{ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } أي شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك . واختيار الجملة الإسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم ، وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث كما أن فيما تقدم رمزاً إلى تفاوت مراتب الاستحقاق ، وعلل سبحانه الحكم بأمرين : وهبي وكسبي فقال عز شأنه : { بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } فالباء للسببية وهي متعلقة ب { قَوَّامُونَ } كعلى ولا محذور أصلاً ، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالاً من ضميره والباء للسببية أو للملابسة و ( ما ) مصدرية وضمير الجمع لكلا الفريقين تغليباً أي قوّامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن ، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل ، أو متلبسين بالتفضيل ، وعدل عن الضمير فلم يقل سبحانه بما فضلهم الله عليهن للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية ، وقيل : للإبهام للإشارة إلى أن بعض النساء أفضل من كثير من الرجال وليس بشيء ، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزاً إلى أنه غني عن التفصيل ، وقد ورد أنهن ناقصات عقل ودين ، والرجال بعكسهن كما لا يخفى ، ولذا خصوا بالرسالة والنبوة على الأشهر ، وبالإمامة الكبرى والصغرى ، وإقامة الشعائر كالأذان والإقامة والخطبة والجمعة وتكبيرات التشريق عند إمامنا الأعظم والاستبداد بالفراق وبالنكاح عند الشافعية وبالشهادة في أمهات القضايا وزيادة السهم في الميراث والتعصيب إلى غير ذلك { وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم } عطف على ما قبله فالباء متعلقة بما تعلقت به الباء الأولى ، و ( ما ) مصدرية أو موصولة وعائدها محذوف ، و { مِنْ } تبعيضية أو ابتدائية متعلقة بأنفقوا أو بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوف وأريد بالمنفق كما قال مجاهد المهر ، ويجوز أن يراد بما أنفقوه ما يعمه ، والنفقة عليهنّ ، والآية كما روي عن مقاتل نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو وكان من النقباء ، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير وذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لتقتص من زوجها ، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ارجعوا هذا جبرائيل عليه السلام أتاني وأنزل الله هذه الآية فتلاها صلى الله عليه وسلم ثم قال : أردنا أمراً وأراد الله تعالى أمراً والذي أراده الله تعالى خير " / وقال الكلبي : نزلت في سعد بن الربيع وامرأته خولة بنت محمد بن سلمة وذكر القصة ، وقال بعضهم : نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبيّ وزوجها ثابت بن قيس بن شماس ، وذكر قريباً منه ، واستدل بالآية على أن للزوج تأديب زوجته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته إلا في معصية الله تعالى ، وفي الخبر «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها » واستدل بها أيضاً من أجاز فسخ النكاح عند الإعسار عن النفقة والكسوة وهو مذهب مالك والشافعي لأنه إذا خرج عن كونه قواماً عليها ، فقد خرج عن الغرض المقصود بالنكاح ، وعندنا لا فسخ لقوله تعالى :
{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة : 280 ] واستدل بها أيضاً من جعل للزوج الحجر على زوجته في نفسها ومالها فلا تتصرف فيه إلا بإذنه لأنه سبحانه جعل الرجل قواماً بصيغة المبالغة وهو الناظر على الشيء الحافظ له .
{ فالصالحات } أي منهن { *قانتات } شروع في تفصيل أحوالهن وكيفية القيام عليهن بحسب اختلاف أحوالهن ، والمراد فالصالحات منهن مطيعات لله تعالى ولأزواجهن { حفظات لّلْغَيْبِ } أي يحفظن أنفسهن وفروجهن في حال غيبة أزواجهن ، قال الثوري وقتادة : أو يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال ، فاللام بمعنى في ، والغيب بمعنى الغيبة ، وأل عوض عن المضاف إليه على رأي ، ويجوز أن يكون المراد حافظات لواجب الغيب أي لما يجب عليهن حفظه حال الغيبة ، فاللام على ظاهرها ، وقيل : المراد حافظات لأسرار أزواجهن أي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة ، ومنه المنافسة والمنافرة واللطمة المذكورة في الخبر ، وحينئذٍ لا حاجة إلى ما قيل في اللام ، ولا إلى تفسير الغيب بالغيبة إلا أن ما أخرجه ابن جرير والبيهقي وغيرهم من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { الرجال قَوَّامُونَ } إلى الغيب » يبعد هذا القول ؛ ومن الناس من زعم أنه أنسب بسبب النزول { بِمَا حَفِظَ الله } أي بما حفظهن الله تعالى في مهورهن ، وإلزام أزواجهن النفقة عليهن قاله الزجاج ، وقيل : بحفظ الله تعالى لهن وعصمته إياهن ولولا أن الله تعالى حفظهن وعصمهن لما حفظن فما إما موصولة أو مصدرية ، وقرأ أبو جعفر { بِمَا حَفِظَ الله } بالنصب ، ولا بد من تقدير مضاف على هذه القراءة كدين الله ، وحقه لأن ذاته تعالى لا يحفظها أحد ، و ( ما ) موصولة أو موصوفة ، ومنع غير واحد المصدرية لخلو حفظ حينئذٍ عن الفاعل لأنه كان يجب أن يقال بما حفظن الله ، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون فاعله ضميراً مفرداً عائداً على جمع الإناث لأنه في معنى الجنس كأنه قيل .
فمن( {[246]} ) حفظ الله ، وجعله ابن جني كقوله :
فإن الحوادث أودى بها *** ولا يخفى ما فيه من التكلف ، وشذوذ ترك التأنيث ومثله لا يليق بالنظم الكريم كما لا يخفى ، ثم إن صيغة جمع السلامة هنا للكثرة أما المعرف فظاهر ، وأما المنكر فلأنه حمل عليه فلا بد من مطابقته له في الكثرة ، وإلا لم يصدق على جميع أفراده ، وقد نص على ذلك في «الدر المصون » . وقرأ ابن مسعود ( فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن ) ، وأخرج ابن جرير عنه زيادة ( فأصلحوا إليهن ) فقط .
{ والتى * تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } أي ترفعهن عن مطاوعتكم وعصيانهن لكم ، من النشز بسكون الشين وفتحها وهو المكان المرتفع ويكون بمعنى الارتفاع { فَعِظُوهُنَّ } أي فانصحوهن/ وقولوا لهن اتقين الله وارجعن عما أنتن عليه ، وظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز وإن لم يقع وإلا لقيل نشزن ، ولعله غير مراد ولذا فسر في «التيسير » { تَخَافُونَ } بتعلمون ، وبه قال الفراء كما نقله عنه الطبرسي وجاء الخوف بهذا كما في «القاموس » ، وقيل : المراد : تخافون دوام نشوزهن أو أقصى مراتبه كالفرار منهم في المراقد .
واختار في «البحر » في الكلام مقدراً وأصله : واللاتي تخافون نشوزهن ونشزن فعظوهن ، وهو خطاب للأزواج وإرشاد لهم إلى طريق القيام عليهن .
{ واهجروهن فِى المضاجع } أي مواضع الاضطجاع ، والمراد : أتركوهن منفردات في مضاجعهن فلا تدخلونهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون الكلام كناية عن ترك جماعهن ، وإلى ذلك ذهب ابن جبير ، وقيل : المراد أهجروهن في الفراش بأن تولوهن ظهوركم فيه ولا تلتفتوا إليهن ، وروي ذلك عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه ولعله كناية أيضاً عن ترك الجماع ، وقيل : المضاجع المبايت أي أهجروا حجرهن ومحل مبيتهن ، وقيل : { فِى } للسببية أي أهجروهن بسبب المضاجع أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة ، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى ، فالهجران على هذا بالمنطق ، قال عكرمة : بأن يغلظ لها القول ، وزعم بعضهم أن المعنى أكرهوهن على الجماع واربطوهن من هجر البعير إذا شده بالهجار ، وتعقبه الزمخشري بأنه من تفسير الثقلاء ، وقال ابن المنير : «لعل هذا المفسر يتأيد بقوله تعالى : { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } فإنه يدل على تقدم إكراه في أمر ما ، وقرينة ( المضاجع ) ترشد إلى أنه الجماع ، فإطلاق الزمخشري لما أطلقه في حق هذا المفسر من الإفراط » انتهى ، وأظن أن هذا لو عرض على الزمخشري لنظم قائله في سلك ذلك المفسر ، ولعدّ تركه من التفريط ؛ وقرىء ( في المضطجع ) و ( المضجع ) .
{ واضربوهن } يعني ضرباً غير مبرح كما أخرجه ابن جرير عن حجاج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسر غير المبرح بأنت لا يقطع لحماً ولا يكسر عظماً .
وعن ابن عباس أنه الضرب بالسواك ونحوه ، والذي يدل عليه السياق والقرينة العقلية أن هذه الأمور الثلاثة مترتبة فإذا خيف نشوز المرأة تنصح ثم تهجر ثم تضرب إذ لو عكس استغنى بالأشدّ عن الأضعف ، وإلا فالواو لا تدل على الترتيب وكذا الفاء في { فَعِظُوهُنَّ } لا دلالة لها على أكثر من ترتيب المجموع ، فالقول بأنها أظهر الأدلة على الترتيب ليس بظاهر ، وفي «الكشف » الترتيب مستفاد من دخول الواو على «أجزئه » مختلفة في الشدة والضعف مترتبة على أمر مدرج ، فإنما النص هو الدال على الترتيب . هذا وقد نص بعض أصحابنا أن للزوج أن يضرب المرأة على أربع خصال وما هو في معنى الأربع ترك الزينة والزوج يريدها وترك الإجابة إذا دعاها إلى فراشه وترك الصلاة في رواية والغسل ، والخروج من البيت إلا لعذر شرعي ، وقيل : له أن يضربها متى أغضبته ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فإذا غضب على واحدة منا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها ، ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن إلا لداع قوي ، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي عن أم كلثوم بنت الصديق رضي الله تعالى عنه قالت : «كان الرجال نهوا عن ضرب النساء ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلى بينهم وبين ضربهن ، ثم قال : " ولن يضرب خياركم " وذكر الشعراني قدس سره «أن الرجل إذا ضرب زوجته ينبغي أن لا يسرع في جماعها بعد الضرب » وكأنه أخذ ذلك مما أخرجه الشيخان وجماعة عن عبد الله بن زمعة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم " وأخرج عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ : «أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره » وللخبر محمل آخر لا يخفى .
{ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } أي وافقنكم وانقدن لما أوجب الله تعالى عليهن من طاعتكم بذلك كما هو الظاهر { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } أي فلا تطلبوا سبيلاً وطريقاً إلى التعدي عليهن ، أو لا تظلموهن بطريق من الطرق بالتوبيخ اللساني والأذى الفعلي وغيره واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن ، فالبغي إما بمعنى الطلب ، و { سَبِيلاً } مفعوله والجار متعلق به ، أو صفة النكرة قدم عليها ، وإما بمعنى الظلم ، و { سَبِيلاً } منصوب بنزع الخافض ، وعن سفيان بن عيينة أن المراد فلا تكلفوهن المحبة ، وحاصل المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعتلوا عليهن بما في باطنهن { إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } فاحذروه فإن قدرته سبحانه عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم منهن ، أو أنه تعالى على علو شأنه وكمال ذاته يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم إذا تبتم فتجاوزوا أنتم عن سيئات أزواجكم واعفوا عنهن إذا تبن ، أو أنه تعالى قادر على الانتقام منكم غير راض بظلم أحد ، أو أنه سبحانه مع علوه المطلق وكبريائه لم يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن . .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } أي الكاملون شأنهم القيام بتدبير الناقصين والإنفاق عليهم من فيوضاتهم { بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } بالاستعداد { وَبِمَا أَنفَقُواْ فِى سَبِيلِ الله } تعالى وطريق الوصول إليه من أموالهم أي قواهم أو معارفهم { فالصالحات } للسلوك من النساء بالمعنى السابق { قانتات } مطيعات لله تعالى بالعبادات القالبية { حفظات لّلْغَيْبِ } أي القلب عن دنس الأخلاق الذميمة ، ولعله إشارة إلى العبادات القلبية { بِمَا حَفِظَ الله } لهم من الاستعداد { واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } ترفعهن عن الانقياد إلى ما ينفعهن { فَعِظُوهُنَّ } بذكر أحوال الصالحين ومقاماتهم فإن النفس تميل إلى ما يمدح لها غالباً { واهجروهن فِى المضاجع } أي امنعوا دخول أنوار فيوضاتكم إلى حجرات قلوبهن ليستوحشن فربما يرجعن عن ذلك الترفع { واضربوهن } بعصي القهر إن لم ينجع ما تقدم فيهن { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } بعد ذلك ورجعن عن الترفع والأنانية { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } بتكليفهن فوق طاقتهن وخلاف مقتضى استعدادهن { إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } [ النساء : 34 ] ومع هذا لم يكلف أحداً فوق طاقته وخلاف مقتضى استعداده
قوله تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) .
قوله : ( الرجال قوامون على النساء ) قوامون مفردها : قوّام وهو القيّم على الشيء أي المسؤول عنه والذي تناط به مهمة الحفاظ والحماية والنفقة . والقوام أو القيّم من القوامة وهي المسؤولية . وذلك تقدير رباني حكيم فيه تقرير لحقيقة تنطق بها الفطرة وتوجبها طبيعة التباين والاختلاف بين الذكورة والأنوثة .
وذلك في مختلف الجوانب العضوية والنفسية والدهنية . لا جرم أن ذلك تقدير رباني مركوز في أعماق الكينونة البشرية لتجيء الحياة على غاية الانجسام والتآلف والتكامل . والفوارق الذاتية بين الرجل والمرأة معتبرة ومقدورة لا ينكرها إلا جاهل مخدوع أو مضلل واهم . فالرجل يفوق المرأة – في الغالب- في قوة الجسد ومتانة الأعصاب ورباطة الجأش وسعة الأفق والمدارك ، ومدى الاحتمال والصبر واشتداد العزم والشكيمة . لكن المرأة في ذلك كله أشد جنوحا للنعومة واللين . وهي أخصب ما تكون إدرارا لعواطفها الصادقة الحرى ، وإحساساتها الرقيقة الجياشة . لا جرم أن هاتيك الفوارق العضوية والنفسية والذهنية تفرض نفسها على الواقع البشري وفي حياة الناس والمجتمع بما يقتضي أن تناط القوامة بالرجل دون المرأة . فهو قمين باحتمالها والتلبس بها أكثر من المرأة بكثير .
وليست القوامة في ذلك بالمنة المفضلة التي حباها الله الرجل ، ولكنها الوجيبة الثقيلة والأمانة الأساسية التي نيطت بالرجل ليكون مسؤولا عنها أمام الله . ولسوف يناقش من أجلها الحساب ليجد جزاءه العسير ان كان من المقصرين المفرطين .
وفلسفة الإسلام في ذلك أصلا قائمة على التنفير من التلبس بالمسؤوليات أو المراكز التي لا ينبري للتشبث بها أو الحرص عليها إلا الخاسرون الهلكى . فلسفة الإسلام في هذه المسألة مبنية على الترغيب في التواضع وبذل العون والخدمات للناس بعيدا عن صخب الشهرة وحب الظهور وإطراء الجمهور .
وقاعدة الإسلام في التفضيل أصلا إنما تقوم على التقوى قبل كل شيء ، من غير التفات في ذلك لأية اعتبارات أخرى كالذكورة أو الأنوثة أو غير ذلك من اعتبارات الدم أو العرق أو اللون أو الحسب والنسب . وإنما الاعتبار الأكبر في ذلك هو التقوى . وأصدق الكلام في هذه الحقيقة قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند اله أتقاكم ) وكذلك قوله عز وجل : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ذلك هو الاعتبار الحقيقي والمقدور في تصور الإسلام والذي يقع على أساسه التفضيل بين العباد . على أن الاستفادة من خبرة المرأة في كثير من الأمور لهي ذات شأن . فإن الاستفادة منها عن طريق التشاور معها أمر لا مفر منه خصوصا وأنها لذات عاطفة صادقة تتندى إخلاصا وبرا وبذلك فإن مشاورة الزوجة والوقوف على رأيها النافع الجيد لا يتعارض بحال مع إحاطة القوامة بالرجل . وبعد ذلك فإنه ليس لمتفلسف زنديق أو لذي رأي جاحد فاجر أن يصطنع الكلام في حذلقة فارغة ليفتري على القرآن بالطعن الكاذب والاجتراء الفاسد المقبوح . فقد قال قائلهم : إن المرأة لا تقل عن الرجل في أية كفاءة من الكفاءات أو قدرة من القدرات أو موهبة من المواهب . وقال آخرون : لا نرضى أن تناط القوامة بالرجل ، بل كلاهما ينبغي أن يكون قواما . ومثل هذه الحذلقات كثير مما يكشف عن طبائع جانفة يغمرها الحقد أو التعصب أو تحف بها غاشية الجهل بحقيقة الإنسان في طبعه وحقيقة تركيبه . ولا جرم أن يكون الرحمان – جلت قدرته- أعلم العالمين بهذا الإنسان في أصالة تركيبه وجوهر فطرته وهو سبحانه أعلم بحقيقة الحال التي يصلح عليها الإنسان ذكرا كان أم أنثى ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) .
قوله : ( بما فضل الله بعضكم على بعض ) والتفضيل هنا للخصائص العضوية والذهنية والنفسية التي يتغاير فيها الصنفان وذلك في ضوء التركيب الفطري المختلف .
وتفضيل الرجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة ، فبعضها صفات حقيقية ، وبعضها صفات شرعية ، أما الصفات الحقيقية فيرجع حاصلها إلى أمرين ، وهما العلم والقدرة فإنه من الحقيقة أن علوم الرجال أكثر وأن قدرتهم على الأعمال الشاقة أعظم . فمن أجل هذين السببين جعلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة . وان من الرجال الأنبياء والعلماء والشهداء والنوابغ والأفذاذ والمصلحين{[741]} .
قوله : ( وبما أنفقوا من أموالهم ) وذلك أحد أسباب القوامة المنوطة بالرجال وهي التزامهم بالانفاق والبذل من أموالهم سواء كان ذلك على سبيل المهر يقدم للزوجة أو مؤونة الإطعام والإيواء والكساء . وهي أمور قد نيطت بالرجال ليقوم بأدائها كاملة نحو زوجته من غير تأخر . أما المرأة فإنها مبرأة من مثل هذا الالتزام حتى وإن لحقت بالزوج حالة من الإعسار ، فلسوف يبقى هو المكلف في سائر الأحوال فإن لم يستطع القيام بهذا التكليف باتت المرأة مخيّرة بين البقاء أو التفريق .
قوله : ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ) . الله جلت قدرته يثني على النساء الصالحات العابدات اللواتي يطعن أزواجهن في المنشط والمكره إلا في معصية الله واللواتي يقمن بحق أزواجهن في صون أموالهم وأنفسهن حال غياب أزواجهن . وفي الحديث الشريف : " خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " وفي حديث آخر عن النبي ( ص ) مخاطبا عمر : " ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء ؟ ! المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته ، و إذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته " .
قوله : ( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ) قيل في سبب نزول هذه الآية أن سعد بن الربيع نشزت امرأته حبيبة بنت زيد فلطمها فقال أبوها : يا رسول الله أفرشته كريمتي فلطمها . فقال عليه السلام : " لتقتصّ من زوجها " فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه فقال عليه السلام : " ارجعوا هذا جبريل أتاني " فأنزل الله هذه الآية . فقال عليه السلام : " أردنا أمرا وأراد الله غيره " وفي رواية أخرى : " أردت شيئا وما أراد الله خير " {[742]} . واللاتي جمع التي . تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون . والنشوز يقصد به العصيان من الزوجة لزوجها وتعاليها عليه . وأصل النشوز في اللغة الارتفاع . ونشزت المرأة على بعلها بمعنى ارتفعت عليه ويكنّى بذلك عن العصيان له والاستكبار عليه وعدم طاعته{[743]} . يبين الله كيفية التعامل مع الزوجات النواشز اللاتي يستكبرن على أزواجهن ولا يطعنهم فيما يكون إصلاحا لطبعهن وردا لهن إلى الصواب . وذلك من خلال مراحل المعالجة والتأديب حتى إذا لم يتحقق الإصلاح في مرحلة جيء بأخرى عسى أن يكون فيها ما يعيد الزوجة إلى الهداية والسداد والرشد كيلا يقع التفريق وهو في شريعة الإسلام أقسى سبيل ومبغض لله سبحانه .
وبذلك فإن أسلوب الإسلام في الإصلاح والتوفيق بين الزوجين حال نشوز الزوجة يتم من خلال مراحل ثلاث :
أحدها : الوعظ الحسن والكلام المؤثر الرفيق .
ثانيها : الهجر في المضجع وهو طريقة نفسية لا جرم أن تؤثر في الغالب .
ثالثها : الضرب الهيّن الحاني المشروط بعدم التبريح .
فإذا نشزت المرأة في عصيان لبعلها ليس له أن يبادر ليوقع الطلاق فإن ذلك أسلوب عقيم ومشنوء وهو كذلك مبغض للرحمن . بل إن الزوج في هذه الحال يتذرع بالصبر وسعة الصدر وطول الاحتمال ليبادر زوجته بالكلام المؤثر الحاني فيما يستغدق منها فائض حنانها وزاخر عاطفتها . وفي ذلك من الأسلوب الكريم ما عساه يستعيد المرأة إلى حظيرة الزوجية في طاعة وافية ، وعشرة هانئة راضية . ومما لا ريب فيه أن الكلمة المؤثرة الطيبة لهي أشد ما تكون نافعة ونافذة حتى تجد سبيلها إلى عميق القلب بما يحمل الإنسان على التغيير من مواقفه تغييرا كبيرا . وتلك هي حال الإنسان ذي العاطفة والوجدان فإنه يؤثر فيه الكلمة لتنقله من حال إلى حال . يستوي في ذلك أن تكون الكلمة طيبة أو سيئة قاسية . ولا نفترض أن الناس جميعا تأخذهم الكلمة الطيبة لتنفذ إلى قلوبهم نفاذا ثم لتقلب فيهم المزاج قلبا . ولو صح هذا الافتراض لصح معه التصور بأن الناس جميعا قد جاءوا على نمط واحد من التركيبة النفسية والروحية وأنهم لا توجد بينهم شذرة من افتراق في الطبع أو الفطرة . وعلى هذا فإنه لا مناص من أن يكون ثمة علاج ثان ليس من جنس الأول . فقرر القرآن أن يكون هذا العلاج مخاطبا للأنوثة في صميمها بما يقضها بهزة نفسية بالغة قد تكون أشد على المرأة من أسلوب الوعظ والكلام الحسن . والعلاج هنا هو الهجر في المضاجع . بمعنى الابتعاد عن التلاقي في الفراش وعدم المسيس ( الجماع ) فعسى أن يكون في ذلك من القسوة النفسية ما يحمل الزوجة على الإقلاع عن مناشزة زوجها والاستكبار عليه . لكن ثمة عناصر أخرى من النساء اللواتي يختلفن من حيث طبعهن ومزاجهن عن كثير من النساء بحيث لا يحقق الوعظ والهجران نجاعة أو عودا إلى الطاعة وحسن المعاشرة . وقرار الإسلام هنا أن يتحقق ذلك في الضرب المشروط بعدم التبريح . وهنا تقوم قائمة الحاقدين المبغضين أو المتعصبين والجهلة الذين يتصيدون المنافذ فيلجون منها إلى الإسلام ليشيروا من حوله الشبهات . وفي هذا الصدد يردون على المعالجة بالضرب لينفوا عنها نجاعة الأسلوب فضلا عن الأباطيل والأقاويل التي تقال في هذا المجال افتراء على الإسلام وتخريصا . أما بالنسبة للمعالجة بالضرب فما كان ذلك غريبا وما كان ليثير أدنى تساؤل أو امتعاض لو أن الأمر نوقش بإخلاص وتجرد وروية . لكن المتسائلين المستغربين لهذا الإجراء ( الضرب ) لا يفارقهم التعصب أو الجعل بحقيقة الإنسان . ذلك أن الضرب وسيلة للمعالجة تدخل في جملة الوسائل العلاجية المتعددة . وما الضرب إلا إحدى هذه الوسائل باعتباره الرادع المناسب والذي يستقيم به الطبع الناشز أو الخلق الذي سيم الميل والانحراف . على أن الضرب لا يقصد به الانتقام أو إشفاء الغليل ولا هو نتيجة لكراهية وحقد . ليس في وسيلة الضرب شيء من ذلك ولكنه مجرد وسيلة للعلاج باتت هي الاكثر ملاءمة للموقف الحاصل أو هو سبب يتحقق به التأديب و العود إلى الصواب والاستقامة . وقد يعرض لمتسائل هذا السؤال : أفلا يجوز للزوجة أن تعاقب زوجها بالضرب حال سفهه أو تجاوزه عليها ، وللإجابة نقول : إذا ما تحقق ذلك فإنه سيكون قلبا للاعتبارات والموازين رأسا على عقب مثلما يضرب المرؤوس رئيسه أو الجندي ضابطه في الكتيبة أو الميدان ، إن ذلك يعني التشويه الممجوج للصورة في حقيقتها ووجهها الناصع أو يعني المخالفة الصريحة لأبسط قواعد التربية والمنطق . فالمرؤوس لا يؤدب رئيسه بالضرب وليس للابن أن يعاقب أباه بحجة التأديب . ليس الأمر كذلك إلا أن يقع شيء من ظلم ، فإن وقع ظلم كان للمظلوم أن يرفع ظلامته للقضاء ليباشر دوره في التحقيق وإحقاق الحق ، كما لو كان قصاصا ينبغي أن يقاد فيه للمظلوم من الظالم .
وعلى أية حال فإن الضرب إن وقع فهو مشروط فلا يكون فيه خدش للجسم أو كسر للعظم ولا لطم للوجه فإن الوجه موضع احترام فلا يجوز ضربه . يقول النبي ( ص ) فيما رواه مسلم عن جابر : " اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرّح " والتبريح ما أدى إلى الكسر أو الجرح .
وجدير بالقول كذلك أنه يحسن الاصطبار على نشوز الزوجة وعدم ضربها فهو أفضل من الوجهة الشرعية لعموم حديث النبي ( ص ) : " ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم " .
وقوله : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) إذا عادت المرأة إلى طاعة الزوج وأقلعت عن النشوز والعصيان فليس للزوج بعد ذلك أن يلحق بها أذى أو ظلما بقول أو فعل . وهو لم يبق له بعد عودتها للطاعة سبيل عليها كيلا يحيف عليها في ظلم وإن اقترف شيئا من ذلك فإن الله كبير ومنتقم وهو سبحانه يتوعد المخالفين عن أمره توعدا .