{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } بيان لبعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة ، وفيه إشارة إلى كمال العناية بالحكم المذكور ، والمراد من الأكل سائر التصرفات ، وعبر به لأنه معظم المنافع ، والمعنى لا يأكل بعضكم أموال بعض ، والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم قاله السدي وهو المروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه ، وعن الحسن هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض . وأخرج عنه وعن عكرمة بن جرير أنهما قالا : كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور ( 61 ) { وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } الآية ، والقول الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلاً بالباطل ، وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية : إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، و { بَيْنِكُمْ } نصب على الظرفية ، أو الحالية من ( أموالكم ) { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } استثناء منقطع ، ونقل أبو البقاء القول بالاتصال وضعفه ، و { عَنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لتجارة ، و { مّنكُمْ } صفة { تَرَاضٍ } أي إلا أن تكون التجارة تجارة صادرة { عَن تَرَاضٍ } كائن { مّنكُمْ } أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة ، والنصب قراءة أهل الكوفة ، وقرأ الباقون بالرفع على أن كان تامة .
وحاصل المعنى لا تقصدوا أكل الأموال بالباطل لكن اقصدوا كون أي وقوع تجارة عن تراض أو لا تأكلوا ذلك كذلك فإنه منهي عنه لكن وجود تجارة عن تراض غير منهي عنه ، وتخصيصها بالذكر من بين سائر أسباب الملك لكونها أغلب وقوعاً وأوفق لذوي المروءات ، وقد أخرج الأصبهاني عن معاذ بن جبل قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يذموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعسروا » وأخرج سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسعة أعشار الرزق في التجارة والعشر في المواشي .
وجوز أن يراد بها انتقال المال من الغير بطريق شرعي سواء كان تجارة أو إرثاً أو هبة أو غير ذلك من استعمال الخاص وإرادة العام ، وقيل : المقصود بالنهي المنع المبايعة عن صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى ، وبالتجارة صرفه فيما يرضاه وهذا أبعد مما قبله ، والمراد بالتراضي مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال وقت الإيجاب والقبول عندنا وعند الإمام مالك ، وعند الشافعي حالة الافتراق عن مجلس العقد ، وقيل : التراضي التخيير بعد البيع ، أخرج عبد بن حميد عن أبي زرعة أنه باع فرساً له فقال لصاحبه : اختر فخيره ثلاثاً ، ثم قال له : خيرني فخيره ثلاثاً ، ثم قال : سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : هذا البيع عن تراض .
{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي لا يقتل بعضكم بعضاً ، وعبر عن البعض المنهي عن قتلهم بالأنفس للمبالغة في الزجر ، وقد ورد في الحديث " المؤمنون كالنفس الواحد " وإلى هذا ذهب الحسن وعطاء والسدي والجبائي ؛ وقيل : المعنى لا تهلكوا أنفسكم بارتكاب الآثام كأكل الأموال بالباطل وغيره من المعاصي التي تستحقون بها العقاب ، وقيل : المراد به النهي عن قتل الإنسان نفسه في حال غضب أو ضجر ، وحكي ذلك عن البلخي . وقيل : المعنى لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه ، وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وقيل : المراد لا تتجروا في بلاد العدو فتفردوا بأنفسكم ، وبه استدل مالك على كراهة التجارة إلى بلاد الحرب ، وقيل : المعنى لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وأيد بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عمرو بن العاص قال : «لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك له فقال : يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟ قلت : نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } الآية فتيممت ثم صليت فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً » ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه : { وَلاَ تَقْتُلُواْ } بالتشديد والتكثير ، ولا يخفى ما في الجمع بين التوصية بحفظ المال والوصية بحفظ النفس من الملائمة لما أن المال شقيق النفس من حيث إنه سبب لقوامها وتحصيل كمالاتها واستيفاء فضائلها ، والملائمة بين النهيين على قول مالك أتم ، وقدم النهي الأول لكثرة التعرض لما نهى عنه فيه .
{ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } تعليل للنهي ، والمعنى أنه تعالى لم يزل مبالغاً في الرحمة ، ومن رحمته بكم نهيكم عن أكل الحرام وإهلاك الأنفس ، وقيل : معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً إذ لم يكلفكم قتل الأنفس في التوبة كما كلف بني إسرائيل بذلك . .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يا أيها الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { لاَ تَأْكُلُواْ } أي تذهبوا { أموالكم } وهو ما حصل لكم من عالم الغيب بالكسب الاستعدادي { بَيْنَكُمْ بالباطل } بأن تنفقوا على غير وجهه وتودعوه غير أهله { إِلا أَن تَكُونَ تجارة } أي إلا أن يكون التصرف تصرفاً صادراً { عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } واستحسان ألقي من عالم الإلهام إليكم فإن ذلك مباح لكم { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } بالغفلة عنها فإن من غفل عنها فقد غفل عن ربه ومن غفل عن ربه فقد هلك ، أو لا تقتلوا أنفسكم أي أرواحكم القدسية بمباشرتكم ما لا يليق فإن مباشرة ما لا يليق يمنع الروح من طيرانها في عالم المشاهدات ويحجب عنها أنوار المكاشفات { إِنَّ الله كَانَ } في أزل الآزال { بِكُمْ رَحِيماً } [ النساء : 29 ] فلذا أرشدكم إلى ما أرشدكم
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) يحذّر الله سبحانه وتعالى المؤمنين من أن يأكلوا أموالهم فيما بينهم بالباطل . والباطل ضد الحق ومعناه الخسران والضياع والفساد{[733]} . والباطل من أكل الأموال يشمل كل وجوه الحرام عامة أنواع المكاسب غير المشروعة مثل الربا والقمار والرّشى والخمر والخنزير وأكل مال اليتيم وما كان عن طريق الغصب أو النهب أو السرقة أو غير ذلك فهو أكل للمال بالباطل .
قوله : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) استثناء منقطع أي ولكن تجارة عن تراض . فبعد أن حذّر من أكل الحرام استثنى التجارة المباحة ، فالمستثنى لم يكن من جنس المستثنى منه . والتجارة معناها المعاوضة إذ يكون ثمة سلعة مبيعة وفي مقابلها ثمن مدفوع وتلكم معاوضة لما يجري بين المادتين من مبادلة . وتقوم التجارة على التعاقد بين اثنين من خلال ركن أساسي للعقد وهو الإيجاب والقبول ويكون ذلك بالتراضي لا بالإكراه أو الغبن الفاحش أو الغش والخداع . وذلك قوله : ( عن تراض منكم ) أي عن رضى . فلا يخالط البيع ما ينافي الرضا من المتعاقدين كالغش والغبن الفاحش والعيب . ونحو ذلك ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس . وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ( ص ) قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ البخاري " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وذهب إلى القول بمقتضى هذا الخبر جمهور السلف والخلف . وكذا الشافعية والحنفية . ومقتضى هذا الخبر أن العقد لا يلزم إلا بعد افتراق المتعاقدين بالأبدان . لكن صورة الافتراق عند الحنفية والمالكية أن يكون ذلك بالكلام ، فإذا صدر القبول بعد الإيجاب في مجلس العقد لزم العقد{[734]} .
وقوله : ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) قتل النفس يتناول إيرادها موارد الهلكة مثلما يتناول إزهاق الأنفس بغير حق عن طريق الاقتتال من أجل رغائب دنيوية أو دوافع شيطانية ، ويتناول كذلك الانتحار وهو الاعتداء على النفس بعد غضب شديد غامر والانتحار من أعظم الكبائر التي يسقط فيها أولو النفوس الضعيفة والقلوب الخاوية التي تتهاوى أمام الشدائد والخطوب . والنبي ( ص ) ينذر المنتحرين بأشد العذاب وسوء المصير إذ يقول : " من قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة " وقال عليه الصلاة والسلام : " من قتل نفسه بشيء عذّب به يوم القيامة " وقال عليه الصلاة والسلام : " من قتل نفسه بحدية فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " {[735]} . كذلك ينهى الله عباده المؤمنين وهو يحذرهم من الاعتداء على النفس كيفما كان الاعتداء والله جلت قدرته إنما يرضى لعباده الهداية والسداد والتوفيق ، ولا يرضى لهم العنت والمكابدة والشقاء فهو سبحانه رحيم بالخلق رحمة لا تعرف الحدود أو القيود .