{ وهى مائتا آية }أخرج ابن الضريس والنحاس والبيهقي من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنها نزلت بالمدينة واسمها في التوراة ، كما روى سعيد بن منصور طيبة وفي صحيح مسلم تسميتها والبقرة الزهراوين ، وتسمى الأمان ، والكنز والمعنية ، والمجادلة ، وسورة الاستغفار .
ووجه مناسبتها لتلك السورة أن كثيرا من مجملاتها تشرح بما في هذه السورة وأن سورة البقرة بمنزلة إقامة الحجة وهذه بمنزلة الشبهة ؛ ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقية الكتاب من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله الهدى الذي الصراط المستقيم ، وتكررت آية { قولوا آمنا بالله وما أنزل } بكمالها ؛ ولذلك ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك أو لازم له ، فذكر هناك خلق الناس وذكر هنا تصويرهم في الأرحام ، وذكر هناك مبدأ خلق آدم وذكر هنا مبدأ أولاده ، وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى ولذلك ضرب له المثل بآدم ، واختصت البقرة بآدم ؛ لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق ولأنها الأصل ، وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب ، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا وأنكروا وجود ولد بلا أب ففوتحوا بقصة آدم لتثبت في أذهانهم فلا تأتى قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوما لتتم الحجة بالقياس فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقديم وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين الصورتين أنه قال في البقرة في صفة النار : { أعدت للكافرين } مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا وقال في آخر هذه : { وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة . ومما يقوى المناسبة والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك ؛ لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون وختمت هذه بقوله تعالى : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } وافتتحت الأولى بقوله سبحانه : { الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وختمت آل عمران بقوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم } ، وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل { من ذا الذي يقرض الله } الآية : يا محمد افتقر ربك يسأل عباده القرض فنزل { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } وهذا مما يقوى التلازم أيضا ، ومثله أنه وقع في البقرة حكاية قول إبراهيم : { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم } الآية وهنا { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } الآية الذي غير ذلك .
قرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم بسكون الميم ، وقطع الهمزة ولا إشكال فيها ؛ لأن طريق التلفظ فيما لا تكون من هذه الفواتح مفردة كص ولا موازنة المفرد كحم ، حسبما ذكر في الكتاب الحكاية فقط ، ساكنة الأعجاز على الوقف سواء جعلت أسماء ، أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف قطعاً ، ولذا ضعفت قراءة عمرو بن عبيد بكسر الميم ، والجمهور يفتحون الميم ويطرحون الهمزة من الاسم الكريم قيل : / وإنما فتحت لإلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت ؛ لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج ، فإن الميم في حكم الوقف كقوله : واحد اثنان لا لالتقاء الساكنين كما قال سيبويه ، فإنه غير محذور في باب الوقف ، ولذلك لم تحرك في لام وإلى ذلك ذهب الفراء وفي «البحر » إنه ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل وما يسقط لا تلقى حركته كما قاله أبو علي . وقولهم : إن الميم في حكم الوقف ، وحركتها حركة الإلقاء مخالف لإجماع العرب ، والنحاة أنه لا يوقف على متحرك ألبتة سواء في ذلك حركة الإعراب والبناء والنقل والتقاء الساكنين والحكاية والإتباع فلا يجوز في { قَدْ أَفْلَحَ } [ المؤمنون : 1 ] إذا حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى الدال أن تقف على دال { قَدْ } بالفتحة بل تسكنها قولاً واحداً ، وأما تنظيرهم بواحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال ، فإن سيبويه ذكر أنهم يشمون آخر واحد لتمكنه ولم يحك الكسر لغة فإن صح الكسر فليس واحد موقوفاً عليه كما زعموا ، ولا حركته حركة نقل من همزة الوصل ولكنه موصول بقولهم : اثنان فالتقى ساكنان دال واحد ، وثاء اثنين فكسرت الدال لالتقائهما وحذفت الهمزة ؛ لأنها لا تثبت في الوصل ، وأما قولهم : إنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يحرك في لام ، فجوابه أن الذي قال : إن الحركة لالتقاء الساكنين لم يرد بهما التقاء الياء والميم من ( ألم ) في الوقف ، بل أراد الميم الأخير من ألم ولام التعريف فهو كالتقاء نون من ، ولام الرجل إذا قلت من الرجل ؟ على أن في قولهم تدافعاً ، فإن سكون آخر الميم إنما هو على نية الوقف عليها وإلقاء حركة الهمزة عليها إنما هو على نية الوصل ، ونية الوصل توجب حذف الهمزة ، ونية الوقف على ما قبلها توجب ثباتها وقطعها ، وهذا متناقض ؛ ولذا قال الجاربردي : الوجه ما قاله سيبويه ، والكثير من النحاة أن تحريك الميم لالتقاء الساكنين واختيار الفتح لخفته وللمحافظة على تفخيم الاسم الجليل ، واختار ذلك ابن الحاجب وادعى أن في مذهب الفراء حملاً على الضعيف ، لأن إجراء الوصل مجرى الوقف ليس بقوي في اللغة .
وقال غير واحد : لا بد من القول بإجراء الوصل مجرى الوقف ، والقول : بأنه ضعيف غير مسلم ، ولئن سلم فغير ناهض لأنه قوي في ما المطلوب منه الخفة كثلاثة أربعة وههنا الاحتياج إلى التخفيف أمسّ ولهذا جعلوه من موجبات الفتح ، وإنما قيل ذلك ؛ لأن هذه الأسماء من قبيل المعربات وسكونها سكون وقف لا بناء وحقها أن يوقف عليها ، و{ الم } رأس آية ثم إن جعلت اسم السورة فالوقف عليها لأنها كلام تام وإن جعلت على نمط التعديد لأسماء الحروف إما قرعاً للعصا أو مقدمة لدلائل الإعجاز فالواجب أيضاً القطع والابتداء بما بعدها تفرقة بينها وبين الكلام المستقل المفيد بنفسه فإذن القول بنقل الحركة هو المقبول ؛لأن فيه إشعاراً بإبقاء أثر الهمزة المحذوفة للتخفيف المؤذن بالابتداء والوقف ولا كذلك القول بأن الحركة لالتقاء الساكنين ، وحيث كانت حركة الميم لغيرها كانت في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم لئلا يلزم المحذر وكلام الزمخشري في هذا المقام مضطرب ففي «الكشاف » اختار مذهب الفراء ، وفي «المفصل » اختار مذهب سيبويه ، ولعل الأول : مبني على الاجتهاد والثاني : على التقليد والنقل لما في «الكتاب » لأن المفصل مختصره فتدبر .
وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالفواتح من حيث الإعراب وغيره ، وفيه كفاية لمن أخذت العناية بيده
هذا ( ومن باب الإشارة ) في الآيات : { الم } [ آل عمران : 1 ] تقدم الكلام عليه ، وذكر بعض ساداتنا فيه أنه أشير به إلى كل الوجود من حيث هو كل لأن ( أ ) إشارة إلى الذات الذي هو أول الوجود وهو مرتبة الإطلاق ، و ( ل ) إلى العقل المسمى بجبريل الذي هو وسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ ويفيض إلى المنتهى ، و ( م ) إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو آخر الوجود ، وبه تتم دائرته ولهذا كان الختم ، وقال بعضهم : إن ( ل ) ركبت من ألفين أي وضعت بإزاء الذات مع صفة العلم اللذين هما عالمان من العوالم الثلاثة الإلهية التي أشرنا/ إليها فهو اسم من أسمائه تعالى ، وأما ( م ) فهي إشارة إلى الذات مع جميع الصفات والأفعال التي احتجبت بها في صورة المحمدية التي هي اسم الله تعالى الأعظم بحيث لا يعرفها إلا من يعرفها ألا ترى أن ( أ ) التي هي لصورة الذات كيف احتجبت فيها فإن الميم فيها الياء وفي الياء ألف ولتضمن { الم } الإشارة إلى مراتب الوجود والحقيقة المحمدية ناسب أن تفتتح بها هذه الآيات المتضمنة للرد على النصارى الذين أخطأوا في التوحيد ولم يعرفوه على وجهه ، ولهذا أردفه سبحانه بقوله : { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } .
هذه السورة مدنية من غير خلاف ، وفي فضلها وعظيم قدرها مع سورة البقرة يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : " تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان{[1]} يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان " {[2]} .
وقد تضمنت هذه السورة فيضا من المعاني والمشاهد والمواقف والأحكام مما نعرض له بمشيئته الله وعونه وكلاءته في هذا التفسير .
ويأتي في طليعة ذلك كله الحديث عن حروف التهجي ، وهي الألف واللام والميم . وهذه واحدة من فواتح السور المبدوءة بها سورتنا هذه .
ومن مضامين هذه السورة أيضا إطراؤها للكتب السماوية الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والفرقان . وأن هذه الكتب قد جيء بها لبني البشر من أجل هدايتهم وترشيدهم ، وكيما يمضوا في هذه الحياة آمنين سالمين أخيار وقد أظلتهم أفياء الخير والمودة والعيش المطمئن الراغد .
وفي السورة بيان بأن هذا الكتاب الحكيم شطران ، أحدهما : آيات محكمات أي واضحات مستبينات . وهذا الشطر الأعظم من كتاب الله لا جرم أنه المتسع الأكبر لكل قضايا الدين والدنيا ، وأنه المعين الفياض الذي تستمد منه البشرية على مر الزمن كل معاني الخير والهداية ، وعامة قضايا الحكمة والمعرفة والتشريع .
ثانيهما : آيات متشابهات . أي غير واضحات من حيث معناها أو المراد منها ، بل هن محتملات مجملات لا يظهر مقصودها إلا بالنظر والتمحيص البالغين ، وإنما يناط ذلك بنخبة من أولي العلم والنظر ليبذلوا قصارى تفكيرهم واجتهادهم عسى أن يقفوا على المراد من مثل هذه الآيات المتشابهات .
وفي هذا الصدد يحذر الله سبحانه من فريق متحذلق يصطنع العلم والمعرفة اصطناعا . أولئك الذين يخوضون في كلام الله بغير حق ولا بصيرة ، والذين تلوك ألسنتهم مقالات التحريف والفتنة متذرعين بالظواهر لمثل هذه الآيات المتشابهان بقصد أو بغير قصد . وفي ذلك من الفتنة والتضليل وتشويش الأذهان ما لا يخفى .
وتذكر السورة بما جبل عليه الإنسان من ميل للشهوات الحقيقية ، الشهوات الأساسية المركوزة التي غالبا ما تأسر أعصاب الإنسان وعقله أسرا ، وهو بدوره يجنح خلفها جنوحا إلا أن يكون له زاد ضخم ورصين من اعتصام كإرادة صلبة مكينة ، أو عقيدة راسخة متينة تمسك بزمام الإنسان كله لتسلك به مسالك الخير والنجاة ، فلا يضل أو يزل أو يتردى .
وفي طليعة هذه الشهوات حب النساء . لا جرم أن ذلك حب راسخ ومفطور ، بل إن إحساس بالغ ومستكن لا مندوحة للإنسان عن مراعاته تمام المراعاة ، ولكن في غاية من الاهتمام والاتزان ومن غير تسيب في ذلك ولا فوضى ، وكلمة الإسلام في ذلك لهي خيرا ما عرفته البشرية في هذا الصدد . وهو ما نعرض له في حينه لدى الكلام عن تفسيره هذه الآية .
وكذلك حب البنين . وهم الأولاد والأحفاد ، فلذات الأكباد . وهو بعض آبائهم وأمهاتهم ؛ بل غنهم جزء من كيانهم العضوي والعقلي والروحي ، فلا يبرح المرء- ذكرا أو أنثى- حتى تراوده موجة الحب والحنين لولده ، فضلا عن استئثار البنين بالاعتبار الظاهر لدى العرب ، وهم يجدون في أبنائهم وسيلة للتعضيد والظهور في زحمة الواقع .
وكذلك حب المال . فإنه يستأثر بالنسبة الكبرى لحب البشرية وولعها بالدنيا ولذائذها وزخارفها . لا جرم أن حب المال قد استحوذ على قلب الإنسان وعلى طبعه وأعصابه ، فبات بذلك رهين هذه الشهوة الراسخة اللحاحة ، بل إن الإنسان على اختلاف أجناسه وتصوراته ومعتقده لا يبرح قلبه حب المال والرغبة المستديمة في الاستزادة من أكداسه الطائلة المركومة .
وتتضمن السورة الكريمة أيضا هذا القرار الرباني الحاسم . القرار الإلهي الأعظم الذي لا يخالطه شيء من ريبة أو زيغ . وإنما هو القرار الكامل الأمثل الذي يضع البشرية على الطريق السوي المتوازن ، بل يضعها على المحجة الناصعة المستقيمة ، المحجة السليمة من أي خلل أو اعوجاج ، وذلك بعد أن استكملت البشرية دورتها في عجلة الحياة السائرة الدائرة ، فاستقر بها الشأن إلى حال مكتمل من الثبات والتوازن والاعتدال . وهي في ذلك إنما يصلح حالها كله في ظل الإسلام الذي قرره الله للبشرية دينا كاملا شاملا طيلة حياتها الدنيا هذه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . ذلكم هو القرار الكوني المجلجل الذي كتبه الله لعباده إذ جعل لهم الإسلام وحده دينهم المميز الأمثل ليرسم للبشرية من خلاله حياتها الكريمة الفضلى . حياة حافلة بالخير والعدل والنجاة والرحمة . فقال عز من قائل : ( إن الدين عند الله الإسلام ) .
وتتضمن السورة كذلك جملة اصطفاءات ربانية مميزة ، أولها اصطفاء آدم أبي البشر إذ خلقه الله من تراب على نحو مغاير للكيفية التي خلق بها بقية البشر حيث التناكح والإنجاب . ثم نوح ، وهو الأب الثاني للبشر بعد أن أهلك الله السالفين لما كفروا ولجوا بالجحود والعناد فأخذهم الطوفان الهادي فغرقهم تغريقا .
ثم آل إبراهيم . هذا النبي العظيم الخليل الذي جعل الله في ذريته النبوة فكان فيهم النبيون والمرسلون من بني إسرائيل . وهذا النبي خاتمهم الأكرم محمد صلى الله عليه و سلم .
وكذلك آل عمران إذ جعل الله من نسله خير نساء العالمين . تلك المرأة الطاهرة البتول الفضلى ( وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) هذه المرأة المبرأة المصون ، عنوان الطهر والعفاف ، قد كتب الله أن تحقق من خلالها معجزته العجيبة الخالدة بولادتها المسيح من غير أب ليكون نبيا وسيدا وحصورا .
وتتضمن السورة أيضا تقريرا لحقيقة راسخة ثابتة ، وهي انتفاء اليهودية والنصرانية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام لتقرر في مقابل ذلك أن خليل الله إنما كان حنيفا مسلما ، أي أنه كان على فطرة التوحيد الخالص الذي لا يخالطه ذرة من إشراك ، خلافا لليهودية والنصرانية اللتين خالطهما الشرك على اختلاف صورة سواء في ذلك عبادة بعض النبيين أو الأشخاص أو غيرهم من أشكال الهوى .
وتتضمن السورة أيضا إظهارا لشأن البيت الحرام حيث الكعبة المعظمة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا . وفي هذا الصدد من تكريم الكعبة وإطرائها يأتي ذكر الحد إذ جعله الله فرضا على كل مسلم قادر عاقل بالغ مستطيع .
ومما تضمنته هذه السورة كغيرها من السور الكثيرة المدنية قصة بني إسرائيل مع الأمم على امتداد الأحقاب والأدهار . وهي قصة لا جرم أنها طويلة ومريرة ومثيرة للدهش والتعجب ، إنها قصة الكيد للبشرية والتآمر عليها في قيمنها ومقوماتها وعظمائها من النبيين والمصلحين . وقد تجلى ذلك في صور شتى من ألوان الكيد ما بين قمع وقتل وتدمير وإبادة . إلى غير ذلك من وجوه السلب للخيرات والثروات واغتصاب الديار والأوطان وتشويه المبادئ والحقائق والأديان ونشر الفوضى والإرهاب والترويع والفساد ، يضاف إلى ذلك أيضا كيد الصليبية الحاقدة الظالمة ، الصليبية المتربصة المتعصبة التي لا تقيم وزنا لدين من أديان السماء ، ولا لقيمة من قيم الحق والإنسانية ، إلا التعصب الفاجر الأعمى ، والحقد الأسود المركوم ، الحق الذي يتخلل النفسية الغربية فيشوبها بشائبة الكراهية المقيتة للإسلام والمسلمين .
وتتضمن السورة أيضا قصة أحد وما حوته هذه المعركة من دروس جليلة مستفادة ما كان ينبغي أن تغيب عن أهان المسلمين في يوم من الأيام ، ويأتي في طليعة ذلك أن النصر المنزل من عند الله إنما يكتبه الله لعباده الأبرار الذين أخلصوا دينهم وسائر أعمالهم لله وحده ، فلم يخالطهم في ذلك أيما توجه نحو لعاعة من لعاعات الدنيا أو حظوة من حظواتها ، كالمال أو الجاه أو السلطان أو غير ذلك من وجوه الشهوة والهوى .
وغير ذلك من المواضيع والمسائل والمعاني كثير نقف عليه غي حينه إن شاء الله .
قال المفسرون في نزول صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية : قدم وفد من نصارى نجران على رسول الله صلى الله عليه و سلم وكانوا ستين راكبا وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم . ومن بينهم ثلاثة نفر يئول إليهم أمرهم ، وهم : أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وهو عبد المسيح : ثم إمامهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم ، ثم أبو حارثة بن علقمة وهو أسقفهم وحبرهم ، فقد قدموا جميعا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ودخلوا مسجده حين صلى العصر وكان ذلك في السنة التاسعة للهجرة ، ولما حانت صلاتهم قاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال رسول الله : " دعوهم " فصلوا إلى المشرق ، فكلم أميرهم عبد المسيح وإمامهم الأيهم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أسلما " فقالا : قد أسلمنا قبلك . قال : " كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير " قالا : إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه ؟ وخاصموه جميعا في عيسى ، فقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم : " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ " قالوا : بلى ، قال : " ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى أتى عليه الفناء ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه ؟ " قالوا : بلى . قال : " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ " قالوا : لا . قال : " فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ؟ " قالوا : بلى . قال : " ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غذي كما يغذي الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ " قالوا : بلى . قال : " فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ " فسكتوا ، فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها{[3]} .
بينا سابقا أن هذا السورة حافلة بالمعاني الزاخرة والمشاهد والأحكام الظاهرة مما نعرض لكل من ذلك في حينه بعون الله .
قوله تعالى : ( ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) .
نبادر هنا بالحديث عن الأحرف الهجائية الثلاثة التي بدئت بها هذه السورة وهي الألف واللام والميم على نحو ما بيناه في سورة البقرة عن هذه المسألة .
وهذه الأحرف الثلاثة واحدة من فواتح السور التي بدئ بها كثير من سور الكتاب الحكيم ، على أن الكلام في تفصيل هذه الأحرف الفواتح طويل مما هو موضع تفصيل وخلاف بين العلماء . حتى إن تأويل ذلك قد بلغ من الأقوال بضعا وعشرين وهي أقوال يميزها العمق والتباين والتفاوت{[383]} لكننا نقتضب منها أقوالا ثلاثة هي :
القول الأول : وهو أن مثل هذا العلم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به . وقد ذهب إلى ذلك فريق من الصحابة وآخرين . وفي هذا الصدد يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر . وسره في القرآن أوائل السور .
وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي .
وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه . وروي عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها . وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه ، لكن أهل الكلام أنكروا هذا القول وقالوا : لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق ، واحتجوا على ذلك بالآيات والأخبار والمعقول{[384]} .
القول الثاني : وهو قول قطرب . وهو أن الكفار لما قالوا : ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) وتواصوا بالإعراض عنه ، أراد الله تعالى أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبب لإسكاتهم واستماعهم لما يرد عليه من القرآن ، فأنزل الله تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين : اسمعوا إلى ما يجيء به محمد صلى الله عليه و سلم : فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن ، فكان ذلك سببا لاستماعهم واسترعاء أذهانهن وقلوبهم{[385]} .
ومثل هذا القول معقول وسديد إذا أدركنا ما كان يجده العرب الأقدمون من روعة اللمس والتأثير وهم يتسمعون للقرآن في أول مرة ، فما كانوا يتسمعون لهذا الكلام الحكيم الفذ إلا وهو يجدون برد الإيقاع العجيب يمس قلوبهم ومشاعرهم مسا . ومن أجل ذلك تواصوا فيما بينهم أن يبادروا بالتشويش من لغط الكلام الفارغ اللاغي ما يحول بين القرآن وعقولهم ، حتى بودروا بمثل هاتيك الفواتح من حروف التهجي فما استوقفهم استيقافا ونشر في قلوبهم وأفكارهم غاشية من الوجوم الغامر المذهل . فما كانوا لينصتوا ويستمعوا حتى تفجأهم ألفاظ القرآن بسحائب كثاف مجلجلة من البهر القارع والجمال المستحوذ الأخاذ{[386]} .
القول الثالث : وهو قول المبرد وكثير من المحققين ، إذ قالوا : إن الله تعالى إنما مثل هذه الفواتح احتجاجا على الكفار . وذلك أن الرسول صلى الله عليه و سلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن ، أو بعشر سور ، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيها على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف ، وأنتم قادرون عليها ، وعارفون بقوانين الفصاحة ، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن . فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله وليس من عند البشر{[387]} .
ومثل هذا التأويل لا يقل –في نظري- سدادا ومعقولية عن التأويل الثاني السابق ؛ لما في ذلك من استنهاض للوجدان والحس والذهن جميعا كيما يصحو على الحقيقة الساطعة البلجة الماثلة للفطرة السليمة في هذا الكلام المعجز .