب فلا بدّ من تقدير لهم في الكلام { ورضوان } أي رضا عظيم على ما يشعر به التنوين ، وقرأه عاصم بضم الراء وهما لغتان وقراءتان سبعيتان في جميع القرآن إلا في قوله تعالى : { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام } [ المائدة : 16 ] فإنه بالكسر بالاتفاق ، وقيل : المكسور اسم ، والمضموم مصدر ، وهو قول لا ثبت له { مِنَ الله } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلاً ويعاقب المسىء عدلاً ، أو خبير بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعدّ لهم ما أعدّ ، فالعباد على الأول : عام ؛ وعلى الثاني : خاص ، وقد بدأ سبحانه في هذه الآية أولاً بذكر الْمَقَرّ وهو الجنات ، ثم ثَنى بذكر ما يحصل به الأنس التام وهو الأزواج المطهرة ، ثم ثلث بذكر ما هو الإكسير الأعظم والروح لفؤاد الواله المغرم وهو رضا الله عز وجل . وفي الحديث : أنه سبحانه «يسأل أهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول جل شأنه ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً » .

هذا ( من باب الإشارة ) :{ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } المذكور { لّلَّذِينَ اتقوا } النظر إلى الأغيار { جنات } جنة يقين وجنة مكاشفة وجنة مشاهدة وجنة رضا وجنة لا أقولها وهي التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وليس في تلك الجنة عند العارفين إلا الله عز وجل { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أنهار التجليات المترعة بماء الغيوب { خالدين فيها } ببقائهم بعد فنائهم { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } وهي الأرواح المقدسة عن أدناس الطبيعة المقصورة في خيام الصفات الإلهية { ورضوان مّنَ الله } لا يقدر قدره { والله بَصِيرٌ بالعباد } [ آل عمران : 15 ] في تقلب أرواحهم في عالم الملكوت محترقات من سطوات أنوار الجبروت حباً لجواره وشوقاً إلى لقائه يجازيها بقدر همومها في طلب وجهه الأزلي وجماله الأبدي

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّـٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (15)

قوله تعالى : ( قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد ) الهمزة الأولى في قوله : ( أؤنبئكم ) تفيد الاستفهام ، والمعنى هل أنبئكم بخير من ذلكم ؟ أي مما ذكر من وجوه المتاع والزينة في هذه الحياة الصائرة إلى الزوال . والجواب ( للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) الجنات جمع ومفرده الجنة . وهي في لغة العرب تعني البستان{[419]} . وذلك الذي يستطيع الحس البشري أن يتصوره عن معنى البستان حيث الأشجار الكثيفة بأغصانها وأوراقها وجذوعها وثمارها وظلالها ، لكن ذلك يظل في مقياس هذه الدنيا قاصرا وهينا ومحدودا . بل إنه غاية في الهوان والبساطة بقدر ما تقوم عليه الحياة كلها من محقرات وصغائر أجل إن الجنة في مفهومها الدنيوي وفي حس الإنسان وتصوره ليست غير لعقة من زبد مهين . زبد يمر ويتبدد بلا حساب . أو ينقشع انقشاع السراب من على سطح القفار والمفاوز .

قال ابن كثير في بيان الجنات التي تجري من تحتها الأنهار : أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء . وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

قوله : ( خالدين فيها ) أي ماكثين فيها أبدا الآباد من غير خروج منها ولا تحول عنها .

قوله : ( وأزواج مطهرة ورضوان من الله ) هذه واحدة من خير النعم التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة ، لا جرم أن خير النعم التي يحظى بها المؤمن في حياته هي الزوجة الصالحة ، وفي هذا المعنى من لطائف الزوجة الصالحة يقول الرازي : إن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن . ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب فقال : ( مطهرة ) ويدخل في ذلك : الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة ، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة{[420]} .

قوله : ( ورضوان من الله ) الرضوان بكسر الراء وضمها أي رضا الله وهو مصدر والرضاء اسم{[421]} والرضوان هو أعلى منازل الكرامة لأهل الجنة ، بل إن الرضوان من الله يكتبه لعباده المؤمنين الجنة لا جرم أنه خير ما عرفته الكائنات من لذائذ وطيبات ، وخير ما حفل به هذا الكون المديد من مباهج وخيرات حسان .

جاء في ظلال القرآن قوله في هذا الصدد : ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع . هنالك ( رضوان من الله ) رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما . ويرجح . . . رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان{[422]} .

نسأل الله جلت قدرته أن يمن علينا بفيض من رضوانه الكريم الغامر وأن يحشرنا في زمرة الأتقياء الأوفياء .

قوله : ( والله بصير بالعباد ) أي خبير بهم وبأحوالهم وأفعالهم فيثيب المحسن فضلا ويعاقب المسيء عدلا . وفي جملة ذلك وعد ووعيد ، فهو وعد من الله لعباده المؤمنين المخلصين بإحلالهم الدرجات من التكريم والنعيم . ووعيد منه للفاسقين والجاحدين والعصاة بإركاسهم في الأذلين ليبوؤوا بسخط الله وعذابه{[423]} .


[419]:- مختار الصحاح ص 114.
[420]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 216 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 352 وتفسير البيضاوي ص 68.
[421]:- مختار الصحاح ص 246
[422]:- في ظلال القرآن جـ 3 ص 375.
[423]:- رواح المعاني للأولوسي جـ 2 ص 101 وتفسير الطبري جـ 3 ص 207.