روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

{ إنَّمَا الصدقات للْفُقَرَاء والمساكين } الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة ، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع ، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة ، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما . فقد أخرج أبو داود . والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري . وابن المبارك . وأحمد واسحق ، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً . ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً ، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة ، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين .

وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، واستدل بقوله تعالى : { أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة } [ البلد : 16 ] الخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف باحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة ، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع ، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة ، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يوراى بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه ، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوباً أو يملك خمسين درهما .

فقد أخرج أبو داود . والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل : يا رسول الله وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب » وإلى هذا ذهب الثوري . وابن المبارك . وأحمد واسحق ، وقيل : من ملك أربعين درهماً حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهماً . ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيراً ، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة ، ولذا قالوا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصباً كثيرة إذا كان محتاجاً إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين .

وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالاً من الفقير ، واستدل بقوله تعالى : { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } [ البلد : 61 ] أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك ، وبأن الأصمعي . وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له ، والفقير بمن له بلغة من العيش . وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر ، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر . وقال الشافعي عليه الرحمة : الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته ، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه ، فالفقير عنده أسوأ حالاً من المسكين ، واستدل له بقوله تعالى : { وَأَمَّا * السفينة فَكَانَتْ لمساكين } [ الكهف : 79 ] فأثبت للمسكين سفينة ، وبما رواه الترمذي عن أنس . وابن ماجه . والحاكم عن أبي سعيد قالا : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله : " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر " وخبر «الفقر فخري » كذب لا أصل له . وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به ، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ . وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحماً كما في الحديث " مساكين أهل النار "

وقوله :

مساكين أهل الحب حتى قبورهم *** عليها تراب الذل بين المقابر

وهذا أولى ، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا كثرة الدنيا ، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة في كلامهم ، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء ، وأياً ما كان فهما صنفان ، وقال الجبائي : إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم ، وروي ذلك عن محمد . وأبي يوسف ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلث ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال : إنهما صنف واحد جعل لفلان النصف ومن قال : إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك { والعاملين عَلَيْهَا } وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها ، وفي البحر أن العامل يشمل العاشر والساعي . والأول من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه .

والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها ، ويعطي العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقياً إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التصنيف عين الإنصاف .

وعن الشافعي أنه يعطي الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر ، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافاً محضاً ، وعلى الإمام أن يبعث من يرضي بالوسط من غير إسراف ولا تقتير ، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطي من بين المال شيئاً وما يأخذه صدقة ، ومن هنا قالوا : لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه ، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية ، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في البدائع ، والتحقيق أن في ذلك شبهاً بالاجرة وشبهاً بالصدقة ، فبالاعتبار الأول حلت للغنى ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام ، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي . وفي النهاية رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجرى له منها رزق فإنه لا ينبغى له أن يأخذ من ذلك ، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس به ، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لإحرام ، وصرح في الغاية بعدم صحة كون العامل هاشمياً أو عبداً أو كافراً ، ومنه يعلم حرمة تولية اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } وهم كانوا ثلاثة أصناف . صنف كان يؤلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا . وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن .

والأقرع بن حابس . والعباس بن مرداس السلمي فكان عليه الصلاة والسلام يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام . وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين ، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء شيء من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الكاة . وفي الهداية أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه . روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضاً من أبي بكر فكتب بذلك خطاً فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه وقال : هذا شيء يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليفاً لكم فأما اليوم فقد أغز الله تعالى الإسلام وأغني عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف . فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا : أنت الخليفة أم عمر ؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر ، فقال رضي الله تعالى عنه : هو إن شاء ووافقه ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة . واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب ؛ ومنهم من قال : هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار . ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في الطواف فانتهاؤها لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث . وقال علاء الدين عبد العزيز : والأحسن أن يقال : هذا تقرير لما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من حيث المعنى ، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع ، ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع ، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخاً ، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم المار فإذا تبدلت حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعيناً لحصول المقصود لا يكون هذا نسخاً للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار في زمنه صلى الله عليه وسلم كان بالعشيرة وبعده عليه الصلاة والسلام بأهل الديوان ، فإيجابها عليهم لم يكن نسخاً بل كان تقريراً للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار ا ه .

واستحسنه في النهاية .

وتعقبه ابن الهمام بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتاً وقد ارتفع ، وقال بعض المحققين : إن ذلك نسخ ولا يقال : نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت ، على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه : { وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] يصلح لذلك وفيه نظر ، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه ولم يثبت ، وقال قوم : لم يسقط سهم هذا الصنف ، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي . وأبي ثور ، وروي ذلك عن الحسن ، وقال أحمد : يعطون أن احتاج المسلمون إلى ذلك .

وقال البعض : إن المؤلفة قلوبهم مسلمون وكفار والساقط سهم الكفار فقط . وصحح أنه عليه الصلاة والسلام كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله صلى الله عليه وسلم { وَفِي الرقاب } أي للصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أدار نجومهم ، وقيل : بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق ، وقيل : بأن يفدي الأساري ، وإلى الأول ذهب النخعي . والليث . والزهري . والشافعي ، وهو المروى عن سعيد بن جبير وعليه أكثر الفقهاء ، وإلى الثاني ذهب مالك . وأحمد . وإسحق ، وعزاه الطيبي إلى الحسن ، وفي تفسير الطبري أن الأول هو المنقول عنه { والغارمين } أي الذين عليهم دين ، والدفع إليهم كما في الظهيرية أولى من الدفع إلى الفقير وقيدوا الدين بكونه في غير معصية كالخمر والإسراف فيما لا يعنيه ، لكن قال النووي في المنهاج قلت : والأصح أن من استدان للمعصية يعطي إذا تاب وصححه في الروضة ، والمانع مطلقاً قال : إنه قد يظهر التوبة للأخذ ، واشترط أن لا يكون لهم ما يوفون به دينهم فاضلاً عن حوائجهم ومن يعولونه ، وإلا فمجرد الوفاء لا يمنع من الاستحقاق ، وهو أحد قولين عند الشافعية وهو الأظهر .

وقيل : لا يشترط لعموم الآية . وأطاق القدوري . وصاحب الكنز من أصحابنا المديون في باب المصرف ، وقيده في الكافي بأن لا يملك نصاباً فضلاً عن دينه ووذكر في البحر أنه المراد بالغارم في الآية إذ هو في اللغة من عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره العتبي . واعتذر عن عدم التقييد بأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه مال فهو بمنزلة الفقير ، وهل يشترط حلول الدين أولا قولان للشافعية . ويعطي عندهم من استدان لإصلاح ذات البين كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله أو ظهر فأعطي الدية تسكيناً للفتنة ، ويعطى مع الغنى مطلقاً ، وقيل : إن كان غنياً بنقد لا يعطى { وَفِى سَبِيلِ الله } .

أريد بذلك عند أبي يوسف منقطعوا الغزاة ، وعند محمد منقطعوا الحجيج . وقيل : المراد طلبة العلم واقتصر عليه في الفتاوي الظهيرية ، وفسره في «البدائع » بجميع القرب فيدخل فيه كل من سعي في طاعة الله تعالى وسبل الخيرات . قال في البحر : ولا يخفى أن قيد الفقر لا بد منه على الوجوه كلها فحينئد لا تظهر ثمرته في الزكاة . وإنما تظهر في الوصايا والأوقاف انتهى . وفي النهاية فإن قيل : إن قوله سبحانه { وَفِى سَبِيلِ الله } مكرر سواء أريد منقطع الغزاة أو غيره لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أم لا فإن كان فهو ابن السبيل وإن لم يكن فهو فقير ، فمن أين يكون العدد سبعة على ما يقول الأصحاب أو ثمانية على ما يقول غيرهم . وأجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر وهو الانقطاع في عبادة الله تعالى من جهاد أو حج فلذا غاير الفقير المطلق فإن المقيد يغاير المطلق لا محالة ، ويظهر أثر التغاير في حكم آخر أيضاً وهو زيادة التحريض والترغيب في رعاية جانبه وإذا كان كذلك لم تنقص المصارف عن سبعة وفيه تأمل انتهى ، ولا يخفي وجهه . وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام أن من كان غنياً في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجاً له في إقامته فيجوز أن يعطي من الصدقة وإن كان غنياً في مصره وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " الصدقة تحل للغازي الغني " فافهم ولا تغفل { وابن السبيل } وهو المسافر المنقطع عن ماله ، والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في الظهيرية . وفي «فتح القدير » أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته ، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وان كان في بلده . وفي المحيط وإن كان تاجراً له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئاً يحل له أخذ الزكاة لأنه فقير يداً كابن السبيل . وفي الخانية تفصيل في هذا المقام قال : والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل ، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسراً يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل ، وإن كان المديون موسراً معترفاً لا يحل له أخذ الزكاة وكذا إذا كان جاحداً وله عليه بينة عادلة ، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضاً ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك ا ه ، والمراد من الدين ما يبلغ نصاباً كما لا يخفي .

وفي «فتح القدير » ولو دفع إلى فقيره لها مهر دين على زوجها يبلغ نصاباً وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز ، وإن كان بحيث لا يعطى لو طلبت جاز ا ه . وهو مقيد لعموم ما في الخانية ، والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لأن ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة ، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره ، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما لا ينبغي للمرأة بخلاف غيره ، لكن في البزازية دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل أقل من النصاب أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة وإن كان موسراً والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتي للاختياط ، وعند الإمام يجوز مطلقاً هذا ، والعدول عن اللام إلى { فِى } في الأربعة الأخيرة على ما قال الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن { فِى } للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص ، وفي الانتصاف أن ثم سرا آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكاً فكان دخول اللام لائقابهم ، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم ، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به ، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم ، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك ، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجاً في سبيل الله ، وإنما أفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعاً .

وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكن عطفه على القريب أقرب ، وما أشار إليه من أن المكاتب لا يملك وإنما يملك المكاتب هو الذي أشار إليه بعض أصحابنا . ففي المحيط قالوا : إنه لا يجوز إعطاء الزكاة لمكاتب هاشمي لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم وفي «البدائع » ما هو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب وحينئذ فبقية الأربعة بالطريق الأولى .

والمشهور أن اللام للملك عند الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا : لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت ولا تصرف إلى صنف مثلا ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك ، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم ، ويدل له قوله تعالى :

{ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ البقرة : 271 ] وأنه صلى الله عليه وسلم أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد ، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بال مجاز عن الجنس ، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد ؛ فالمعنى في الآية أن جنس الصدقة لجنس الفقير ، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم ، إذ يصير المعنى إن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد ، وليس هناك معهود ليرتكب العهد ، ولا يرد خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء في يدها فإنه يلزمها ثلاثة ، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس . فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة ، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل ، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير .

وما ذهبنا إليه هو المروى عن عمر . وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وبه قال سعيد بن جبير . وعطاء . وسفيان الثوري . وأحمد بن حنبل . ومالك علليهم الرحمة . وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلاً على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول : متعلق الجار الواقع خبراً عن الصدقات محذوفاً فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفي به في الحرفين جميعاً ويصح تعلق اللام { وَفِى } معاً به فيصح أن يقال : هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقدير مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام وعند الانتهاء إلى { فِى } يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين ا ه . وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ .

ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه ، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد وهو مفتي الشافعية في عصره يفتى به { فَرِيضَةً مّنَ الله } مصدر مؤكد لمقدر مأخوذ من معنى الكلام أي فرض لهم الصدقات فريضة ، ونقل عن سيبويه أنه منصوب بفعله مقدراً أي فرض الله تعالى ذلك فريضة ، واختار أبو البقاء كونه حالا من الضمير المسكن في قوله تعالى : { لِلْفُقَرَاء } أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة ، قيل : ودخلته التاء لإلحاقه بالأسماء كنطيحة { والله عَلِيمٌ } بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم { حَكِيمٌ } لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها .

( هذا ومن باب الإشارة ) :ثم إنه سبحانه قسم جوائز فضله على ثمانية أصناف من عباده فقال سبحانه : { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء } الخ ، والفقراء في قول : المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين { والمساكين } هم الذين سكنوا إلى جمال الانس ونور القدس حاضرين في العبودية بنفوسهم غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم فمن رآهم ظنهم بلا قلوب ولم يدر أنها تسرح في رياض جمال المحبوب ، وأنشد :

مساكين أهل العشق ضاعت قلوبهم *** فهم أنفس عاشوا بغير قلوب

{ والعاملين } هم أهل التمكين من العارفين وأهل الاستقامة من الموحدين الذين وقعوا في نور البقاء فأورثهم البسط والانبساط ، فيأخذون منه سبحانه ويعطون له ، وهم خزان خزائن جودة المنفقون على أوليائه ، قلوبهم معلقة بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } هم المريدون السالكون طريق محبته تعالى برقة قلوبهم وصفاء نياتهم وبذلوا مهجهم في سوق شوقه وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال { وَفِي الرقاب } هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله تعالى وبقيت نفوسهم في المجاهدة في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلية إلى الشهود فتارة تراهم في لجج بحر الإرادة ، وأخرى في سواحل بحر القرب ، وطوراً هدف سهام القهر ، ومرة مشرق أنوار اللطف ولا يصلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقية من المجاهدة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والأحرار ما وراء ذلك وقليل ما هم :

أتمنى على الزمان محالا *** ان ترى مقلتاي طلعة حر

{ والغارمين } هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية وما أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية ، والمعرفة غريم لا يقضي دينه { وَفِى سَبِيلِ الله } هم المحاربون نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون بقلوبهم في شهود الغيب لكشف المشاهدات { وابن السبيل } هم السافرون بقلوبهم في بوادي الأزل وبأرواحهم في قفار الأبد وبعقولهم في طرق الآيان وبنفوسهم في طلب أهل الولايات { فَرِيضَةً مّنَ الله } على أهل الإيمان أن يعطوا هؤلاء الأصناف من مال الله سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي { والله عَلِيمٌ } بأحوال هؤلاء وغيبتهم عن الدنيا

{ حيكم } [ التوبة : 60 ] حيث أوجب لهم ما أوجب ، ومن الناس من فسر هذه الأصناف بغير ما ذكر ولا أرى التفاسير بأسرها متكفلة بالجمع والمنع

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (60)

قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن سبيل فرضية من الله والله عليم حكيم } .

{ الصدقات } جمع صدقة . وهي إذا أطلقت في القرآن دلت على أنها الزكاة المفروضة . على أن الزكاة المفروضة قد جعلها الله لأصناف ثمانية من الناس على الخصوص دون غيرهم ، وقد بينهم الآية . ويأتي في طليعة هذه الأصناف من الناس المستحقين للزكاة : الفقراء والمساكين . وثمة خلاف بين العلماء في الفرق بين الفقير والمسكين . وذلك على عدة أقوال نقتضب منها أربعة .

القول الأول : الفقير هو المحتاج المتعفف ، أما المسكين فهو الفقير السائل ، فالفقير لا يسأل الناس ، والمسلكين يسألهم .

القول الثاني : الفقير ، هو الذي ليس له شيء . وأما المسكين فهو الذي له شيء ، وبذلك فإن المسكين أسوأ حالا من الفقير ، ويحتج لذلك بما رسول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر . وروي عنه أنه قال : ( اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ) . ولو كان المسلكين أسوأ حالا والفقير لتناقض الخبران . والفقير في اللغة أو المفقور هو الكسير الفقار . أو المكسور فقار الظهر . وهو يدل على شدة الحاجة وسوء الحال . هذا قول الشافعية{[1809]} .

القول الثالث : المسكين هو الذي لا شيء له ، والفقير هو الذي له أدنى بلغة ، أو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه . وهو قول الكرخي . وحكاه أبو العباس ثعلب ، ويحتج لذلك بما روي البخاري عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان ؛ ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحق أو لا يسأل الناس إلحافا ) . وأخرج البخاري كذلك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ، ولكن المسلكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن به فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس ) وذلك يدل على أن المسكين لهم أسوأ حالا من الفقير{[1810]} .

القول الرابع : الفقير هو المحتاج الذي به زمانة ، والمسكين هو المحتاج الصحيح . وهو قول قتادة{[1811]} .

الصنف الثالث : { العاملين عليها } وهم السعاة أو الجباة الذين يبعثهم الإمام لجمع الزكاة من المالكين ؛ فهم بذلك وكلاء عن الإمام في هذه الوجيبة ، وهؤلاء السعاة يستحقون حظا من الزكاة جزاء عملهم .

أما ما يأخذونه من الزكاة ، فقيل : يأخذون الثمن . وذلك بقسمة الله الصدقات على أصناف ثمانية . وهو قول الشافعي . وقيل : يعطون قدر عملهم من الأجرة . وهو قول الحنفية والمالكية . وقال به ابن عمر ، وعمر بن عبد العزيز . وقيل : يعطون من بيت المال ، ومن غير مال الزكاة ، وهو ضعيف ؛ لأن سهمهم في الزكاة مذكورا نصا في الآية { والعاملين عليها } .

الصنف الرابع : { المؤلفة قلوبهم } وهم قوم يتألفهم المسلمون على الإسلام فيعطون نصيبا من الزكاة . وهم ثلاثة أنواع :

النوع الأول : كفار يعطون لدفع معرتهم وكف أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين ، والمعرة هي الإثم وهو يعر قومه ؛ أي يدخل عليهم مكروها ، وعرة بضم العين ، وعارورة ؛ أي قذر{[1812]} .

النوع الثاني : كفار يعطون لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار من اجل الدخول في الإسلام ، ولئلا يمنعوا من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ، وعلى هذا فالمؤلفة قلوبهم من الكفار صنفان : من يرجي إسلامه ، ومن يخشى شره . فهؤلاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من اجل استمالتهم او دفع شرهم{[1813]} .

النوع الثالث : مسلمون حديثو عهد بالكفر ، يتألفهم الإمام من سهم الزكاة أو المصالح ، على الخلاف في ذلك . وذلك لترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوبهم ودفع الفتنة عنهم ، المحتملة من الشرك والمشركين .

وما ينبغي لمرتاب أو جاهل أن يعجب أو يتساءل عن وجه الإعطاء لها النصيب من الزكاة من أجل أن تتألف قلوب الكافرين والحاقدين والمترددين ؛ فإنه المسألة معقولة وجلية لمن تدبر أو تفكر . وأساس الأمر في هذه المسألة أن الإسلام يراعي أصناف البشر من حيث اختلاف طبائعهم وأهوائهم وفطرهم فما خلق الله الناس على نسق واحد متحد من الطبع والفطرة . وإنما الناس في ذلك مختلفون متفاوتون . فمن الناس من تستميله الكلمة الرقيقة الرحيمة والأسلوب الكريم الحاني ليسلس لمحدثه القياد والطاعة فيسير معه في لين وود ، ومنهم من يؤثر فيه البرهان الساطع والحجة الدامغة حتى إذا دخله اليقين وغشيته القناعة ؛ جنح للصواب ، واستجاب لنداء الحق المبين ، وسار مع السائرين في ظل الله وفي ضوء منهجه الحكيم الشافي . ومن الناس من لا تستميله حجة ولا برهان ، ولا يؤثر فيه علم ولا بيان ، ولا يعطف عقله أو قلبه أساليب العاطفة الغامرة أو التحنان الندي ؛ بل تؤثر فيه أسباب القوة والسنان ، وتردعه عن ظلمه وترديه في الفاحشة والضلال ؛ شدة البأس وقوة الشكيمة والترهيب . ومن الناس من لا يعطفه أو يؤثر فيه شيء مما ذكر ؛ فلا يجدي معه النقاش والبرهان ، ولا يستميله الخلق وقوة البيان . ولا يستميله أو يستعطفه الترهيب واشتداد الشكيمة . وإنما يستميله المال وحده . فإذا هو أوتي نصيبا من المال رق ولان ، وجنح لحب من يحسن إليه بالعطية . ومن أجل ذلك شرع الإسلام نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة مراعاة لطبائع البشر التي لا يحبط بحقيقتها ولا يعلمها كامل العلم إلا بارئها { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } .

انقطاع سهم المؤلفة قلوبهم .

هل انقطع سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ثمة قولان للعلماء في ذلك :

القول الأول : وهو سقوط سهم المؤلفة قلوبهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . وهو قول الحنيفة والشافعية في أحد القولين لهم . وقال به عمر والحسن والشعبي وآخرون ؛ فقد ذهب هؤلاء إلى انقطاع هذا الصنف من مستحقي الزكاة بعز الإسلام وظهوره . وعللوا انتهاء هذا الحكم بانتهاء علته ؛ وذلك كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار . وأجيب عن ذلك : بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علته كما في الرمل والاضطباع{[1814]} في الطواف ، فإن انتهاءها لا يستلزم انتهاءه .

القول الثاني : إثبات سهم المؤلفة قلوبهم وعدم انقطاعه ، وهو قول الحنبلية والشافعية في المعتمد من مذهبهم ، واحتجوا بظاهر الآية ؛ فقد سمى الله المؤلفة قلوبهم في الأصناف الثمانية الذين سمى لهم الصدقة . وكذلك السنة ؛ فقد أخرج البيهقي بإسناده عن زياد بن الحارث الصدائي ( رضي الله عنه ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام ، ثم أتاه آخر فقال : أعطني من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى يحكم هو فيها ؛ فجزأها ثمانية أجواء ، فغن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك –أو أعطيناك- حقك ) وقد ثبن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مشهورة أنه أعطى المؤلفة قلوبهم ولم يزل كذلك حتى مات . ولا يجوز نرك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ ؛ ولا نسخ .

قال الزهري في هذا المعنى : لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة . وقال ابن العربي أيضا : الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا ، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان يعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم{[1815]} .

والراجح عندي أن إعطاءهم منوط بالإمام ؛ فإن وجد في إعطائهم مصلحة للإسلام أعاطهم ، وإلا توقف إعطاؤهم ؛ فإنما يعول في ذلك على مصلحة الإسلام من حيث ترغيب الناس فيه واستمالتهم إليه ودرء شرهم وكيديهم عنه .

الصنف الخامس : { وفي الرقاب } والمراد بهؤلاء موضع خلاف نوجزه في قولين :

الصنف الأول : المراد بهم المكاتبون ؛ وهو أن يصرف إليهم هذا السهم من الزكاة ؛ فلا يجزي العتق من الزكاة ؛ وهو قول أكثر العلماء ؛ وهو أن إعطاء المكاتبين من الزكاة هو المراد من الآية ، أما عنق الرقبة ؛ فإنه لا يسمى صدقة ؛ لأن إيتاء الزكاة تمليك الأخذ ، وليس العتق تمليكا لمال . ويستدل على ذلك أيضا من السنة بما أخرجه البيهقي عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا مؤمل أول مكاتب في الإسلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعينوا أبا مؤمل ) فأعين ما أعطى كتابه ،

وفضلت فضلة فاستفتى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يجعلها في سبيل الله .

القول الثاني : { وفي الرقاب } معناه فك الرقاب ؛ وبذلك يجوز للإمام أن يشتري رقابا من مال الصدقة ويعتقها عن المسلمين ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين ، وإن اشتراهم صاحب الزكاة وأعتقهم جاز ، وهو قول المالكية ، وقد روي عن ابن عباس والحسن ، وهي رواية عن أحمد ، وقال به إسحاق وأبو عبيد وأبوة ثور . واحتجوا بقوله : { وفي الرقاب } فإن كان للرقاب سهم من الصدقات كان له أن يشتري الفرس فيحمل عليه في سبيل الله . فإذا كان له أن يشتري فرسا من الزكاة ؛ فإنه يجوز له أن يشتري رقبة ، ولا فرق بين ذلك{[1816]} .

الصنف السادس : { والغارمين } وهو جمع ومفرده الغارم . وهو المدين ، وقد يكون الغريم الدائن . والغرامة ما لزم أداؤه . وكذا المغرم والغرم ، وعلى العموم فإن الغارمين هم الذين أثقلهم الدين وليس عندهم ما يوفون به دينهم ، فإن هؤلاء يعطون من الزكاة بغير خلاف إلا إذا كان استدان في سفاهة ؛ فإنه لا يعطي من الزكاة إلا أن يتوب إلى ربه{[1817]} . وثمة مسائل في هذا الصدد :

المسألة الأولى : إذا كان لرجل على معسر دين فأراد أن يجعله عن زكاته فقال له : جعلته عن زكاتي ؛ ففي جواز ذلك قولان :

القول الأول : عمد الجواز ، وهو قول الحنبلية والشافعية ، وكذا المالكية في أحد القولين لهم . ووجه ذلك : أن الزكاة في ذمة المزكي ولا يبرأ إلا بإقباضها . واحتسابها بدلا عن الدين لا يكون إقباضا ؛ فلا يحتسب الدين من الزكاة قبل قبضه . ومعلوم أن الزكاة إيتاء ، أما هذا فهو إسقاط ، وهما مختلفان .

القول الثاني : الجواز ، وعلى هذا لو تصدق على مدينه الفقير جاز ؛ لأن المدين قبض عينا ، والعين تجوز عن العين والدين جميعا ، وهو قول الحنفية وكذا الشافعية والمالكية في قول لهم ، وقد ذهب إليه الحسن البصري وعطاء{[1818]} .

المسألة الثانية : لو مات وعليه دين وليس له تركة ، هل يقضي دينه من سهم الغارمين ؟ ثمة قولان في هذا :

أحدهما : الجواز ، وهو قول المالكية ، والشافعية في أحد قوليهم . وعلى هذا لو مات فإنه يوفى دينه من الزكاة إن استدان في غير فساد كشرب خمر أو قمار ونحو ذلك .

ثانيهما : عدم الجواز ، وهو قول الحنفية ، والشافعية في قولهم الثاني ، وهو مذهب أحمد . ووجه هذا القول : أن قضاء دين الغير لا يقتضي التمليك منه . ودليل ذلك أن ما أخرجه الدراقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا أولى بكل مؤمن من نفشه ؛ من ترك كالا فلورثته ، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي ؛ أنا أقضي دينه ، وأفك عانيه ) {[1819]} .

المسألة الثالثة : وهي نقل الزكاة من بلد على بلد آخر . فثمة خلاف بين العلماء في ذلك ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الزكاة تقسم في كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره من البلدان . وإن أخرجها وأعطاها الفقراء جاز مع الكراهة . وروي عن أبي حنيفة قوله إنه لا بأس أن يبعث الزكاة من بلد إلى آخر إلى ذي قرابته .

وذهبت الشافعية إلى أن صرف الزكاة إلى الأصناف في البلد الذي فيه المال دون غيره واجب . أما إن نقلها إلى بلد آخر ففي المذهب قولان : الجواز ؛ لأنهم من أهل الصدقات . والثاني : عدم الجواز ؛ لأن الزكاة حق واجب لأصناف البلد . فإذا نقل عنهم إلى غيرهم لا يجزئه ذلك .

وذهبت الحنبلية إلى أن الصدقة لا يجوز نقلها من بلدها إلى مسافة القصر واحتجوا بالخبر وهو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن : ( أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) وهذا يختص بفقراء بلدهم ، ولأن المقصود إغناء الفقراء بها فإذا نقلها أفضى ذلك إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين . على أنه لو خالف ونقلها إلى بلد آخر أجزأه ذلك . وهو قول أكثر العلماء{[1820]} .

الصنف السابع : { وفي سبيل الله } وفي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء ، فالمراد بذلك عند أبي يوسف من الحنفية : فقراء الغزاة وهم المجاهدون . وقال محمد ابن الحسن الشيباني : المراد به منقطع الحاج . واحتج بما روي البخاري عن أبي لاس قال : ( حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج ) ولا تصرف الزكاة باتفاق الحنفية إلى أغنياء الغزاة ، فإن مصرف الزكاة هم الفقراء ؛ وذلك لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن حنبل حين بعثه إلى اليمن : { فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) وهذا يدل على أن الزكاة لا تصرف لأغنياء المجاهدين بل للفقراء{[1821]} .

أما الشافعية فذهبوا إلى أن سهم سبيل الله المذكور في الآية يصرف إلى الغزاة الذين لا حق لهم في ديوان السلطان بل يغزون متطوعين ، واحتجوا من السنة بما أخرجه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو لغاز في سبيل الله ، أو لغني اشتراها بماله ، أو فقير تصدق عليه فأهداها لغني أو غارم ) وبذلك فإنه يعطي المجاهد سواء كان غنيا أو فقيرا ، ويعطي ما يستعين به على الغزو من نفقة الطريق وما يشتري به السلاح والدابة وغير ذلك من أسباب الحرب . على أنه يعطي الدين يتطوعون للجهاد وليس لهم أرزاق مرتبة في الديوان . أما الغزاة المرتبون في ديوانه السلطان ولهم فيه حق : فلا تعطون من الزكاة من غير خلاف في المذهب{[1822]} .

وذهبت المالكية إلى أن المراد بهذا الصنف الغزاة وموضع الرباط ؛ فهم يعطون ما ينفقون في غزوهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء{[1823]} واحتجوا بما ٍأخرجه أبو داود عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ، أو لعامل عليها ، أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني ) .

أما الحنبلية فقالوا : إن المراد بقوله : { وفي سبيل الله } : الحج . وبذلك يعطي هذا السهم للحجاج والعمار . وهو قول الحسن وإسحق . وقال به محمد بن الحسن من الحنفية . واستدلوا على ذلك بقول أبي لاس : حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج .

الصنف الثامن : { وابن السبيل } والمراد به المسافر الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده وماله وإن كان غنيا في بلده ؛ فإنه يعطي من الصدقة وإن كان له مال في بلده ولا يلزمه إشغال ذمته بالدين .

وعلى هذا فإن ابن سبيل وهو المسافر المجتاز في بلد وليس معه شيء يستعين به على سفره ، يعطي من الصدقات ما يكفيه إلى بلده . وكذلك من أنشأ سفرا من بلده وليس معه شيء ؛ فإنه يعطي من مال الزكاة ما يكفيه في ذهابه وإيابه ، ويستدل على ذلك بظاهر الآية ، وبالخبر : ( لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو جار فقير تصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك ) .

ويعطي المسافر ما يحتاجه للمؤونة فيلا سفره ولا يضر غناه في غير سفره . وإن كان سفره في طاعة كحج أو جهاد أو زيارة مفروضة أو مندوبة أو نحو ذلك ؛ دفع إليه من الزكاة . بغير خلاف في ذلك . أما إن كانت سفره في معصية كقطع الطريق ونحو ذلك من وجوه المعصية والإفساد ؛ فلا يعطي من الزكاة بغير خلاف لما في الدفع إليه من عون على المعصية . وأما إن كان السفر في مباح كتحصيل رزق ، أو استيطان في بلد ، أو يقصد التنزه ؛ فإنه يدفع له على الأصح . وذلك على سبيل الرفق بالمسافر في المباح ، قياسا على الرفق به في الطاعة{[1824]} .

أما هل تعطي الزكاة لصنف واحد ، فثمة قولان في ذلك :

القول الأول : جواز إعطاء الزكاة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية ، فإن أعطاها صنفا واحدا أجزأته . وهو قول الحنفية والمالكية والحنبلية ، وقال به من السلف عمر وحذيفة وابن عباس ، وسعيد بن جبير والسحن والنخعي وعطاء وعمر ابن عبد العزيز{[1825]} . واستدلوا على ذلك بظاهر قوله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } وهذا عموم في جميع الصدقات ؛ لأنه اسم جنس لدخول الألف وللام عليه . ويدل ذلك على دفع جميع الصدقات إلى صنف واحد من المذكورين وهم الفقراء . وكذلك قوله تعالى : { في أموالهم حق معلوم 24 للسائل والمحروم } وهذا يجوز إعطاء الصدقة هذين الصنفين والمستحقين وهو ما ينفي وجوب قسمتها على ثمانية أصناف .

واستدلوا من السنة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) فدل ذلك على أنه مأمور برد الصدقة بجملتها في الفقراء وهم صنف واحد ولم يذكر سواهم .

واستدلوا بجملة من الآثار منها ما أخرجه البيهقي عن حذيفة قال : إذ أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف الثمانية أجزأه . وكذلك ما أخرجه البيهقي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء } قال : يجزيك أن تجعلها في صنف واحد من هذه الأصناف{[1826]} .

القول الثاني : وجوب صرف الزكاة إلى ثمانية أصناف وهم المذكورون في الآية . ودليل ذلك قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغامرين وفي سبيل الله وابن سبيل } فقد أضاف جميع الصدقات إلى الأصناف الثمانية كلهم . وذلك بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك . فدل ذلك على أن مال الزكاة مملوك لهم ، مشترك بينهم . على أنه يجب التسوية بين الأصناف الثمانية في التوزيع دون تفضيل بينهم . وهذا قول الشافعية وأهل الظاهر ؛ لأن الله سوى بينهم في الآية . فإن وجدت الأصناف الثمانية وجب لكل صنف ثمن . وإن وجد منهم خمسة أصناف وجب لكل صنف خمس ، ولا يجوز تفضيل صنف على صنف بالاتفاق في المذهب . وإذا فقد بعض الأصناف فلم يوجدوا في البلد ولا غيره ، قسمت الزكاة بكمالها على الموجودين من باقي الأصناف .

صرف الزكاة في غير مصارفها الثمانية

لقد خصت الآية الأصناف الثمانية بالزكاة . وتبين ذلك من قوله : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية ، وإنما ، تفيد الحصر . فالزكاة بذلك يجب حصرها في الأصناف الذين ذكرتهم الآية وهم ثمانية دون غيرهم . وعلى هذا لا تصرف الزكاة في وجوه البر أو المشاريع الخيرية المختلفة كبناء المساجد والقناطير والجسور والسقايات وإصلاح الطرقات وتكفين الموتى والتوسعة على الأضياف ونحو ذلك من وجوه الخير والإصلاح . 3 وقد ذهب إلى ذلك هامة أهل العلم احتجاج بقوله تعالى : { إنما الصدقات } فقوله : { إنما } يفيد الحصر والإثبات ؛ فهي تثبت المذكور وتنفي ما عداه . وذهب أنس والحسن إلى صرف الزكاة في المشاريع الخيرية ومختلفة وجوة البر والإصلاح من غير الأصناف استنادا إلى عموم قوله تعالى : { وفي سبيل الله } {[1827]} .

حد الغنى

اختلفوا في وصف الغني الذي لا يجوز معه أخذ الزكاة ؛ فقد ذهبت الحنفية إلى أن الغني هو ملك النصاب ؛ فمن ملك نصابا كان غنيا ، وليس له أن يأخذ من الزكاة{[1828]} .

وذهب الحنبلية في الأظهر من مذهبهم إلى أن الغنة هو مالك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب ، أو وجود ما تحصل به الكفاية من كسب أو تجارة أو عقار أو نحو ذلك . ولو ملك من العروض أو الحبوب أو السائمة أو العقار ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيا وإن ملك النصاب ، وهو الظاهر من مذهب أحمد ، وقال به الثوري والنخعي وإسحاق{[1829]} .

أما المالكية والشافعية في جملة قولهم : أن الغني من كانت عنده كفاية تغنيه . وعلى هذا فالفقير الذي يستحق سهما في الزكاة هو الذي ليس له كفاية من مال وهو غير متكسب ؛ فمن كان له دار يسكنها أو ثوب يلبسه متجملا به وليس له مال أو كسب فهو فقير{[1830]} .

قوله : { فريضة من الله } { فريضة } منصوب على المصدر ؛ أي فرض الله الصدقات على المسلمين فريضة .

قوله : { والله عليم حكيم } الله عليم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من الأحكام ، وهو كذلك حكيم ؛ إذ يضع الأشياء في مواضعها ، ويدبر الأمور ، خير تدبير وذلك عن حكمة بالغة وعلم أزلي مطلق{[1831]} .


[1809]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 364 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949.
[1810]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949 والقاموس المحيط جـ 2 ص 115.
[1811]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 322، 323 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 949.
[1812]:مختار الصحاح ص 422، 423.
[1813]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 324 والمجموع جـ 6 ص 198 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 259.
[1814]:الاضطباع: ما يؤمر به الطائف بالبيت أن يدخل الرداء تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على يساره، وبيدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر. سمي بذلك الإبداء أحد الضبعين. انظر مختار الصحاح ص 376.
[1815]:شرح فتح القدير ومعه شرح العناية جـ 2 ص 260 والمغنى جـ 2 ص 666 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 954 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 181.
[1816]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 182 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 955.
[1817]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 184 وأحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 327.
[1818]:البيان شرح الهداية جـ 3 ص 208 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 1 ص 236 والمجموع جـ 6 ص 210.
[1819]:البناية جـ 3 ص 208 والمجموع جـ 6 ص 221 وأحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 956 وبلغة السالك على شرح الدردير جـ 1 ص 233.
[1820]:المغنى جـ 2 ص 672- 674 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 174- 176.
[1821]:شرح فتح القدير جـ 2 ص 264 والبناية جـ 3 ص 198.
[1822]:المجموع جـ 6 ص 212، 213 والأنوار ومعه حاشية الكمثري جـ 1 ص 219.
[1823]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 957 وبداية المجتهد جـ 1 ص 234.
[1824]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 330 والبناية جـ 3 ص 201 والمجموع جـ 6 ص 14، والأنوار ج، 1 ص 219.
[1825]:أحكام القرآن للجصاص جـ 4 ص 344 والمغني جـ 2 ص 668 وأسهل المدارك جـ 1 ص 410 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 265 وبداية المجتهد جـ 1 ص 232.
[1826]:المجموع جـ 6 ص 216 والأنوار جـ 1 ص 223 والأحكام السلطانية للماوردي ص 123 والمحلي جـ 6 ص 143
[1827]:فتح القدير جـ 2 ص 373 والمغني جـ 2 ص 667 وأسهل المدارك جـ 1 ص 412 وشرح فتح القدير جـ 2 ص 267.
[1828]:شرح البيانة جـ 3 ص 209.
[1829]:المغني جـ 2 ص 661.
[1830]:أحكام القرآن لابن العربي جـ 2 ص 961 والمجموع جـ 6 ص 190 والأنوار جـ 1 ص 2.
[1831]:تفسير القرطبي جـ 8 ص 192 وتفسير البيضاوي ص 258.