مكية كما روى عن ابن عباس وقتادة وفي التحرير هي مكية بإجماعهم وقال ابن عطية : مكية إلا قوله تعالى ( ويرى الذين أوتوا العلم ) وروى الترمذي عن فروة بن مسيكة المرادي قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي الحديث وفيه وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل : يا رسول الله وما سبأ الحديث قال ابن الحصار هذا يدل على أن هذه القصة مدنية لأن مهاجرة فروة بعد إسلام ثقيف سنة تسع ويحتمل أن يكون قوله وأنزل حكاية عما تقدم نزوله قبل هجرته فلا يأبى كونها مكية وآياتها خمس وخمسون في الشامي وأربع وخمسون في الباقين وما قيل خمس وأربعون سهو من قلم الناسخ ووجه اتصالها بما قبلها أن الصفات التي أجريت على الله تعالى في مفتتحها مما يناسب الحكم التي في مختتم ما قبل من قوله تعالى : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) إلخ وأيضا قد أشير فيما تقدم إلى سؤال الكفار عن الساعة على جهة الاستهزاء وههنا قد حكى عنهم إنكارها صريحا والطعن بمن يقول بالمعاد على أتم وجه وذكر مما يتعلق بذلك ما لم يذكر هناك وفي البحر أن سبب نزولها أن أبا سفيان قال لكفار مكة لما سمعوا ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) كأن محمدا يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت ويتخوفنا بالبعث واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث فقال الله تعالى قل يا محمد بلى وربي لتبعثن قاله مقاتل وباقي السورة تهديد لهم وتخويف ومن هذا ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها انتهى .
{ الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض } أي له عز وجل خلقاً وملكاً وتصرفاً بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة جميع ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فكأنه قيل : له هذا العالم بالأسر ، ووصفه تعالى بذلك على ما قاله أبو السعود لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة عند أرباب التحقيق بالاسم الجليل من اختصاص جميع أفراد المخلوقات به عز وجل ببيان تفرده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك وكون كل ما سواه سبحانه من الموجودات التي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها استحقاق الوجود فضلاً عما عداه من صفاتها بل كل ذلك نعم فائضة عليها من جهته عز وجل فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد الذي مداره الجميل الصادر عن القادر بالاختيار فظهر اختصاص جميع أفراده به تعالى ، وفي الوصف بما ذكر أيضاً إيذان بأنه تعالى المحمود على نعم الدنيا حيث عقب الحمد بما تضمن جميع النعم الدنيوية فيكون الكلام نظير قولك : أحمد أخاك الذي حملك وكساك فإنك تريد به احمده على حملانه وكسوته ، وفي عطف قوله تعالى : { وَلَهُ الحمد في الآخرة } على الصلة كما هو الظاهر إيذان بأنه سبحانه المحمود على نعم الآخرة ليتلاءم الكلام ، وفي تقييد الحمد فيه بأن محله الآخرة إيذان بأن محل الحمد الأول الدنيا لذلك أيضاً فتفيد الجملتان أنه عز وجل المحمود على نعم الدنيا فيها وأنه تبارك وتعالى المحمود على نعم الآخرة فيها ، وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك وأصله الحمد لله الخ في الدنيا وله ما في الآخرة والحمد فيها فأثبت في كل منهما ما حذف من الآخر ، وقال أبو السعود : إن الجملة الثانية لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به سبحانه على أن { فِى الآخرة } متعلق بنفس الحمد أو بما تعلق به { لَهُ } من الاستقرار ، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد فيها أيضاً بل ليعم النعم الأخروية كما في قوله تعالى : { الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } [ الزمر : 4 7 ] وقوله تعالى : { الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ } [ فاطر : 4 3 ، 5 3 ] وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله تعالى : { الحمد لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا } [ الأعراف : 3 4 ] أي لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان والعمل الصالح .
وأنت تعلم أن المتبادر إلى الذهن هو ما قرر أولاً ، والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة طريق التفضل أن الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ والاغتباط ، وقد ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس ، وقول الزمخشري : إن الأول واجب لأنه على نعمة متفضل بها والثاني ليس بواجب لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها مبني على رأي المعتزلة على أن قوله : لأنه على نعمة واجبة الإيصال ليس على إطلاقه عندهم لأن ما يعطي الله تعالى العباد في الآخرة ليس مقصوراً على الجزاء عندهم بل بعض ذلك تفضل وبعضه أجر ، وتقديم الخبر في الجملة الثانية لتأكيد الحصر المستفاد من اللام على ما هو الشائع اعتناء بشأن نعم الآخرة ، وقيل : للاختصاص لأن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة ، وكأنه أراد لتأكيد الاختصاص أو بني الأمر على أن الاختصاص المستفاد من اللام بمعنى الملابسة التامة لا الحصر كما فصله الفاضل اليمني ، وأما أنه أراد لاختصاص الاختصاص فكما ترى ، ويرد على قوله : ولا كذلك نعم الآخرة { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } [ الإسراء : 9 7 ] فتأمل { وَهُوَ الحكيم } الذي أحكم أمر الدارين ودبره حسبما تقتضيه الحكمة { الخبير } العالم ببواطن الأشياء ومكنوناتها ويلزم من ذلك علمه تعالى بغيرها ، وعمم بعضهم من أول الأمر وما ذكر مبني على ما قاله بعض أهل اللغة من أن الخبرة تختص بالبواطن لأنها من خبر الأرض إذا شقها ، وفي هذه الفاصلة إيذان بأنه تعالى كما يستحق الحمد لأنه سبحانه منعم يستحقه لأنه جل شأنه منعوت بالكمال الاختياري وتكميل معنى كونه تعالى منعماً أيضاً بأنه على وجه الحكمة والصواب وعن علم بموضع الاستحقاق والاستيجاب لا كمن يطلق عليه أنه منعم مجازاً .
قوله : { الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض } ملكاً وخلقاً ، { وله الحمد في الآخرة } كما هو له في الدنيا ، لأن النعم في الدارين كلها منه . وقيل : الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى : { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } { الحمد لله الذي صدقنا وعده } . { وهو الحكيم الخبير* }
هذه السورة مكية كلها ، باستثناء آية واحدة اختلفوا في كونها مكية أو مدنية وهي { وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ } والسورة مبدوءة بحمد الله ، مالك السماوات والأرض ؛ فهو سبحانه يحمده الحامدون في الدنيا والآخرة ، يحمده المؤمنون من الخلائق أحياء وغير أحياء ، ويحمده المؤمنون من الإنس والجن والملائكة ، وتحمده السماوات والأرض بما حوته من أجرام هائلة وكثيرة ومختلفة .
وفي السورة تأكيد بالغ على قيام الساعة . وهذه حقيقة كونية هائلة وقد أمر الله نبيه الكريم أن يقسم بجلاب الله على وقوعها وأنها كائنة إذا جاء ميعادها ، وهو قوله سبحانه : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } .
وفي السورة إخبار عن بعض النبيين السابقين وعن ضلالات الأمم الغابرة . وذلكم نبي الله دود آتاه الله من لدنه فضلا إذ سخّر له الجبال والطير مُسبّحة معه ومؤوِّبة تأويبا ، وكذلك الحديد قد ألانه الله له ليصنع منه الدروع . وكذلك سليمان عليه الصلاة والسلام وهو نبي عظيم من أنبياء إسرائيل ، سخر الله الريح لتحمل بساطه وعلى متنه الراكبون والأمتعة الثقال .
وفي السورة بيان بقصة سبأ ، وهم ملوك اليمن وأهلها ومنهم التابعة فقد آتاهم الله سعة في الرزق وطيبا في العيش حتى إذا عصوا وجحدوا فضل ربهم أرسل الله عليهم سيلا جارفا فتفرقوا في البلاد شذَر مذَر .
وفي السورة بيان بأحوال المجرمين الخاسرين وهم في العرصات يوم القيامة ؛ إذ يتلاومون فيما بينهم فيوبخ بعضهم بعضا ، وقد أنحى كل فريق باللوائم على الفريق الآخر بما ينسبُه إليه من تسبب في الهلكة والخسران . إلى غير ذلك من معاني التذكير والتنذير والترهيب .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 1 ) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } .
الله المحمود في الكون كله وله الثناء الكامل ، والشكر المطلق . فهو المنعم بأنعمه وآلائه المستفيضة ، وهو مالك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن وله ملكوت كل شيء ، وهو سبحانه المحمود في الآخرة مثلما هو محمود في الدنيا { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } الله حكيم في أقواله وأفعاله وهو الحكيم في تدبير أمور خلقه { الخبير } بما يقولون أو يفعلون . العليم بما يُظهرون وما يُسرّون . وهو سبحانه أعلم بما يصلح شأنهم وبما تصلُح عليه أحوالهم في هذه الدنيا ليسعدوا في حياتهم ثم يُصار بهم إلى النجاة في الآخرة .